المثقف - قراءات نقدية

صرخة الأغوار .. قراءة في المجموعة القصصية تضاريس التيه للكاتبة المغربية مريم التيجي

537-marimأ) تضاريس التيه وغواية العنوان: قليلة هي الكتابات التي تجعلك تكتشف بأن لكل واقع صورة موازية أو خفية، أوظل كثيف يحجبه عن عيون الفضوليين، وأن ما نراه مجرد قناع لوجهه الحقيقي، أي البشع ..فللواقع فعلا أوجه شتى وأقنعة وظلال و ظاهر وباطن، لأنه واقع منافق ومخاتل بامتياز. وهذه الكتابات رغم قلتها تجعلنا شكورين لأصحابها، وسعداء بالإنصات لأصوات تقول الحقيقة وتمزق الغشاء السميك الذي يخفي الوجه المخزي و المخجل لبعض "أوضاعنا الاجتماعية" .

وقليلة هي أيضا عناوين الكتب التي تغريك بتوقع الأفضل ..وحين تقرأالكتاب تجده يرضي انتظارك، ولا يخيب ظنك فيما توقعت، لقد تمتعتَ واستفدتَ وتألمتَ وانشرحتَ، وتأثرتَ بما قرأت كما ينبغي أن يكون التأثر والتفاعل بين القارئ والكتاب .

لقد ترك الكتاب بصمته واضحة وعميقة على صفحة العقل وفي القلب.

أحسستَ بآلام الناس وعشتَ بعض أحلامهم، عشت تجاربهم المرة وخيباتهم، وتمزق لحمك بالمشارط والإبر والسكاكين، مثلما تمزقت جلودهم وكرامتهم وحناجرهم بالصراخ غير المجدي في وجه هذا الصمت البهيم الذي لا تشقه أصوات إدانة أو رفض .

واحد من هذه الكتب التي قدر لها أن تترك مثل هذا الأثر في نفسي، هو المجموعة القصصية الصادرة أخيرا للكاتبة المغربية المتميزة " مريم التيجي "

وواحد من هذه العناوين الموحية والتي لم تخيب ظني، هو " تضاريس التيه ".

تضاريس التيه هو العنوان الذي اختارته الكاتبة لمجموعتها القصصية.

وليس ذلك فقط لأنه عنوان واحدة من قصص المجموعة، بل لأنه ـ كما أقترح في هذه القراءة ــ هو روح المجموعة والدليل إلى عوالمها المتنوعة،المرعبة والمشوقة في الآن نفسه .

إنه عنوان دال على الواقع المخاتل ..عنوان يُصَرِّحُ بالحقيقة الجارحة من خلال المفارقة الصارخة بين التيه والتضاريس، وكذلك من خلال المفارقات الدالة بين أقنعة الواقع الزاهية وحقائقه المخجلة. عنوان يكشف المفارقات التي تعمل قصص المجموعة على فضحها .

فالتضاريس تعني الشكل الذي يتخذه سطح الأرض .

التضاريس معالم، أشكال، ارتفاع وانخفاض .

أما التيه، فضياع وضرب في غير ما اتجاه .

كيف يصير التيه أرضا /واقعا له معالم وأشكال .؟

بل و كيف لا يصبح كذلك، إذا كان التيه هو واقع ما يعيشه المستضعفون والعاجزون والقاصرون والمسنون والمغتربون والمرضى .....والحوامل والأرامل واليتامى .وكانت تضاريسه هي الفقر والجوع والعوز والحاجة والأمية، ثم كانت أيضا هي المستشفى والمدرسة والإدارة والبيت والشارع والعمل والعدالة..؟.

هذه بعض تضاريس التيه الذي تقودنا فيه الكاتبة وهي لا تحمل غير مصباح الكتابة ولا تهتدي بغير بوصلة القلب.

ومن تكن الكتابة مصباحه والقلب بوصلته يفلح دائما في إيصال رسالته لمن له عين تقرأ وقلب يعي .

تجوب الكاتبة جغرافيا الجسد المغربي العليل، تمشي حافية كنساء مجموعتها فوق نتوءات شرطٍ إنساني لا يرحم الضعفاء، حتى يصير دم الأمهات وعرقهن وذلهن في أقبية الولادة وبين مكاتب الإدارات، حبرا يطرز الألم المغربي على الورق مثلما تطرز الممرضة/الخياطة جراح الأمهات بعد الوضع .

