المثقف - قراءات نقدية

رواية أوراق الزمن الداعر للكاتب الكبير صلاح صلاح

neeran alobaydiرواية اوراق الزمن الداعر للكاتب صلاح صلاح والصادرة عن دار التنوير للطباعة والنشر رواية من القطع المتوسط تحتوي على 318 صفحة، تبدأ الرواية بكندا وتقدم اوراق السرد لزمن داعر عن ماضي عاشه البطل في العراق وتنتهي بجمل مؤلفة من سطرين تخبرنا ان الراوي البطل لازال في كندا فيقول في ص 318 الاخيرة " وفتحت عيني وانا اشاهد الاطباء والنيرسات والاسلاك الكهربائية واللغة الانكليزية كلها تلتف حول راسي بيسوع جديد قتلته الفئة الباغية " الرواية مدورة تبدا وتنهي بمكان واحد ومن ثم يأتي السرد على لسان الراوي البطل الذي ينتقل بنا لازمان يختارها هو ومواقف يوغل في وصفها وفق مخيلة شخص مصاب بمرض نفسي وربما انفصام في الشخصية يتعرض الى رجات كهربائية علاجية في كندا لاعادة ترتيب تفكيره وذاكرته كنتيجة حتمية لما تعرض له في الماضي يسرد لنا ويجعلنا نفكر ان كان مايسرده ضمن المعقول او اللامعقول ومن ثم نوقن بالحقيقة التي يطرحها ولا نوقن بها ،فالبطل رجل مهوس يطرح هوسه وعبثية بحثه عن الخلاص باسلوب ذكي يدل على ذاكرة متقدة تتذكر ادق التفاصيل فنعرف اننا امام كاتب كبير يكتب بجنون، متمكن من كتاباته،غزيز الانتاج لا يتوقف عند حدود صريح لدرجة الفضاعة الصادمة يطرح افكاره دون خجل يتلفظ الفاظ الشوارع ويسجل كلماتها . يبدا الرواية بقصيدة للشاعر المتمرد الغجري نصيف الناصري كتقديم لما يريد ان يطرحه، ويبدا الفصل الاول وهو يقول اسمي .. ليس مهم ان تعرفه .. استطيع فقط ان اسرد لك اما اذا اردت سؤالي مرة اخرى عن الاسم وكنت لحوحا فابمكاني اعطائك اي اسم مزيف او غير حقيقي " اذن البطل قد يكون هو او انت او اي شخص آخر هو يطرح ويكتب عن فترة تاريخية ويوغل في وصف تلك الفترة ليقودنا الى زمن الحروب فهي الخلفية المجنونه التي قادت الى جنون اكبر في الصحيفة 14يقول الكاتب عن لسان البطل في حديث مع امرأة عابرة اسمي كاغد .. اسمي جودي .. اسمك لطيف وهو اسم شعبي على ما أظن؟ .. لا الكثير من الناس لا يستخدمون هذا الاسم .. هل تحبه؟ لم افكر بهذا الموضوع انه مجرد اسم .. ماذا يعني اسمك ؟ ورقة مجرد ورقة .. هنا تكمن براعة الكاتب البطل مجرد ورقة اسمه كاغد تسرد احداث ليوافينا ببقية اوراق الزمن بعدها يخبرنا ان اسمه هو من اوحى له التفكير في كتابة كتاب مقدس جديد، هذا الطرح له دلالت عدة منها انه شخص مجنون يفكر بكتابة كتاب مقدس مدعيا انه المسيح الجديد او النبوة من اجل صلاح عالم بائس فشل الانبياء والمسيح باصلاحه ولانه مجنون نحن نتقبل طرحه حتى لو مس المقدس الديني باعتبار طرح جاء من شخص مجنون،الوجه الاخر يخبرنا الكاتب بأشارة واعية ذات مغزى وهدف مدرك ان العالم الذي نعيشه بحاجة لاصلاح لكن هذا الاصلاح قد يأخذ زمامه شخص دعي يدعي النبوة ليأخذ مصافي الانبياء بخزعبلاته المجنونة وكتابه الذي يدعي، طرح فيه كثير من الجرأة، صلاح صلاح وضع اسس مدرسة جديدة للواقعية العراقية الجديدة بعد الحرب استطيع ان اسميها الواقعية الصادمة فهي تعتمد الواقع وتنيط اللثام بشكل مفاجيء لتصدمنا بسرياليتها ولا معقوليتها اعمال يمارسها الافراد او تمارسها سلطة غاشمة متعاقبة على العراق تتخذ من الافكار الشمولية تبرير لتصرفاتها اللا انسانية امام مواطنيها فتصدمهم بحدث لانستطيع استيعابه و هذا الحدث هو محور كتابات صلاح صلاح يكتبها بجرأة نادرة مستعملا الفاظ عامة الناس بل قاع محيطها واذا علمنا انه يكتب عن الانسان البغدادي المسحوق المنحدر من طبقات اجتماعية مثقفة لها ارث حضاري كبير لكنها مسحوقة لادركنا سبب دوافعه باستعمال الفاظ نعتبرها نحن هابطة او نابية تنم عن سخط كبير واحباط لطبقة ترى نفسها جديرة بالحياة لكن افكارها ومبادئها لا تستوي مع مجتمع مشوه مجنون كالمجتمع الذي يتطرق له صلاح صلاح فتسقط هذه الطبقة وتنسحق وتنزل الى منازل واطئة في عالم غريب من الجنس والجريمة والانحطاط الاجتماعي والعهر السياسي داخل المدينة الكبيرة صلاح صلاح مثقف من نوع خاص درس بآناة الفلسفة الدينية اللاهوتية للعهد القديم واستوعب الفاظها وعرف اسرارها لذا نراه يستعرض هذة الاطلاعات الواسعة في ادبه بل يتخذ منها وسيله للتفرقة بين الخير والشر حسب مفهوم الشخصية التي تروي الحدث فيقول على لسان الراوي في حالة سخط ونوبة غليان وجنون وانتقاص الاخر المتفوق عليه كلمة "غاييم قذر "وغاييم او كوييم تعني الغريب عن الشريعة اليهودية لكن استاد صلاح لم يكلف نفسه ان يضع هامشا لتفسير الكلمة ولا حتى الكلمات الكهنوتية المستعملة للقاريء العادي وتركه يتخبط في سرياليات وهواجس جنونية وفلسفية واوغل في استعمال الغير معروف وترك للقاريء البحث والدراسة كأنه يريد ان يقول انها ليست مهمتي .

