المثقف - قراءات نقدية

" الحلم لي" للروائية المغربية حليمة زين العابدين

najia  jannaرواية "الحلم لي" بوح فريد وعشق صريح للأستاذة حليمة زين العابدين، رواية تزاوج بين الأسلوب الشعري و الخطاب الأيديولوجي الذي آثرت من خلاله الكاتبة إلا أن تدلي برأيها في الأحداث العربية الأخيرة، وتعالج قضايا اجتماعية تراها سببا في احتقان الوضع ومأساويته، وتنظر لحلم كبير يحمل أماني كل فرد عربي، اعتمدت الكاتبة التنوع والتركيب في خطها السردي فجاءت الرواية منفتحة على عدة تأويلات، في إهدائها ص 3 ذكرت الكاتبة أسماء لأصدقاء لها كانت لهم بصمات وتأثيرات على الرواية الشيء الذي أعطاها صبغة واقعية، ولمسة مؤثرة جدا على المتلقي ويظل فضاء البحر رمزا قويا لقيم الحلم الكبير الذي يسكن حليمة زين العابدين.

ينطلق المتن السردي من داخل الزنزانة عبر ذاكرة علاء، يأخذنا عبر ضمير المتكلم إلى وضعية المعتقلين وعذاباتهم، وحالة السجون والقمع الممارس والمستمر على الإنسان العربي.

سنتعرف على قصة حب جميلة وعميقة بين شابين كانا في مقتبل العمر (خديجة وعلاء) ومن خلال التحول التراجيدي للأحداث ستطلعنا الكاتبة على عدة عوالم وأحداث واقعية ومتخيلة،تتمازج فيها الحوارات والمنولوجات الداخلية، والحكي، وكأننا بصدد قراءة سيناريو يعالج قضايا اجتماعية شائكة – القمع والاعتقالات القسرية، الهجرة، التسول، الدعارة،التعصب الديني، اغتصاب الطفولة، تعنيف المرأة وزواج القاصر، فالرواية جاءت مثقلة بالمواضيع الجادة التي تؤرق المهتمين بالشأن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. في ص7:" حالمان معا بدخول متاهات وطن عشقناه حد الوله، فلم نعد ندري أحبنا لبعضنا من حب الوطن أم الوطن هو الحب ونحن شعيرات في صدر الوطن .. يتحسس قيودا أدمت معصميه وهو ما يزال ببهو مخفر الشرطة، لم ينقل بعد إلى المخافر السرية تحت الأرضية، انتقلت دمعة حارقة على خده من تحت العصابة السوداء التي وضعوها على عينيه ..."هذا وطني يا حبيبتي .. مازال تدبيرهم الأهوج المستبد سياسة قائمة لا يغيرون سوى اللباس والقناع " يستمر المتن الروائي بحبكة مزدوجة، تمتزج فيها ثيمة الحب المزدوجة أيضا، فبطل الرواية مهووس بحب الوطن وحب خديجة، حلمه كبير باتساع البحر الذي شهد على سعادتهما ومغامرتهما ومأساتهما أيضا، نلاحظ كذلك ازدواجية المكان والزمان، الماضي والحاضر، وازدواجية ضمير المتكلم وضمير الغائب، فالتخطيط الذي اعتمدته الأستاذة حليمة يكشف عن طاقة روائية حقيقية ورؤية ناضجة للأحداث الواقعية للثورة العربية التي انتهت قبل أن تبدأ في ص 5: " أبحث الآن عنك يا حبيبتي في دروب نفسي ومتاهاتها، هل نجوت من الغابة؟ أعرف يا حبيبتي أن الذئاب لا تفترس امرأة حبلى في شهرها السابع...هل خرجت من الغابة يا حبيبتي أم اعتقلوك تائهة؟ هل وجدت العم عامر ؟.. أنا حبك والحب انتصار"

في ص16 " إيه يا خديجة حبيبتي، ماذا حل بك في هذا الزمن الملوث بالظنون والخديعة والخيانة؟ فكم كان حلمك أن يمهلونا قليلا حتى تحول بلد المدينة إلى حديقة تزهر فيها الحياة بالأمل والفرح"