تجوب الكاتبة تضاريس الواقع المغربي بشجاعة كاتبة رائدة، وصبر أم متعاطفة مع الأمهات، تقتحم الغرفَ المظلمة وتفتح نوافذ الأقبية . فمرة تجهر بالحرف وسط الصخب الهادر للمستشفيات العمومية، ومرة تهمس به تحت زخات المطر وهي تئن كأم تئن وكزوجة تئن، ممزقة بين واجبات البيت والأولاد والمدرسة والزوج المتطلب والمطبخ والعمل، حتى لا يبقى للكتابة حظ من الوقت، ولو اقتصر على مجرد نفض الغبار عن كتب تشتهي الجلوس إليها بعض الوقت .

فكل امرأة ليست ككل النساء.

وكل كتابة ليست ككل الكتابات .

كتابة المبدعة " مريم التيجي " تكشف وتُعري وتَفضح وتُصَرِّحُ وتصرخ بالحقيقة التي تعاني منها المرأة /الطفل/المسن /المغترب/الوطن.

حقيقة الواقع المنافق.

حين تُسمى مراكز التعذيب مستشفيات .

ومصاصو الدماء مدراء.

ويُسمى الابتزاز عدالة.

وأقبية الإهانة إدارة.

وحين يحمل الجلاد اسم الزوج .

والجحيم اسم بيت الطاعة.

والغرباء أسماء الأقارب .

والكوابيس أسماء الأحلام.

كل الأماكن معلومة وموشومة في الذهن، كل الأماكن مرسومة بإتقان، ولها أبواب وحيطان ولافتات تضاء بالنيون والألوان، تحمل أسماءها ووظائفها وأدوارها على جبينها ولا يندى لها جبين إذا كان ما تقوم به في الواقع يتعارض مع هذه الأسماء والوظائف والأدوار .

البنايات والبِنْيات والعلاقات والمؤسسات تضاريس فعلية لهذا الواقع الموصوف بعناية في المجموعة القصصية، والتائه الوحيد فيها ..هو الإنسان " اللي ما فحالوش "، ولتيهِهِ نُجود يقطعها عطشان بلا أمل في غيمة، مشدودا إلى سماء لا تمطر، بحبال السراب .معلقا كالمنتحر بين السماء والأرض .، ولتيهه جبال صعودها يقطع الأنفاس، لتيهه أغوار وحافات وفجاج وأرصفة .

تلك هي تضاريس التيه .

جنة صارت جحيما لما غادرتها الملائكة واستوطنتها الأبالسة .

جنة صارت جحيما لما غادرها الإنسان .

جنة صارت جحيما لما صار الإنسان وغدا ووحشا يفترس الإنسان .

جنة البيت، وجنة العدالة، وجنة الصحة وجنة الإدارة وجنة القرابة وجنة المودة وجنة الرحمة وجنة القرابة .......جنات بلا إنسان .

في هذا التيه الوجودي العظيم والمرعب والمؤلم لمن يعبر تضاريسه أعزل بلا سلاح وسط الضواري والكواسروالحيتان .في هذا التيه الوجودي الكبير تتقاطع مصائر البسطاء وخطاهم تحت دائرة الضوء الذي تسلطه الكاتبة على واقعهم ومعاناتهم .تلتقي المرأة والرجل / النصاب والبريئة / الجميلة والوحش .تلتقي كل الفئات العمرية / الأطفال والفتيان والمسنون.يلتقي المستضعفون والمسحوقون / العامل واللاجئ والزوجة و الموظفة .تلتقي الفئات المهضومة الحقوق، تلتقي الفئات المهمشة وجها لوجه بمن صنعوا آلامها وعذاباتها، لكنه لقاء داخل متاهات وأنفاق بلا أبواب .

في هذا التيه العظيم يلتقي الموت بالحياة ..وتصر الحياة على أن تحيا وتبقى .. حتى وإن كان البقاء أحيانا معلقا بمجرد حلم .. حلم أن تحمل الأم مولودها بين يديها فتنسى عذابها، وتفلت المتقاضية بجلدها من فخ النصاب، وتبقى للمواطنة بعض مبادئ لا تتحلل في كأس قهوة أو كأس رشوة .

قصص المجموعة إذن وكما أرادت لها الكاتبة ذلك حين عنونتها بتضاريس التيه، تضاريس تيه فعلي .. تضاريس التيه فعلا .

