المثقف - قراءات نقدية

موفق محمد .. شاعر لمدينة فقدت حدائقها المعلقة

rahman khodairabasللمدينة - أعني الحلة - طعم العطش الأزلي، منذ فخامة الجنائن التي عُلقت كما يروي لنا التأريخ عربونا عن حب ملوكي، في مرحلة منحت البشرية لونها وميسمها وعطرها الحضاري، حتى آخر إنفجار سيارة مفخخة،تعصف باجساد من وجدوا انفسهم فجأة امام جحيم لحظة متحجرة الملامح. ماذا تبقى من بابل غيراسوارها التي لم تسلم من عبث المستكشفين والأفاقين وسارقي الآثار ومن ارادوا ان يتسلقوا على التأريخ، بوهم كتابة اسمائهم على بواباته؟، نزوة لعظمة كاذبة لوثت نقاء الحضارة الممتدة حتى الشمس، حيث حمورابي يكتب نقوش القانون البشري على مسلته، وحيث الأسد يفترس الأعداء الذين ينوون شرا ببابل، اسد رابض بقوة على جسد بشري ليعلن سطوة مطلقة للقوة التي ترفع الأمم اوتذلها . وماذا تبقى من بابل الحديثة/ الحلة غير وحشة الذكرى. او كما يصفها الشاعر

في الغروب التي تلون فيها الغربان أصواتها من وحشته ""

لأيام زهت وانطفأت تحت وطاة رذاذ الموت اليومي؟ وماذا تبقى لشاعر المدينة المثخن بالجروح غيرلغة الرفض والإحتجاج . هذا الشاعر الذي اكتسب توئمة مطلقة مع ليل المدينة، نهرها، وجع اهاليها وازقتها وحيطان بيوتها . لقد آلى على نفسه ألا يغادر الحلة، وان يكون نبضها الذي لايتوقف :

" انا احب الحلة لأني ولدت على بعد

موجتين من نهرها "

لم يكن موفق ابو خمرة شاعرا طارئا. فقد عاقر خمرة الشعر منذ سبعينات القرن الماضي، وارتشف منها ما يكفي لأن يكون شاعرا متميزا باسلوبه وطريقته، وكان قارءا نهما ومتذوقا لعيون الشعر والأدب العالمي منه او العربي، لذا فتكونت لديه خميرة جعلته فقد يروض الكلمة ويمنحها قدرة الفعل .لتتحول الى قصائد جادة غير قابلة للتأويل . فهي خشنة الملمس، حادة الملامح، تبدو متوحشة احيانا، فتنشب أظفارها في الجدران كي تصل الى النافذة . أحياناً تستكين وكأنها دمعة بلورية تشق طريقها عبر تجاعيد الزمن المرّ . واحيانا تنفلتُ من عقال الصبر كي تمطر الزمان والمكان بغضب إنساني متوهج . لذا كانت قصائده تستنسخ وهي تنتقل من بيت الى آخر،ومن يد الى أخرى وكأنها مناشير سرية . كان يكتب الشعر في هواء ملوث،ينفث بقايا الألم فيتلقفه بقية الناس الذين يبحثون عما يعزّي آلامهم . وقد استخدم سلاح السخرية الضاحكة، وكأنه يريد ان يخفف من حجم الألم، او يحاول ترطيبه وعدم الإنكسار أمامه . كان شاعرا فكهاً بإمتياز. رغم أنّ كريس ماركر يرى " أنّ الفكاهة هي الجانب المهذب من اليأس" وإذا اعترفنا بهيمنة اليأس، فانه لم يكن نصيب موفق محمد فقط وانما هو قاسم مشترك لملايين العراقيين الذين اكتووا بحروب عبثية " واحدة تلد أخرى " وهجرة وتهجير قسري لأسباب إثنية ومذهبية وفكرية، وانتفاضة تخلى عنها العالم، مما جعل النظام المهزوم في الحرب ينقضُّ عليها وعلى من اعتقدته السلطة قد قام بها . وكان نجل الشاعر احد ضحايا هذه المذابح الجماعية التي إرتكبها النظام،لقد خرج أثناء الأنتفاضة ولم يعد الى الأبد . وقد ترك موته غصة في اعماق ابيه وهو القائل