يمتزج متخيل الماضي بالحاضر فيعطينا انطباعا بأن النص تسجيل لفترة تاريخية معينة تركت بصمات غائرة لدى الكاتبة التي خبرت هي أيضا الاعتقال السياسي، في ص 18 " في الزمن الغابر، زمن الغزو البدائي، قسم القراصنة شبه الجزيرة جنوب البحر إلى ثلاثة بلدان، كانت القسمة حسابا مضبوط النتائج .. فلم تجد لفظة الحدود منفذا تتسلل منه إلى اللغة المتداولة، ليحولوا شجر الغابة وأزهارها إلى أسلاك وأشواك تمنع التسلل، حين يبتلع الضباب القمر " إن الواقع الذي تمتح منه الكاتبة أضحى متعدد الأبعاد يطرح إشكالية سياسية وطنية وقومية، فالكاتبة تتكلم عن ثلاث بلدان مجاورة كانت موحدة فيما قبل (بلد الجبل – بلد المدينة وبلد قرية الصيادين) فبلد الجبل وبلد قرية الصيادين حققا الأمن والعدل والسلام ص 52 " الشعب في قرية الصيادين ثار ضد الفساد وحكامه، حاملا معه البدائل، محولا أحلامه إلى خطط وبرامج عمل، هدم ثقافة الخضوع للذل والاستعباد التي كانت سائدة، وأقام على أنقاضها ثقافة المواطنة والمساواة و التكافؤ وحقوق الإنسان والعدالة والتنمية البشرية " ... " حاكم بلد الجبل حلم ببلد مختلف، بلد يكرم فيه الإنسان ...انضم إليه الشعب ...لقد قاموا جميعهم بثورة كالنار الهادئة ...وخلال عشرين سنة، تطور اقتصاديا وتضاعف دخل الفرد فيها وأصبحت تحتل مراتب مشرفة ..." أما بلد المدينة، بلد علاء وخديجة في ص 51 " أقسى الحزن أن يتخلى عنك بلدك ...يلقي بك في بطن الحوت، وأنت تنوي الهرب منه إلى البر الآخر، راكبا قوارب الموت .. لماذا بلد المدينة يعيشون الظلام، على هامش القرية بلدكم، وهي تعانق الشمس بالنهار، وبالليل النجوم؟.. أليس لنا نفس الخيرات التي لكم ولبد الجبل؟ لماذا أنتم تعيشون الرفاه الاجتماعي ونحن نعيش النكد الاجتماعي " تلامس باستحياء مشكل الحدود والتفرقة و والعنصرية وتطرح عدة قضايا وظواهر تاريخية، اجتماعية وسياسية ساهمت في إحباطات وخيبات المجتمعات العربية وتحاول إيجاد البدائل لذلك، في ص 18 " و مازال الوهم يسكننا، يسكننا نقاء العرق وصفاء الدم" في ص 19 لن يتلاشى هذا الوهم إلا حين يدرك المواطنون البسطاء أن نقاء العرق لم يكن أسطورة استمرت قرونا .."

أما الحبكة الكرنولوجية فقد اتخذت عدة مسارات ويظهر ذلك من خلال تعدد الأصوات، والحلم، والحكايات، إضافة إلى المقاطع الشعرية التي تقدم إيحاءات قوية لكل مقطع سردي من الرواية وكأنها عناوين لأجزائها الثلاث.

بحيث سيتعرض علاء لثلاث صدمات متتاليات، خيبة ظنه بالوطن الحبيب،سيعتقل وستضيع منه خديجة وهي حامل في شهرها السابع، في ص 5 " حلم لا يبتاع لا يبضع لا يسرق لا ينسف لا يدمر"، ولكن يسجن ويعذب وسيعاني سجديا ونفسيا إلى حين، وثانيهما بعد خروجه من السجن سيعلم بموت خديجة الذي سيخلف ذكريات جميلة وندوبا نفسية في ص 83 "حلم عصي على الريح على المطر على العواصف والرعد" نلاحظ تعدد الشخصيات بحيث من خلال تحاورهم ستثير الكاتبة قضايا اجتماعية تعتبر الركائز الأساسية للمشاكل التي يتخبط فيها المواطن كمشكل السكن والشغل و التعليم والصحة، وثالثها اغتصاب طفلته "وردة" على يد متسكع بالغابة، الشيء الذي سيؤجج نار الثورة لدى علاء وأصدقائه في ص 161

" انشر في الكون الدمار

مزق الجسد وأوقد النار

...

لا يهزم الحلم

حلمي لا ينكسر لا يهزم

حلمي لا يتلاشى لا يدمر"

 

فينبثق نور الأمل ترسمه الكاتبة لتعطينا نظرة تفاؤلية عن مستقبل واعد بفضل تضافر جهود الجمعيات التي تصر على تحقيق الحلم و تغيير الوضع مهما كان الثمن . فالجزء الثالث كما سيلاحظ القارئ اختزلته الكاتبة في حوارات وتناص مع حكايات، تحاول من خلاله إظهار الوسائل اللوجيستيكية التي ستعتمدها الجمعية -التي اتخذت لها اسم " كرامة، عدالة، مساواة"- في ثورتها لتحقيق الحلم المنتظر والعودة إلى البلد.

 

...................

الهوامش

رواية " الحلم لي " لحليمة زين العابدين، عن منشورات دار الأمان، سنة 2013، ص 3-5-7-16-18-19-83-51-52- 161.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2771 المصادف: 2014-04-07 00:11:46