المثقف - قراءات نقدية

"عرس الذيب" لهيام الفرشيشي

heyam fershishقصة "عرس الذيب" لهيام الفرشيشي، قصة تخلق حيزا اسطوريا على هامش الواقع من خلال "الرجل الذئب"، فالكاتبة هنا تتعمد أن تعود بنا إلى الخلف لنحاول البحث عن نقطة انطلاقة محددة والتي سيكون من الصعب ايجادها لبروز اللغة والاحالات إلى اللا وعي (الحلم) ولهذا سوف نلتفت الى سياق مفتوح قد يصبح مسيطراً عليه في حالات متعددة فالرجل الذئب، هو ذئب يتلبس صورة رجل وسيم، كان معمرا فرنسيا قتله "الفلاقة"، فبقيت روحه (اللاوعي .. يتبدد) تتشكل على هيئة رجل يلبس معطفا بفرو، لا تغويه الأغنام ..يعوي فيغوي فتيات القرية. يغيب عواؤه ثم يجوع ليأكل اللحم الحرام، وهي تلعب من خلال هذه الشخصية على الجانب الذئبي العدواني في الانسان، وعن غريزته الفجة: "تعودت القرية على حكاية الرجل الذئب، الذي يختطف الصبايا، وتعود حراس المزارع على مسك البندقية تأهبا لقتله، ولكنهم لم يقدروا على ذلك فهو حذر يباغت فريسته من حيث لا تدري ويجرها الى مكان مرتفع"... كما انفتحت القصة على مراسم الاحتفال الجماعي، وفي ذات الوقت فهي تحيل على المنطوق الشعبي فعرس الذيب هو الطقس الذي تكون فيه الشمس بازغة عند نزول المطر.. "القرويات يرافقن العروس إلى الحمام، ومن خلفهن الصبية يقفزون بمرح. ويتشبثون بأثواب أمهاتهم. كان ذلك في"عرس الذئب" حيث ترافق نزول المطر مع بزوغ الشمس".

وفي تنافذ بين الاسطوري والشعبي والغريزي تباغتنا الساردة منذ بداية القصة بانها (قصة الحلم والذاكرة)وان لا مرجع واقعي يسندها غير بعض الصور (العودة إلى اللاوعي) التي لها علاقة بدار الاجداد واحتفالات القرية:" باغتتني رغبة في كتابة بعض المشاهد التي أطلت فجأة في أحلامي بعدما نهضت من الذاكرة..وجوه لشخصيات خلت انها اندثرت بعادات نخرها الزمن في مراسم القرية التي كنت أحضر أفراحها وأنا طفلة، ولكنها استقرت في دار جدي وصارت تتردد على في المنام ليالي متتالية..بل شخصيات اقتحمت الدار، وحضرت مثلي مراسم الأفراح وارتسمت كأطياف، تبعث حيرتي في طريق مفتوح على الذكرى"..

بين الأدائية وما بعد الحداثة إذن تدور قصة "عرس الذيب"، فهي قصة أطلت من أحلامها، والحلم. هنا يبدو واضحاً أنه إطارُ زخرفي سيبدأ الولوج معه للصعود .. والحلم في القصة ومن خلال منطوق علم النفس الفرويدي "صورة متخيلة لسلوك عدواني" يأتيه الرجل الذئب تجاه صبايا القرية ومع ذلك فهن يستطبن السلوك العدواني ويحلمن بالزواج به، (وهو هنا نوع من التشظي المتداخل بين فكرتين يصبح منجزاً في الحدث التالي) الى ان تعد له ابنة الهجالة مكيدة مع اهل القرية لتتزوجه اخر القصة بعد كشف هويته. هذا هو المحتوى المعلن في القصة الحلم، ولكن ما هو المحتوى الكامن؟ فالرغبة في الانتقام من الرجل الذئب تقابلها رغبة في تحقيق السعادة.و العلاقة بين بنت الهجالة التي فقدت الاب/ السلطة المشروعة لوجودها لا تبحث عن سلطة ذكورية عدائية بل مستقرة. لذلك تستعيض الساردة بصور من ذكريات طفولتها عن مراسم الافراح وعن الصور التي تحدث لها البهجة والسعادة. و"هذا هو المضمون الخفي " للحلم. كما نلاحظ من خلال (القصة الحلم البحث عن شخصيات مساعدة لتجسيد هذا الحلم، فيحضر الشيوخ والشاب المتعلم والام والحنانة، لتصور حلم جماعي له ما يغذيه في الذاكرة من قيم ومعارف. وحين تتحول الاحلام الى قصة، فالساردة تنقل الشذرات اللاوعية الى الوعي ولا تتركها مجرد شهوات مدفونة في اقاصي النفس. فالقصة الحلم تنطلق من "تفكير حلمي"، الى حصر دلالاته الحقيقية داخل القصة. لتخلع القاصة عن وجوه شخصياتها القناع تلو القناع لتكون مكشوفة في نهاية القصة، فتعرف هوياتها وتخرج المكيدة من وراء الستار وتنكشف كما تنكشف الحيلة النفسية. فتجعل القارئ يمر من اللامعقول الى الدلالات المنطقية. تخرج عن ما هو فوضوي وغريب و متشظ الى ما هو ما هو متماسك. فهي تجمع "الانفعالات اللاشعورية المكبوتة" لتكشف عن الصورة الذئبية للسلطة وقد اتخذت جانبا ميتافزيقيا اسطوريا فهي سلطة مقنعة باوهام الايديولوجيا، وتعود الساردة الى المرحلة الطفولية للحلم الى ذكريات بعيدة من طفولتها، "الزمن القديم للحلم" حيث "ثراء الصور والترميزات الحلمية"، في حين انها تشير الى الحاضر. وهي تعتمد على مفاهيم علم النفس الفريدي "التكثيف: هذه المشاعر تتبدى في صورة واحدة مركبـة تبـدو في الحلم والازاحة": إزاحة موضوع السلطة وتحويله الى موضوع الرجل الذئب الذي تحول الى اداة ترميز لتحول الواقع الصبايا في القرية الى واقع درامي، هو واقع تبخس فيه قيمة المراة. والقصة محاكاة واضحة بين الحياة والفن، وهي قصة لا تقوم على منطق العقل بل تمتلك معاول هدمها وتشكيكها في سلطة العقل لان القصة تدور في حيز اللاوعي والاحلام. والقصة تفقد اي منطق واقعي بل ينفرط من خلالها نظام البيئة القروية. وقصة "عرس الذيب" التي تشكلت في لاوعي المؤلفة مرتبطة بذاكرتها، بالماضي، بمراسم الافراح في القرية بصور متنثرة من المرجع الخارجي، بعاداته وتقاليده بسماته الثقافية.