"ميت أنا .. ميت .. ولاخط يجي عن موتك

سودة وحشتك يا ولدي، حرموك من تابوتك "

وكان الحصار المدمر الذي استهدف لقمة عيش المواطن، حصار اشترك فيه كل العالم، ولأول مرة يتفق الغرب مع الشرق على تجويع العراقيين، وتدمير خصائصهم وسماتهم . هذا الحصار الذي اكل الأخضر واليابس، والذي جعل شاعرنا موفق يبيع الشاي في احد شوارع الحلة، بعد أنْ باع كتبه، فكيف يمكن لنا ان نفسر صبره وهو يواجه هذه الأحداث التي كانت اكبر من أنْ تتحملها القدرة البشرية . لقد مكث في مدينته، رافضا الهروب او الهجرة الى بلدان اللجوء . وكأنه لايريد ان يتخلى عنها . او يتخلى عن الألم الذي أدمنه . ومع ذالك كان يقاوم الواقع القاسي في مواجهة غير عادلة، ومع نظام سياسي لايعرف معنى الإنسانية في ظل ضوابط لاتعترف بحقوق الإنسان ومعنى المواطنة. لذالك فهو يستنكر سيطرة من لم يكتووا بنيران الفقر والحصار، والذين جاءوا تحت غبار الغزو لأعادة عقارب الزمن الى الوراء، ومحاولة إغراق البلد في احتراب آخر، تحت دعوى حرصهم على العراق، فكان يوبخهم بقوله

" أين كنتم، ايام كان العراق

ماكنة للحم البشري .."

احيانا تشعر ان بعض القصائد تحاكي اوجاعا مزمنة . رافقته منذ البدايات، وتشعبت في عروقه وكأن الألم يراوح في مكانه دون أنْ يتقدم :

" راوح مكانك ياسلام

من نصف قرن يلهث الإنسان في جسدي ويعوي

لم يذق طعم المنام

راوح مكانك ياسلام، واسمع صهيل الموت يشهق في يديك وفي عيونك

لاتخف فالموت خُط على جبينك، واستدر للخلف وأزحف في الظلام .."

و كأن هذه القصيدة الحزينة طارئة على مايتمتع به الشاعر من حسّ الفكاهة والطرافة، حيث كان بالنسبة لأبناء مدينته ملاذا لأمتصاص الضجر . ولكن الموت الذي يلف العراق من اقصاه الى اقصاه هو الذي جعل قصائده تترنح تحت وطأة الدفن اليومي والقتل اليومي وقلق اللحظة المتحجرة . لقد طغت لغة الموت على جُلّ قصائده، وتشبعت بمفردات المقابر والأضرحة والثكلى والبكاء وعزرائيل والتوابيت والذبح والجثث والأشلاء والمفخخات والجحيم ..الخ . الموت حاضر في شعره. احيانا يناجيه او يعاتبه او يتحداه او يتوسل اليه او يناديه كي يتأمل المأساة :

" قل لي ايها الموت

هل تسمع أنين الأطفال

وهم يرضعون الحليب المعسّل بالسرطان من أثداء أمهاتهم "

والموت في قصائد الشاعر غير مرتبط بقضايا الأقدار او كوارث الطبيعة ولكنه مرتبط بفعل بشري . فحينما تدين قصائده فعلَ الموت فانها تدين الجريمة، بكل اشكالها ووجوهها، ابتداءا من جريمة الحرب التي تورط بها النظام الى جريمة الغزو والتحرير مرورا بجرائم القتل على الهوية والإحتراب المذهبي . لقداستطاع مفهوم الموت ان يتمدد في قصائده ليشمل فتاوى القتل، وممولي عصابات الموت وفضائيات التحريض التي ماانفكت تؤجج المعارك لكي تتسع القبور من اقصى البلاد الى اقصاها . ورغم ان شاعرنا قد اكتوى مباشرة بالموت من خلال فقد إبنه، ولكنه لم يجعل منه حزنا ذاتيا بل وجعا عراقيا شاملا، فقد تكون الحياة موتا . فهاهم اطفال العراق يموتون الما وجوعا وذلا :

" فهاهم أطفالنا وبحماسة لجان التفتيش

ينبشون المزابل نبشا، للفوز بلقمة عارية من الصحة ..."