537-marim 

ب) تضاريس التيه و صرخة الأغوار*

1) " تضاريس التيه" هو المستشفى، وصرخة الأغوار هي تلك التي تصعد من أحشاء المرأة التي جاءت لتلد فصار عليها أن تصعد (السرير) الجلجلة بلا صليب، وتعبر الصراط (الكرسي) إلى غرفة الولادة على حد الشفرة .

ستمشي المرأة فوق الدماء والقيء والأوجاع والإهانات والأنين والصراخ والكلام تحت الحزام ـ الكلام تحت الحزام أقسى على قلب المستضعفين من الضرب تحت الحزام ــ وحدهن المسحوقات يشعرن بالضربات حين يسمعن هذا الكلام . وفي فضاءات أخرى على الأرض نفسها وتحت سقف السماء نفسها من الوطن نفسه، تُستقبل نساء أخريات عند بوابة العيادة وتنحني "كم وزرة بيضاء" لتساعد السيدات على صعود الكرسي، أو سرير الفحص، أو انتعال الحذاء .

نساء ونساء .

أما هنا فتؤمر المرأة برفع" قاعها" وكتم أنينها لأن "القيعان" ليست سواء ..القيعان طبقية بامتياز، هنا بنات القاع الاجتماعي، وهناك بنات القاع والباع، قيعان المترفات لا تتساوى في ميزان الطب ومصطلح التمريض مع قيعان المسحوقات .

هنا، في المستشفيات العمومية تصبح مجرد التفاتة صغيرة وعابرة كرما ليس مثله كرم، وتصبح محاولة التقاط السروال الذي أزيل عند الفحص مهمة أشبه بالمستحيل،خاصة وقد انغرست الأصابع المتفحصة في الأحشاء . فهنا "تفحص النساء كما تقلب الأحجار وكأنهن لسن كائنات بشرية"، نساء عاريات من ملابسهن ومن جلدهن ولحمهن ودمائهن، نساء مجردات من عزة النفس ومن الكرامة . نساء عاريات إلا من بقية أمل راودهن يوما أن يلدن لتكتمل أنوثتهن ...نساء يحملن في أحشائهن أملا ..." ولد ميتا " .

هي تضاريس التيه فعلا:

2) تضاريس التيه وصرخة الأغوارتلك التي تصعد من أحشاء الموظفة الرهيفة الإحساس، الرقيقة المشاعر، وهي ترى الوجوه الأنيقة الحليقة تتحلق حول مائدة اجتماع المجلس الإداري لتحصي المداخيل وتنوه بالسعاة والعاملين وجباة المحاصيل، ولا هم لأحد إلا ملء الصندوق .

ملء الصندوق .

الصندوق امتلأ فعلا، ولكن بدماء الشاب الذي وقف في الطابور يضغط على الجرح الغائر في الخد .

وامتلأ بالأنين والأوجاع والآلام .

امتلأ بعرق المتسولة، وامتلأ بآخر رمق من حياة عجوز لفظ آخر أنفاسه بينما رفيقة محنته تنتقل بين المكاتب لتسديد فواتير الفحص .

وجوه أنيقة حليقة تتكلم كل اللغات إلا لغة المرضى، وتهنئ نفسها على ارتفاع المداخيل .. ولو كانت رأت وجهها في المرآة ...لكانت رأت الأنياب التي نبتت لها لطول ما غرست أسنانها في لحم الفقراء .

لكانت رأت في المرآة .. وجوه مصاصي الدماء.

3) صرخة الأغوار أيضا هي، بالنسبة للعجوز الذي خاب ظنه وأمله في الكشف عن حالته، وصار يعرف بأن النوبة القاتلة لن تمهله حتى يصل دوره بعد ستة أشهر في قسم المستعجلات .

مستعجلات تأمر المريض المسن والواهن العظم والقلب أن يعود بعد ستة أشهر لأن حالته مستعجلة .. هي فعلا مستعجلات جدا .

4) وصرخة الأغوارهي، بالنسبة للزوجة التي تجر أطفالها وتقصد بيت أبيها بشعرها المبلل بقذارة الزوج، فقد أفرد الوحش رجليه وتبول على رأسها، فقط، فقط لأنها كانت نائمة، ولم تلب له حاجته كالعادة قبل أن ينطق بها .