524-neeranالكاتب صلاح الانسان حساس مترفع عن المهاترات منطوي على كتاباته واطلاعاته الفكرية مثقف يناصر المرأة بجرأة نادرة ويكسر بهذه الجرأة كل التابلوهات القديمة وهو لايعترف بشرف مزيف يسيل من جوانبه الدم يقول في اوراق الزمن الداعر الصفحة 18 “ يقتلون النساء لمجرد ان تكون ضاجعت رجلا انها كائن له رغباته واحاسيسه ونزواته وهفواته مثل الرجل هناك عالم يعيش تحت ارث رجولي شنيع هل تعرفين ان عدد القحاب هناك اكثر من اي مكان اخر هل تعلمين كم سلطة تتسلط على المراة هناك اللعنة انه جحيم مخيف علاقات معقدة وكبت ونزوات مقتولة وجبروت هائل وجوع جنسي واضطهاد وموت وقتل، المراة هناك هي الضحية الوحيدة لهذا الارث الجهنمي " بهذه الكلمات يلخص كاتبنا موقفه من المرأة وهو لا ينتظر كلمة شكر منها فهي مقدسة بالنسبة له متمثلة بالام الحقيقية او الام الروحية ام المسيح "ام الله " حسب المفهوم المسيحي يقول في الصفحة 83 “ في بعض الاحيان كنت اشعر اني جزء من راحيل من تكوينها الفيزيقي والنفسي والبايولجي انفاسها كانت تمنحي افقا جذريا ملونا حتى رائحتها كانت تسحرني " البطل عاشق دائم للمرأة لا يحتاج الى اثبات لكنه يتعرض للسقوط الجنسي المثلي كضحية تائهة في عالم مشفر وملغز بالغرائب بعد ان يفقد محاولاته بالصمود الكل يسقط في الوحل حتى جدته وعبائتها وهي تخوض في صراع من اجل البقاء وتقرع الابواب من اجل سكن يلمها في آخر عمرها ويحفظ شيبتها لكن هيهات فقاع المدنية يحتوي على الكثير مما يخرجه الحاوي من كيسه على شكل قصص واحاجي وسرد فننظر مشدوهين فاتحين افواهنا على عقوق العم ومعاملته لأمة التي انجبته، وتنتهك الطفولة بضرب العم للبطل الطفل الصغير الكبير ص 98 “ اضرب يا عمي بعصاك البحر واخرج السلطعونات والاسماك والقواقع الخ … .. بأشارة لضرب موسى البحر بعصاه وانشقاق البحر الاحمر لعبور قومه الى الارض المقدسة يستعملها الكاتب كتورية للحالة الفيزيائية للضرب . ثم يقول اضرب كما بدا لك فقد قررت ان لا ابكي " عالم قاسي يمثل ابشع انواع الصراع من اجل البقاء وربط تاريخي وفلسفي موفق يدل على ذكاء من الكاتب في رحلة التيه وفقدان الام ، يتعرف البطل على شخصية نوفل الذي من خلاله يتعرف على الماخور والسينما ومطاعم بغداد ومقاهي الحشاشين ودجالي السياسة واللوطية والسماسرة لكنه لا ينسى ان يسجل لنا صور صوفية اجمل ما يكون عن تضرع زوار الامام الكاظم والدموع والابتهالات ليضع تسائلاته فينقلنا الى فلسفته الفكرية يقول في ص 77” ليس للامام طريقة معينة في حل المشاكل احيانا نسمع صرخات مكتومة واحيانا اخرى تهب عاصفة من البرد والدموع والنشيج كأن الامام في كل الاماكن في الريح في العاصفة في القناديل الملونة والمعلقة في الهواء ولا ينسى ان يذكر الدراويش والمجذوبين في حلقات الذكر وحمل طاسة الاستجداء في مطبخ الخيرات عند ضريح الشيخ عبدالقادر الكيلاني صور يلتقطها الكاتب ببراعة لبغداد خالية من الالوان رمادية لأزمنة الفوتغراف بالاسود والابيض، ازمنة الزمن الداعر

 

نيران العبيدي

آذار 2014 كندا

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

ليس لمعلقٍ أن يُدلي برأيٍ يتعلق برواية الكاتب الذي كتب من أجله هذا العرض الشيق والجميل قبل أن يقرأ الرواية وإنني لم أقرأ الرواية بعد لكنني أستطيع أن أشيد بطريقة الكاتبة في عرض انطباعاتها عن الرواية واستطاعت أن تجعلنا نصنع انطباعنا عنها أيضا ، شكرا للكاتبة العبيدي على ذلك.

عبد الفتاح المطلبي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشكر لكلماتك الرقيقة استاد عبدالفتاح تحياتي وتقديري العالي

الكاتبة نيران العبيدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2744 المصادف: 2014-03-11 11:55:57