قصة "عرس الذيب" التي انفتحت على المرجع الخارجي فقد حررته من اوهام الايديولوجيا او الرؤى التقليدية بل غاصت في لاوعي المرأة، الى المسكوت عنه، الى الذي يقال على الهامش وفي الخفاء وفي الفضاءات النسائية الخاصة. وما يحسب هنا للكاتبة أنها لم تجعل هذا الحديث لإبراز ذاكرة وحدث معين من أجل ابرازه بل وظفته للحفاظ عليه وأن تلك الذاكرة القديمة هي إطار يمكن تطبيقه على سياقات آنية أو لاحقة وبذلك تغيب المعقولية عن المعنى وتلتبس الدلالات . لتنقلنا إلى عالم لن نبالغ في وصفه بالافتراضي لكنه سيدور جماله في اللاوعي وإن حاول أحد القراءة عبر الواقع لأننا هنا سنقوم على المفهوم الموحد للعلامة مع اختلاف استراتيجيات الغلق وبين انتهاك الحدود والتشظي (نوعا ما) فالعملية السردية وإن كانت قائمة بين الأنثى والرجل إلا أن الكثير من الاسقاطات يتبع ذلك ويدركها الترائي المحض حيث المتكون اللامرئي في الذاكرة يشكل معها مثلثات تؤيد خاصية الصور وتلاحقها لتكون المبدأ (العام) الذي يحتك بما بحوله ولأن الذاكرة هنا قامت بالناتج الحقيقي في اضفاء السعادة على من تواجدوا فيها (الاطفال بائع الحلوى الرجل الذئب الأنثى الرضيع) تتذكر الطفلة بائع الحلوى .. يلون أحلام الصبية بتذوق عرائس الحلوى / وحين يسيح السكر على شفتيها، يسيح الحليب على شفتي الطفل / تلذذ الرجل الذئب بطعم السكر على الجسد الأنثوي المثير للشهوة. وعن أمنية كل شابة في الزواج من رجل شبيه بالرجل الذئب .. لكن نفقد التهكم بالرغم من وجوده الا أن انتزاع خاصية السخرية منه أفقدته بريقه ليبدو لنا أن فكرة السعادة هنا مشكوك في صحتها وكي لا نصاب بلعنة هنا في كون السعادة تركيبا افتعلته الكاتبة او خداعا إلا أن ابرازنا لأوجه عدة في ذلك توضح ادراك ووعي الأدائية بما يكفي لوصفه .. والأعين التي بدا فيها بريق لامع تتحسس ضوءا ما خارج الحمام/ ويلتهم ما طاب منها. ثم يعدو الى المرتفعات ويعوي عواء الجائع ابدا / والأطفال الذين يوقعون انتشائهم بضربات أقدامهم المتلاحقة.. وفي تلك الحالة لا يملك المتلقي إلا التماهي اللاواعي مع هذه الأحداث بل انه يلتقطها حتى بخيالاتها المتكونة في المخزون القادم (الذاكرة) ليعترف ان المعنى في كل هذا هو الفعل الحقيقي..

 

للاطلاع

عرس الذيب / هيام الفرشيشي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2742 المصادف: 2014-03-09 13:48:04