لايتورع الشاعر عن سفح بشاعة الصورة . إنه يعكسها كما هي، لايلقي على جثث الضحايا غطاءا لستر كرامة الموتى كما يفعل مصورو القنوات الفضائية العالمية لتغطيتهم للمجازر .. هو يجعلها عارية كما ارتكبت ويصفها بدقة الرسام،وكأنه يريد أنْ يصفع وجه العالم مذكرا اياه بأنين الضحية وهي تعاني نزعها الأخير، غارقة بالدم والغضب والألم والعجز عن المقاومة . اعترف بان بعض الصور غارقة في رعب الموت وتشنجاته، ولكنه يريد ان يريه الى الآخرين، كي يصدمهم بدوي الحقائق التي تمارس على الأرض من قبل قطعان بشرية حالمة بالجنة، وسالتقط بعض العبارات المبثوثة في ثنايا قصائده: (الجثث المكتوفة اليدين .. اجلس في المقلاة ..جاهدت ان أجعل من جثتي شمعة ..القناص كتب اسمه على جبهتي ..يتدلى من رأس مقطوع ..ثقب واحد في رأس الثدي الأيسر ..مصنع لتعليب الرؤوس البشرية ..وينز دما من عينيه ..السكاكين تعزف على رقابنا..أمّا قلبي فلا تستغربوا من المسامير التي تطرزه ..ألخ)

تطفح قصائد الشاعر موفق محمد برموز أثيرة الى نفسه متعددة، تجلت في اغلب شعره، ومنها : الأم التي ظلت تداعب خيال الشاعر وتبقيه طفلا أبديا ببراءته وحاجته اليها، والأم هي الوجه الآخر للوطن، وقد كان موفق عاشقا للأمومة يذوب فيها ويغترف منها القدرة على الوقوف والتماسك، كما انّ امه ألهمته الشعر كما ألهمته الألم منذ صرخته الأولى وهو يواجه العالم، باكيا من استنشاق عطر الحياة المخضب بالدم، بينما القابلة تهمّ بقطع حبل المشيمة . ومنذ تلك الحظة اضحت امه حائط مبكاه ومسرح ضحكاته : " هي ذي كأسك

فكأسي إمرأة تبكي في منتصف الليل "

واحيانا يصف لوعتها وهي تواجه حدة الواقع الحياتي المر

" فامي يقظانة نائمة

وقنبلة موقوتة البكاء، تقبّل وسائد الغائبين"

اما مدينته فقد اخذت من شعره حيزا واسعا لايمكن استيعابه بهذه العجالة . فالحلة- في قصائده- ليست مجرد مدينة، بل هي كيان تاريخي ضارب بجذور حضارات مازالت شاخصة . وهي ملعب صباه وباكورة احلامه ومسرح اوجاعه ومسراته . فيها تجرع خمرته الأولى وسجارته الأولى، وفيها تهجى الحروف التي رافقته الى الأبد:

" أنا أحب الحلة فقد علمني نهرها القراءة والكتابة

وأعارني كتبا ممنوعة .."

لذا فقد تحول الى شاعرها وعشيقها وحارسها ومتسكعها الليلي وصعلوك شعرها الذي يلتحف من الهم اليومي بغطاء قصائده كي يتصيد عنف اللحظة:

" في أول ساعات الفجر

وانا أترنح في الليل المسجور بأجساد القتلى .."

انتهج الشاعر موفق محمد اسلوبا في كتابة الشعر، يقوم على الموائمة بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة حتى ان الكثير من قصائده تسمو في افاق القريض احيانا ثم تخبو لتلامس النثر احيانا اخرى . ويأتي شعره معبرا عن كبرياء الكلمة في كلتا الحالتين، وعن موقفه كشاعر وكإنسان، لذا فقد جعل من الشعر وسيلة للتغيير ونقله من زواياه المحدودة في اعمدة الصحف والمجلات، ليجعله (منبريا) إنْ صحت الكلمة , فالشعر الحديث أقل قدرة على شد المستمع من الشعر العمودي، ولكن موفق استطاع ان يجعل من شعره قابلا للأصغاء، مستقطبا الجمهور بمختلف مراتبه الثقافية . وكأن الجمهور يذهب للأستماع والإستمتاع وكأنه جمهور (الفرجة) التي يتفاعل بها الفنان بمن يحيط به . ومفردات موفق تلامس ذائقة المستمع الى شعره حتى وان هبطت عن المألوف . واذا لم تسعفه فصاحة اللغة ومتانتها يستعين باللغة الدارجة ويوظفها في القصيدة بشكل متقن . وكأن الفصحى غير قادرة على البوح، لتنبري اللغة الحكائية وتقوم بدورها . حتى ان الجمهور يبكي ويضحك في نفس اللحظة . وما القصيدة التي قيلت في إحتفالية ابي تمام الا مثال على ذالك :

