المثقف - قراءات نقدية

حمودي الكناني في مجموعته (أحياناً) .. العمر أو ثغرة من جدار

 ali saediعلى ثغرة من جدار،يرسم حمودي الكناني،مناجاته أو لوعته أو ربما فرحته في ابتهاج مهيب،ممزوجاً بحزن يمسك بخناق الروح بقبضة من زهور’كأن السماء وادعته على مضض، كأن الأرض لاتحتمل المزيد من الغاضبين .

تلك مفارقة لاشك،لكنه يفعلها لتطل كابتسامة موناليزية،غامضة في الغوص إلى عمق الحزن،إنما واضحة بما يكفي ليجعل ذلك الحزن الموارب،يتلّبس رداءاً شفيفاً يحيل الكثير من قتامته الى همس مشع في مخاطبة الاشياء (أيها الشارع لا تكن بليداً إفْتِ بما يتسع للمارة ! لا تضيق كلما نظرتُ إليكَ من أولّك) كم تحمل الأشياء من قدرة على تحمل فظاظة العابرين أو لطافتهم؟ هل صمتها بلادة أم حكمة ؟ يحسمها الشعر هنا،ربما بنوع من العتب، لاتكن بليداً،فتبقى محايداً فجاً ينظر إلىمايحدث دون مبالاة،عليه عدم الاكتفاء بكونه جزءاً من المشهد، بل شريكاً في صنعه،أن يتخذ هيئة (قاض) كثيف التواجد،فيفتي بحرّية المارة أن يكتموا أحلامهم،أو يفصحوا عنها للشارع،حيث لايسمعهمسواه،لذا فهو مطالب أن يتسع صدره لنداء العابرين،موقف يستحضر قول النواب مخاطباً المطربزفرة لاهبة (ايه أيها المطر،إن كنت حزيناً حقاً، فلا تبلل المعاطف،حدّ الحمى) لكن مخاطبة حمودي الكناني هنا،أكثر حدّة حيث الفعل والإيقاع للسائر لاهثاً،لايترك المجال للتأمل كما يفعل من يتأمل المطر من خلف نافذة أو شرفة،الشارع هنا لايمتلك قدرة التفاعل،لايحمل صخباً بذاته كما المطر،والشاعر يذرعه جيئاً وذهاباً ربما دون هدف،يبدأ من أوّله قبل ان يصل نهاية لاتحمل جديداً فيما لايطلب العابرون .، ولاتحتمله كذلك بعد أن إلف تقديمها وحسب،لا تبتئس،فالأمر سيان أنت اتكئ على ما تشتهي وأنا فضّلتُ الوقوف على بقاياك،يقولها الشاعر .

كيف يمكن إيجاد وصلة ابتهاج وسط مواكب مما يحصل ؟ كيف نطالب البقايا أن تلتئم لتكون كلاً من جديد ؟ المعادلة هنا ينتابها الشكّ، ليس في وجودها،بل في أمكنتها الذاوية،لم تعد توفر مجال الاتكاء، وعبثي حين تصبح الأمور كلها متساوية،لافرق ان نموت أو نستمر ضيوفا على عبء حياة لم تعد تعرف ماتريد منا،البقايا هنا قد تكون شباباً لم نعد نمتلك منه سوى مايكفي لمواصلة الحلم، دون أمل بالتجسد،فالقلب وحده (ما زال إماما للحب) أما الجسد فلنقل انه مازال يتحرك في رحلة إنسانية مرهقة ومرهفة،لم تجد وقتاً لاستراحة هائمة .