أطفال جياع وزوجة تائهة، بين أم تحثها على ترك الأطفال للوحش، وأب يأمرها بالرحيل العاجل لأن بقاءها ببيته ليس في مصلحتها، وزوج جبار متغطرس ينتظر عودتها للبيت لكي يعلمها أحدث فروض الطاعة .

امرأة تائهة تجر أولادها وراءها وتقصد محطة القطار ..تنظر بين الفينة والأخرى خلفها إلى الأبناء، وتتابع السير، دون أن تعرف أو يعرف القارئ إن كانت ستنتحر أم ستنتصر على كبريائها وتعود صاغرة لبيت الطاعة .

وما الفرق بين أن يمزق القطار جسدها أو يُحَوِّل الزوج البوَّال أيامها إلى أشلاء؟.

5) وهي صرخة الأغوار حين يُرغم اليتيم تحت ضغط اللهو السخيف للأم والخالات على التبرؤ من حبه لأبيه .. فيُحبه في السر طوعا ويطيعهم في العلن مكرها .

6) ويطمع اللاجئ في العودة إلى بلاده ورؤية سمائها بعينين مفتحتين، خاصة وقد أصبح مواطنا صالحا يشرب الخمر ويتعاطى الحشيش، ولم يعد ينقصه غير الجواز . لكنه سيعود في صندوق، سيعود ميتا بعينين مفتحتين على سماء فارغة.

لم ينفعه أنه صار مواطنا صالحا يشرب الخمر ويتعاطى الحشيش .

7)ويستغل الوغد النصاب تواطؤ قاضية ليستدرج المرأة الشريفة إلى سرير شهوته البهيمية .سيدة لا ذنب لها إلا أنها لا تعرف أسرار البيع والشراء وبعض أسرار القضاء.

8) و تمتلئ يوميات الأم باللهاث خلف الوقت والأولاد لتحميهم من زخات المطر عند باب المدرسة، أو لتتركهم فريسة للحمى وتذهب لتجلس في مكتب بارد على جمرات الخوف والقلق .، أو تكتفي بنفض الغبار عن المقام الزكي للولي الطاهر، والإصغاء إلى ألمها الخاص وشغب الأولاد،، أو تدور مع دوامة الحياة والمواصلات لتكتشف بأن الزمان قد تغير وبأن القيم قد ضاعت وبأن الأيام قد ازدادت سوءا .وبأنها هي ..ربما .. مجرد ورقة سقطت سهوا من دفتر مذكراتها القديم، ومن حساب الأحلام الوردية للشباب.

9)هي صرخة الأغوار الباردة، صرخة العجوز الذي ينتظر أبناءه كل صباح عند بوابة المستشفى ولا يأتي أحد ليأخذه ..فلم يعد أحد يرغب به . لكنه ..لكنه يصر على الانتظار، فيجمع كل صباح ملابسه وغطاءه في كيس بلاستيكي ويعود لينشرها في المساء، حين ينتهي موعد آخر زيارة ولا يأتي أحد ليأخذه .

دائما ودائما،هي تضاريس التيه، ولكنها غير ذلك أيضا .هي أيضا رصيف للوفاء والصفاء والحنين .

 

ج) تضاريس التيه و رصيف الوفاء*

1) التضاريس أيضا رصيفُ وفاء للملح والطعام ولزهرة الأيام التي ابيضت في الأيادي، وللتجاعيد التي حفرتها السنون على الجبين وعلى أطراف الشفاه وجفون العيون، هي رصيف الوفاء للمرأة المسنة والرجل العجوز حين يجلسان جنبا إلى جنب في حديقة عمومية، هو يحكي وهي تنصت أو يتبادلان الأدوار ثم تمسد يده وتمسح طرف عينه وجوانب فمه .. وينصرفان .

2) وهي رصيف وفاء المرأة لنفسها ولذكرياتها الشعبية اللطيفة حين تحتفي المرأة بالعيد الأممي للنساء، والذي جعلت منه عيدا خاصا بها، عيدا لها وحدها .. بعيدا عن الورود و ضجيج الخطب .. بعيدا عن الصخب، تحتفل المرأة بنفسها .. عند النبع الحقيقي للحب، حفلا يكفي فيه بعض البصل والسمك لتغمرها السعادة ..ولتعرف بأنها .. قد احتفلت فعلا بالنساء، ولكنها احتفلت بلا كذب .

