المثقف - قراءات نقدية

صور الشكوى في (إطفئيني بنارك) لـيحيى السماوي

الخبز يشكو الجوع

والينبوع يستجدي السراب

وتشحذ الشمس الضياء من الفوانيس الكفيفة

ما الجديد إذن

إذا جحدت مغنيها الربابة

والنديمة صَيْرَتْ من شعرها

حبلاً لمشنقة..ومن شباكها لهزار قلبك

مقصلة؟

سؤال عميق الشكوى ..من خلال السياق النفسي الذي يجيء كالماء يشبع القلب اللهيف، ويردي الجفن الذي أخذت مساحة اللوعة منه ما أخذت، وخلو الوصل من حبال المودة، تنامت صور الشكوى،فأوجدت بجو حالم هادئ يتلاءم مع البوح، فمن قصيدة (رغيف من الشبق):-

لا ترفقي بي ..إنني حطباً أتيتك فاسجريني!

هيّأت مائي يا طحين لصحن خبزك فاعجنيني !

يمتلك السماوي طاقة من التجدد والإنفتاح وله من الموسيقى عن غنى روحي فيّاض، وانفتاح مستمر لا توجد لديه أنظمة مغلقة تكبّر حسرته على الماضي، بقدر حسرته الآن من خلال مفرداته الجفاء، الفراق وافتضاح العيون أنْ ترى الفقر، وهي وحيدة ساهمة، ولا يحميها سوى صورة خلف الرؤية لترسم فراغها.ومن (محاورات فاشلة):-

ونديمة

كانت تويجتها أنيسة ميسمي

شفتان من كرز ..

وعينان استفاق العشب في حقليهما

وحمامتان

يكاد عشهما يضيق به القميص

فحلَّ أزرارا ليفسح

في المجال

موسيقاه الخليلية منفتحة، يمنح القارئ لوظيفة الإيقاع، لأن الإيقاع وعاء يحتوي دمدمة التراكم الصوتي، فان خروجها بشكل يهز الوجدان، إبداع فني لمنشئ بارع أوجد من اهتزازات صوتية داخله إلى أنغام باذخة يسمعها المتلقي فتحرك محيط جوفه لتخرج كلمة الجمال العظمى (الله) لكل صورة إحساس صادقة .فالإيقاع لا يحد المشاعر، ولا يكبتها ولا يضع الطوق في جيد المدى .أماكنه رحبة يتحرك بها طائر حرّ مكتمل ريش أجنحته، وإن شعر التفعيلة لونا إيقاعيا ومسالك توصل أمواج مفرداته رغبة :

كيف الهروب

وأنت تمتدين من عينيَّ حتى القلب

من شمسي إلى نجمي

ومن يومي الطريد إلى ثبات الآخرة؟

عندما نقرأ للسماوي نجده منظم في حركة النفس والجسد تسوّغه العاطفة والأفكار، له وقع عاطفي رنيني، يتميز في طبيعة بنائية يظهر زخم القول، تعطي كثافة لغة شعره بإفصاحه عن القيم الشعورية وتلويناً للمعنى، يعتمد التناظر أحيانا ليصور لنا جمال تراكيبه المتأججة، ففي (انجديني) بنى صوره متناظرة تارة:

وأسمي زهرة التفاح صبحا

واسميك الفضاءات المرايا

وأسميني المغيب

وأسمي مهبط الياقوت في عقدك سفحا

لهضاب الفل والريحان والآس الرطيب

ويكمل ما بدأ من التسميات وفق هذا الإطار الجميل السلس وأحيانا يرد العجز على الصدر ليبرهن على أن الصور تتزاحم في صنعة وأي ركن من أركان النحت الشعري وبلا تكلف فيقول :

فضح الجهرُ عذاباتي .. وزاد السر والتأويل فضحا

يخاطب قارئه عبر مخاطبته لنفسه، لن يجهده بل يحمله صور متعددة من روحه لكي يذهب نفسه في تصور وخيال يختلف فيها موضع اللم .من حيث قدومه الى نفس الموضع وبتشوق وتوجع، يمارس متعة التأمل، ليبوح لنا:

جربت يوماً

أن أرى أنثى سواك تضيء كهف الليل

في مرآة عيني

فاستحى من مقلتي جفني

وهدبي

يصور بعين عاطفته مكابدات لتجربة حقيقية، وهبته البيئة وطبيعة المجتمع (والإنسان نتاج بيئته) من تواصل إنساني وجسدي، فالركن الثالث من صراع الشاعر العربي إنتفت الحاجة إليه، لأنه أصبح موفور وهو ركن الجنس، لا أعتزم بقولي أنَّ انفلاتاً، ولكن توفره عند طلبه، يجعل القلق الداخلي أو العوز الفسيولوجي مطمئن، إضافة إلى أيدلوجيته ولا اعني انسلاخاً روحيا من عادات وتقاليد وقيم مجتمعه الأم، وشعائره الروحية التي ولد عليها، ولكن ساحة المحارب ستكون لمطلب آخر وهو المعترك السياسي، وهمومه الوطنية بعيدة عن صراع حاجاته النفسية ليظهر نهر إنساني طافح الموج :