ليست هي إشكالية الشعر مع الحياة، بل هي إشكالية الشاعر مع ذاته اولاً،فالشعر  ليس وليد الحياة،إنما خلاصة اللحظة في الحياة ،أو نافذة على الحياة، قد تتراكم اللحظات لتشكل عمراً،لكنهالاتشكل حياة بالضرورة،الشاعر قد لايعيش حياته في الشعر،لكنه يعيش الشعر في حياته،لذا يبدو دائم الاغتراب،والاكتئاب كذلك،وكأن القصيدة لاتتشكل إلا إذا فقدت الأشياء معانيها الحسّية،فإذا المطر مصدراً للضياع والحزن كذلك،كما رآه السياب وهو ينشده،لكن الشمس لاتعرف الشروق والغروب،ولا المطر معنياً بما يفعله،أينعش الأرض بعد مواتها، أم يجرف الحقول ويهدم البيوت،الحياة أكثر بهجة من الشعر،لكن الشعر أكثر رحابة من الحياة،العلاقة بين الشعر والحياة أحادية الجانب،تعطيه فيأخذ،ويعطيها فترفض،لاتريده أن يخضع أشياءها،أن يضفي عليها كآبته وحزنه وتمرده،أن يأسرها في كبوات أو تحليقات خياله المجنّح، لكنها تعطف عليه حيناً وتعاقبه أحياناً أخرى، فتتركه يذوي وحيداً لأنها لاتستجيب لكل مايريد (ربما ستصادفون انسانا غير مفهوم من قبل الأكثرية التي انكرت على نفسها أن تفهم الآخر بكل تفاصيله ومع ذلك لأجل أن تقفوا في محطتي قليلا ستصادفون رجلا يغني) يقول حمودي الكناني مقدمة أغنياته، وابتهالاته كذلك، لا من اجل مغفرة،لذنوب لم يرتكبها جيداً، بل لكي يفهمه الآخرون، أو تفهمه الحياة على وجه ادق، وما الحياة سوى آخرين.

يكتب حمودي نصوصه ضمن مرجعية خاصة،فلامرجعية للنص الإبداعي سوى مايحمل من فرادة وتميزّ،لكل مبدع خصوصيته وتجربته واشتغالاته،قد نجد نصوصاً يصل فيها الإبداع درجة،ربما يشكل فيها قياساً لما نقرأه لاحقاً،إذ يعيد تشكيل ذائقتنا، فننظر الجمال من خلاله، لأنه يعيرنا عينيه في مكامن الجمال بما يستطيع خلقه في دواخلنا من تفاعلات قد لايزول أثرها،لكن ذلك يكون  في الغالب مرجعية شخصية تهمّ صاحبها،وقد تتسع لتكون ظاهرة معيارية،الا انها لن تصبح قانوناً أو قيوداً على أيما نصّ آخر .

الأنثى والشعر

الشعر (مذكر) القصيدة (أنثى )لاشعر دون قصيدة كما لاقصيدة دون شعر،تلك هي المعادلة التي تحكم علاقة الشاعر بالأنثى كتجسد ومفهوم،لاشاعر دون إمرأة (قصيدة) تتجلى بكل الأشكال وتبتكر زينتها ورونقها ورائحتها،  لكنها تبقى ذلك الكائن المبهم في حضوره وغيابه،الساحر في انفلاتاته وهفواته،كما في تدفقه المشبع بالدفء والحنان فائق العذوبة،لاشاعر دون إمراة،يختلقها إن لم يجدها،بل يعيد اختلاقها مع كل قصيدة،وان وجدها مجسدّة أمامه .

اُسرحُها جدائل من رجاء !

فلِمَ استبقيْتِني  وحدي

أدفعُ بالتي هي أحسن

و علامَ أفشي لكِ

سرَّ آخرِ الواصلين

قلبي والهوى؟

، إنه يحولها إلى  (جدائل من رجاء) حيث لايرضيه ما يراه إن لم يتشابك فيما يخلقه،لذا فأتعس النساء  حظّاً هي حبيبة شاعر، لكنها أسعدهن كذلك، ربما يتعبها بتقلباته وأهوائه ،لكنها إن احبّت، ستعيد صياغته بدورها،عندها تشعر إنه (مخلوقها) الأثير أو إبنها المشاكس المتعب، لكنه المحبوب كذلك - المرأة الحبيبة، والشاعر الملهم، يتبادلان الخلق بشكل متواصل .

إئلَفيني مذ أول الغياب

ولا تكوني سادناً للرحيل .

لا تدَعي يُتمَ هواكِ

يتلبسُني

فمَنْ  غيرُكِ يبللُ خاطري

بقبضةٍ من لقاء؟

تلك هي المرأة حيث تكون في مخيلة الشاعر أو عقله أو كينونته أو أمامه  (قبضة من لقاء) يمسك بنا بأعناق عشق وخفقة قلب،نتماسك بوجوده ونشعر بالامتلاء، لكن قلق الغياب يفرض الحضور،وكأن الرحيل هيكل قدسي لابد يزورنا في لحظة قدرية صاعقة،لاتعرف الرفق ف(سادن الرحيل) هنا ذلك القدر الذي يحوك خيوط الفراق ربما دون علمنا، ليجعل هوانا وحيداً يتيماً، فيما الخاطر صحراء تفتقد القطر، دون احتمال للقاء يلوح في سماء القصيدة مقتصراً عليها، بعد أن أغلق العمر أبواب العشق والحكاياتفتحت يوماً في مفازات تحث خطى الرحيل دون هوادة .