3) هي ..هي رصيف الأرواح التي تنتظر أخذ العزاء في موتها، رصيف الأطياف التي تسكن كل ركن من البيت والذاكرة، رصيف اللقاء بالأموات الذين يقاسموننا الكلام والأيام، رصيف أول لفاطيمة ورصيف ثان للكاتبة التي ظلت وفية لقصتها،فاطيمة التي لا تزال تجوب أروقة المستشفى وخيط دم رفيع كالنزيف يزفها لموتها .

4) رصيف لاختبار قوة الإيحاء في علاج أعطابنا، حيث تكفي كلمات للملمة الشتات: " أنا لاباس .. أنا لا باس .. جرحي برا . أنا لاباس، جرحي برا، قلبي لا باس،جرحي برا ." تكفي كلمات لتخف حدة الألم وتلتئم الجراح، أو على الأقل تتوقف عن النزيف .

5) رصيف لكنس غرفة القلب، رصيف لغسل الذاكرة، رصيف للعلاج بالكتابة رصيف من ... تضاريس التيه.

هي كل ذلك وهي غير ذلك أيضا .

هي في الأخير تضاريس للمفارقات القصيرة جدا .

د) تضاريس التيه والوقوف على حافة المفارقة *

 

حافة المفارقات في مجموعة " تضاريس التيه " حادة تشرف على الأغوار العميقة، حادة ومضيئة تشرق بالمعنى كشمس من تحت الماء.ليست الشمس في الأعلى فقط، فكثيرا ما تكون صفحة الماء سماء إن جربنا الغوص إلى الأعماق.

التضاريس أيضا تضاريس للمفارقات:

1) الماكرة:

حين يسأل الطالب الجامعي عن فتوى تبيح للجائع السرقة ... لأنه يريد أن يسرق تفاحة تشبع .. جوعه الجنسي .

2) المذهلة:

حين توحي صورةُ رافعة البناء للزوج بحبل يتدلى منه رجل منتحر، وتوحي للزوجة بوردة تدور في الهواء، أو براقصة بالي تدور برشاقة على رجل واحدة

3) الذكية:

يوم تلتقي المرأة وجها لوجه بعدوها السابق في الجامعة على مائدة للحوار والعمل فيقول مستغربا:" اليمين واليسار، ماذا جمعهما معا؟ " فترد عن صواب: " لقد كنا مجتمعين معا منذ البداية ..فقط كنا صغارا ولم ننتبه لذلك "

4) الساخرة:

إذ تطلب الحبيبة من محبها المتنور جدا زهورا برية من ضفاف الأمازون كهدية رمزية على قدر الحداثة التي يدعو إليها بدل مهر من ذهب ومال ..فحتى هي لا تهتم بكلام الناس، ولكنها تحسن رفع قيمتها في عينيه هو الذي قال بأنها أغلى من المال والذهب .

5) المضحكة /المبكية:

إذ تشكو الزوجة لصديقتها باكية ما تعانيه مع الزوج البخيل والبغيض، والذي جعل من البيت غارا أسود مظلما مات فيه الحب ومات فيه الفرح .فتذكرها الأخيرة ضاحكة،بأن أغلى ما كانت تتمناه في الصغر هو أن يطير بها فارس الأحلام إلى مغارة في أعلى الجبل ......وقد فعل .

6)المربكة:

حين تشعرك شارة الانتساب إلى المهنة بالخجل بدل أن تعزز لديك روح الانتماء

7)غير المتوقعة:

إذ يدخل الإبن ووالداه إلى بهو المحكمة لإجراء معاملات الطلاق.....طلاق الرجل المسن من المرأة العجوز .ياللمفارقة .

8)الحالمة:

بزمان آخر تحت شمس أخرى يصيرفيه الابن مهندسا أو رئيس عمال، يجلس في المكتب المريح ويركب السيارة المكيفة ... هكذا يحلم الأب بمستقبل لابنه بينما يحمل الطوب والحجر على كتفيه تحت أشعة الشمس الحارقة ..

9)البليغة:

لرجل وامرأة لم يلتقيا أبدا ولم يفترقا، ماتت قبله بيوم فدفنوه في اليوم الموالي.