" افنيت عمرك لم تقم من وجعة، الا وطحت بأخرى

سرمهر وانكس

وما تخلصت من بور لطمت به إلاّ تمنيته

فالجاي كان أنكس .."

ويكثر الشاعر في استخدام الكلمات الدارجة، فتراها مبثوثة في صفحات قصائده دون ان تؤثر على جمالية اللغة، بل تمنحها اتساعا في الدلالة . وسألتقط بعض هذه المفردات على سبيل المثال :

(اويلي يابة - يا جار رمش لي - يمة آنا لفيت صرتك بالورد وذبيتة - وين نولي - العدة عراقي عتيك للبيع - انتو مطينة طرح - بلاد الجنابر - وضع ما تبقى من أيامه على تنكة نص ردن - لو نعرف انت بيا طولة...الخ) وهكذا تأتي اللغة الشعرية متشابكة ومؤثرة، وليس غريبا على الشاعر الذي يجيد كتابة الشعر الشعبي وله قصائد رائعة تتسم بالعمق والحزن ومنها (يا مطر زخنة محنة) كما ضمن الكثير من الأغاني الشعبية الشائعة في قصائده، ومنها اغاني سعدي الحلي وعفيفة سكندر وغيرها :

(اريد الله على الدكة يجازيهم

كلما عذبوا حالي، ساكت ما أحاجيهم ..)

أما الأقوال المشهورة والأمثال السائرة فقد استخدمها بشكل محوّر من اجل إثارة الأنتباه وتسليط مزيد من الضوء، ومنها: (انت لاتنزل القبر الواحد مرتين - بأنّ مسيرةالمليون قبر لاتبدأ إلا بجثة - قبل أنْ نهزه رصاصا جنيا - أنا افكر اذن أنا دايخ - وقتالكم لاتأخذه سنة ولانوم ..ألخ )

لقد كانت السخرية سلاحه ضد الأنظمة . لم يهادن ولم يصمت بل قال ما ينبغي قوله وكأنه لسان لمن آثر الصمت خوفا او جهلاً. واذا كان الفيلسوف الفرنسي ذو المنهج السريالي (اندريه بريتون) قد إخترع ما يسميه السخرية السوداء . تلك السخرية التي تقوم على استدعاء الأمور الأكثر رهبة، فانا يصح ان نسمي سخرية الشاعر بالسوداء، لأنها تطفو على بحيرة من الألم والحزن والمرارة،وللنظر مشهدية هذا النص :يقول في احدى مقاطعه:

" يقول القرضاوي

فمن يقتل عراقيا خيرا يرى، ومن لايقتل عراقيا شرا يرى ! "

ثم يقول في مشهد آخر:

" وما ذبحناهم بل كانوا انفسهم يذبحون

قالها مفتن من اليمن السعيد، وهو يخزن القات .."

لقد كان المقطعان نموذجا لسخرية سوداء، فيها من الألم والأستغراب والدهشة، ما فيهامن طرح المتناقضات بشكل اضحك الجمهور وابكاه في آن واحد. كما انه أدان التطرف الديني والمذهبي وسفّه شيوخ التطرف والتكفير، منتصرا للبراءة والضحايا،منتصرا للعراقيين الذين تذوقوا مرارة القتل والفتك والتجويع بأسماء مختلفة وهنا تكمن اهمية السخرية الهادفة التي انتهجها الشاعر موفق محمد في اغلب نصوصه .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2768 المصادف: 2014-04-04 23:57:04