وعرفت أن جميع آلهة المدينة

والدعاة الى الصلاة

سماسرة

والقائمين بأمر أرغفة الجياع

بدار دجلة والفرات

أباطرة

 

رغم طول النفس في البيت الشعري أو المقطع إلا أن المبنى يتآزر مع المعنى بامتدادا دلالياً واضحاً فيه من روحه الكثير، تسافر المفردات لديه على مساحة واسعة دون حدٍّ، كل قصائده تجعل القاريء في تماهى مع الجمل الشعرية المتوجعة ينبيء بكثير من الكل ام عمّا يقوله للحبيب:

إشفني مني تجد

ثغري قلبا.. ويدي قلبا

وأحداقي .. وصدري

وبقلبي لكَ آلاف القلوب

فتأخذ على المتلقي عقله ووجدانه يربك تمزقه بين الإخبار والاستفهام،والإيجاب والسلب، يظهر صور صراعه النفسي عنيف مع واقعه ويتنوع بين العشق والعاطفة، وبين العقل بصورة واضحة جلية، تطول مقاطعه لإتمام مقالته، يروي الحدث مياهاً ويتم كلامه، كما يمتلك وعي تام غير مشتت وبقصدية بائنة ضمن غاية محددة، ولنقرأ من سرده المقصود (إسراء نحو فردوسها) :

في الدرب نحو مدينة العشق اليقين

رأيت شيخاً عمره يومان\\ أو شهران \\ أو سنتان

أو دهران \\أو شمسان .. يلبس بردة ضوئية

فسألته

أي الدروب السهل نحو الله والفرج المؤيد

والسماوات السماك؟

فأجابني

هي فيك لكن \\ عينُ طيشك لا ترى

فرأيت شيطان الظنون .. ولم تحدق بالملاك.

إيقاعه الداخلي مرن الحركة، جميل المسيل، روحي النفثة، رغم كثرة تفعيلاته الا انه يعرضها صورا زاهرة وجدانية رهيفة الحسِّ، ندية العروق ماءها يبلُّ السامع عاطفة ن يكتبه بادراك لغوي، وبتوظيف جمالي قريب من القلب:

معصومة الأعذاق

والسعفات والرطب الثمين

إياك أن تتهيّمي

كتهيمي بك فأسمعيني

لي صبر صحراء السماوة

في مجالدة الطعون

حبّبتي لي إثمي .. وطيشي

واندحاراتي وهوني!

التنغيم عنده غني ببحور غنائية زاخرة، لم يفكر في الكتابة عليها وبكيفية استعمالها لخفوت التكلف وانطفاءه، بل تطفو بانهمار العاطفة الجياشة ابتداءا من لحظة ولادة البيت الأول من القصيدة، وعند انهمار الغيث حال توفر السحب ونوع الريح، وهذا مستوى نفسي خاص من خلال شيوع الحالة النفسية لرسم حالة الليل صورة شكوى،وعملية تحديد القمة الصورية من التكثيف الأعلى بالمنطقة الشعرية التي تولد الدهشة،تتقاطع صوره أحيانا وتتعارض مابين القمة والمركز، فالمركز يتجمع فيه المرمى القصدي للقصيدة، بينما القمة يزدحم بها الجهد الفني للقصيدة،والصورة الكلية في قصائده تصف احتياجات واجهاشاته التي يعاني منها إنسانيا، وذلك لإنهيار الركن الثاني من الصراع الأزلي الثلاثي بين الشاعر العربي وبيئته، وهو ركن الفقر، فعملية إيجاد أو وجود منافذ مادية ونحو إنبات العشب على الطرقات، يعني أن الغيث أعطى أكله للأرض فأزهرت،فعند اخضرار الروح يطفح على وجه أزهارها عطر الإنسانية لذا فالسماوي (يحيى) أكثر إنسانية وابلغ عاطفة، لأن الفقر صوان حجر وعملية تهشيمه بمعاول الفن الشعري سيترك حوافا خشنة،وأحيانا تبرز مُدى .

وإذا انبتت صحاريه ستكون أشجارها ألحسك، أما أشجارها المسالمة رمادية الألوان ترابية الصورة،تورث الشاعر مخالب جارحة وأمنيات في كثير من الأوقات مستحيلة التمثل. فالنفس كالأرض الصالحة تهتز وتربو للمطر وتخرج أجمل مافي أحشائها من زهور،وان حدث السيل سيجد المنقب على جواهر ثمينة أخرجتها يد الماء، بموسيقى لأن الصفو يملأ الروح صور أقمار ونجوم:

تفاحة الأمس البعيد

رمت بـ (آدم) خارج الفردوس

فانطفأ الصباح بمقلتيه\\ وأغمضت أجفانها الأقمار

فهو لذئب مندمه طريدْ .