10) الوقحة:

حين يصبح " ادهين السير " أفضل طريقة للسير السريع ولا يهم أن لا يشد السير الحذاء، إنما المهم أن ندوس بالحذاء على المبادئ والقيم ونحث السير لقضاء المصالح . ونغض البصر عن الوقت الأفضل للدهن، أبعد الصلاة أحسن أم قبلها .؟

ه) تضاريسٌ لبحرِ المآسي *

هي إذن تضاريس تصعد من أغوارها صرخات المقصيين والمهمشين والمستضعفين والمسحوقين .

وهي تضاريس تجوب أرصفتها أرواح عاشقة تحن إلى إلفها أو صغارها أو تحن إلى نفسها .

وهي تضاريس تقف على حافتها المفارقات الجارحة أحيانا والمتأرجحة بين النزول إلى الأغوار أو الصعود إلى الرصيف .

هي تضاريس لبحر الناس ومآسيهم .

لقد أعطت الكاتبة للصراخ صوتا لعله يصل إلى كل الآذان .

وأعطت للحنين والشوق بعض الحق في الدفء.

وأعطت للومضة العابرة بعض الوقت لتستريح فيه من دهشتها .

قصص الكاتبة مريم التيجي إنسانية /اجتماعية وواقعية بامتياز، وقد وفقت المبدعة في سردها بأسلوب واقعي وسلس ينفذ إلى العمق مباشرة، بالقدرنفسه الذي يوفي فيه التفاصيل حقها من العناية سواء تعلق الأمر بالقصص القصيرة الثلاثة عشر أو بالقصص الاثنتي عشر القصيرة جدا .

أسلوب الكاتبة يتفوق في غالب القصص على الصورة نفسها، في نقل الواقع وعرضه على الأنظار، وهذه من المرات النادرة التي تستطيع فيها الكتابة التفوق على الصورة،وليس ذلك إلا لأن الكاتبة تنظر إلى الواقع بعين القلب فيجعلها إحساسها البليغ بالفجائع والمواجع والآلام، تقدم هذا الواقع حيا يصرخ ويتوجع ويتألم كأنه يتكلم عن نفسه ويقدم شهادة عن مآسيه .

إنها قصص تفتح الدمل الاجتماعي بقلم / مشرط لتنظف الجرح من قيحه وصديده، وتفتح معه أبواب الأقبية المغلقة على عفنها لتطرد الهواء الفاسد والدماء الفاسدة أيضا ....فما أكثر الدماميل الاجتماعية التي لا تزال تخفي قيحها وصديدها عن الأعين، وما أكثر الناس الذين لا تزال تجري في عروقهم دماء فاسدة .

لقد بثتنا الكاتبة شكواها وفتحت أعين القراء على حقيقة " حالتنا الاجتماعية "

المزرية .وهي بذلك قد رفعت أمانة الشهادة على هذا الواقع عن عنقها وطوقت بها أعناق قرائها، لقد طوقتنا بواجب الأمانة، وهذا منتهى ما تطمح إليه كل كتابة جديرة بهذا الإسم، ــ" أن تجعل الارتقاء بالمجتمع وتغيير العقليات مسؤولية مشتركة " ـــ

وأخيرا فإذا كان لا بد من وجود كاتب "ة" يجيد قراءة الواقع، فإنه لا بد أيضا من وجود قارئ"ة" يجيد الإصغاء للكتابة .

* جمال الدين حريفي

القنيطرة: 21/03/2014

19/جمادى الأولى /1435

الهوامش:

*" تضاريس التيه ": مجموعة قصصية، صادرة عن دار فضاءات للتوزيع

والنشر، عمان، الأردن . الطبعة الأولى: 2013.

*" مريم التيجي ":كاتبة مغربية،من مواليد مدينة الرباط 1969

ــ حاصلة على ديبلوم الدراسات العليا في الفلسفة / تخصص المنطق

ــ حاصلة على ديبلوم في التواصل

ــ اشتغلت بالصحافة الورقية طيلة عشر سنوات

ــ تتوزع اهتماماتها بين النقد الأدبي والاجتماعي والسياسي والفكري

ــ تكتب القصة والمقالة والخاطرة

ــ تعد للطبع مجموعتها القصصية الثانية، وتشتغل على روايتها الأولى " ذات البعد التاريخي والاجتماعي والنفسي "

ــ تنشر في عدة منابر (ورقية وإليكترونية)

*الأغوار والأرصفة والحافات: تضاريس بحرية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2760 المصادف: 2014-03-27 03:53:38