الطاقة الإيحائية لصورة، حيث تتألف الصورة من التكوين الساكن والمتحرك لعوامل البناء في تركيب البيت خاصة والقصيدة عموماً .وتحرك الصور على مستوى رقعة اللغة والموسيقى ذاهلة، لإلتقاطات فاتنة تجعل للمتواصل معها عيناً للتأمل حتى توطن به صفة الإنحياز لها،يتحول من المشجع والراغب الى المحب، ليتكون في داخله صراع ميزاني بالمقارنة مع ما يدخر من ملامح الصور التي اختزنها، وتمكن الشاعر من الجذب والإبهار والمسك نجاح بكل مواطن الصورة على مختلف تواجدها في الشعر .لذا فالإيحاء يحفز القاريء على التمسك بمذهب أو نهج من أحبه بانعكسات من سطح القصيدة المادي الخارجي وفعلها الداخلي وقد يكون عاليا أو واطيء أو هاديء أو بسيط. فهذا التفاوت في القصائد يؤدي الى صراع او جدل فني ما بين المادي الخارجي وهو التراكيب والجمل والفعل الداخلي الذي يمثل المعنى،وليس لي أن أضع قصيدة أو قصيدة من مجموعة (اطفئيني بنارك) ضمن مستوى معين ولكني أضعها أمام القاريء المفتوح وحسب ثقافته:

 

واخترت من روض البتول حمامتين

ومن حرير الأمنيات ملاءة

وقلادة من طين دجلة والفرات

ومن بساتين السماوة غصن رمان

ونبتة ياسمينة

وحثالة مما تبقى من رماد الأمس

في تنور أمي المستباة..

وقطرة عذراء من عرق الشغيلة

عطرت لأبي جبينه

للتضاد الصوتي فيما بين المفردات داخل الصورة الشعرية، أما عن طريق التجاور اللغوي المكاني للمفردات او التجاور في التركيب الجملي في بناء الشطر أو البيت كاملاً،وحتى التجاور بين حروف الكلمات وتواليها موسيقيا، تؤثر في اذن المتلقي

على انواع مختلفة .فالتجاور الصحيح والإنتقاء الحسي لفعل الصوت عند الشاعر وثقافته الموسيقية الداخلية كموهبة وثقافته المكتسبة أو حرفية أكاديمية،تعطي التجاور اللغوي للمفردات وتعاضد أصواتها أو تضاد أصواتها في اللفظ كالتجاور التكلفي، لأعتقاد انتاج صورة غرائبية، لكنها ترسم صورة معاكسة على ذهن المتلقي ويحتاج الى فكر واسع كي يميز الصورة واضحة جلية ولا يمكن ان تكون طروب وغنائية، لكننا أزاء قصائد من السهل الممتنع :

هاجرت وحدي

حاملا بعضي معي ..

وتركت بعضي في ملاذك لائذا

خوفاًلاعليّ

من احتمال اللارجوع الى ضلالك ..

فالطريق معبد بالجمر

ترقبه الضباع ..........

هنا يخلق الشاعر البيت بمفردات بسيطة غنية من حيث التكوين الفني والتكوين المعنوي، مفهومة براقة تجري على اللسان وتحفظ من أول سماع وتردد من العامة،وهذا عطاء الاهي وعمق صحي نفسي في عقل الشاعر، تشريحي يسمى (السيالات)

وعملية تزيين او تغليف او ترصيع لأكمال الصورة تجعل البيت كيان قائم بذاته كحكمة أو قول فصل في شتى اغراض الشعر:

فهي المبشرة في الهوى

وأنا المبشِّر .. والمبشَر .. والرسالة ..والرسول !

سأعود طفلاً مشمس الأيام

في ديجور مملكة الكهول

 

هل أثرت الإنكسارات في روح السماوي؟ من خلال تجولي البطيء في هذه المجموعة حصرا، وجدت ان السماوي تآلف مع بيئته وطوى هموم المكان،أي طول الإقامة زرعت شجرة الإعتياد أو مد طرق المسير لتهشم حاجز الغربة المكانية، كشاعر يحمل الحنين وكما قلت سابقا، بان العرب أمة مكانية توارثت الحب المكاني ومسقط الرأس عبر اشعارها واعتزازها والتصاقها بالأرض جين وراثي. أرى السماوي غير منقطع لأن الأرض تبرز هنا وهناك، لكن ما طغى في هذه المجموعة، قلب موجع أخذ جانباً عاطفياً من شخصيته، أفاض بشعريته وبلل ورق الكتابة بمساحات متنوعة من ماء الحب واللوعة والشكوى والبكاء،وأوضحت أو ظهرت من بين شقوق التراكم الطيني أوراق النبت المكاني، فيقول روجير مرسييه (تدل الصورة في الشعر على أثر العوامل الطبيعية .. الأسس الجمالية ص262)

أحبك لست أدري ..

فاسألي عطش الصحارى

عن هيام الرمل بالمطر

ومقلة تائه أعمى

لكاس من رحيق الشمس

أو من كوثر القمر ............ الى ان يقول

..

أضيئي مقلتي بلقائك المأمول ..

طال على الكفيف الدرب

فاختصري

 

عيال الظالمي

                                          

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2738 المصادف: 2014-03-05 22:21:38