 

أحيانا يمسكني صمتٌ

وأحيانا تخنقني دمعة

أحيانا يدفعني شوقٌ

من خلفي  دفعاً

فأكون مزيجاً

من دمعةِ شوقٍ في صمتٍ

تُسكبُ في أقداح

تحتسيها روحٌ تطيرُ

اللغة هنا مطواعة،انسيابية، ناعمة، قصصية/مشهدية، على نثرية شعرية، منالوج يستمر طويلاً،فلايسكنه الصمت ولايلهث مدفوعاً بالشوق،بل لغة تعاند صاحبها، فتحدّ من اندفاعته لينظر من ثم الى مايحيطه قبل مواصلة السفر حيث الروح وحدها تتقن الطيران،تثمل الروح بماذا؟

العشق الذاهب، لم يترك سوى حقول ذاكرة مغناطيسية،تسرح في أحضانها الرياح،وتنهار سدودها،فتهاجر إلى –لامكان بعينه، ففيها تتدافع الأمكنة،والأزمنة كذلك،تريد أحقيتها في الحضور، لكن الذاكرة،لم يعد يزورها العشاق، ولاتقف بحضرتها أمهات المدن،فمانفع الدمعة،تحلّ عبئاً ثقيلاً وهدية خانقة، وإن (أمّلَني الصبرُ بكسرةٍ من نهار) يقول الشاعر، لم اعد أطلب غبّ الضياء أو سكبه في كؤوس أعشق لهفتها، لا أريد امتلاء الأفق بكل الضجيج، كسرة وحسب من أرغفة ضياء طالما بعثرتها في عمر يحث الخطى نحو هاويته .

لكن العمر ليس تاريخاً فردياً إكتسب تراجيدياه بفعله الذاتي، إنه،بمثابة ليس فصلاً يتغذى من سِفْر وحسب، ولافقرة تكمل السطور، بل ربما فاصلة ليس الاً،في تاريخ مصاب بجذام الخيبة، لاجديد فيه سوى التأكيد على رؤيته عارياً لتزداد عورته انكشافاً.

أرأيتِ ........

حداثوية  داحس والغبراء؟

أنتِ التي كنتُ ابحثُ عنها

أنتِ التي في ذاكرتي  المثقلة بكِ.......

يوما ما سألتقيكِ عاريةً إلاّ

من بقايا جدائل لم تعبث بها

أصابعُ الأعرابِ والإعرابِ

سيسلبُك نحاة اليوم أثوابَك الحرير

لكن .........

انها نبؤة الفجيعة الآملة ربما بغد ليس يخلو من الأعراب ولانحاتهم، لكنه أقل فجاجة ربما،فبعد كل ماحدث لابد من (لكن) استدراكية كي لاتفوتنا تفاصيل المشهد،علّ فيها مايمكنالإتكاء عليه،رغم الرعب الذي يقتحم الصورة ويعبث بها كما عبثت بجدائل الأمة،أصابع القساة،ببدواتهم أو لغتهم التي وضعت في القيود كي تبقى طائعة .

هل لدينا سوى الذاكراة ؟ بصيغتي الجمع والمفرد، بحميمها وحممها،لانعيم هنا للتحدث عنه،سوى التقاطات نظنها تكفي لامتلاك جدارة الحضور كي لاتنهك الذاكرة بقسوة اقفرارها،فمن هي تلك المخاطبة بكل الشعر ؟ إمرأة أم أمّة ؟ فسحة من حلم ؟أم جدار من كوابيس؟ ليست تلك معادلة نسعى لحلها، ولاسؤالاً يبحث عن جدواه،كي يستبق اجاباته،إنها زفرات، مصيرها ان تنبت في الشعر أو يقتنيها وهلة،كي تثبت في لحظة من زمن ينهمر بكل وجعه،ليصطف كذلك في ذاكرة مثقلة، الزمن عندها ليس ثلاثي الابعاد، بل يتكون كله من بعد واحد يحتلّ الشعر مساحته الأكثر اتساعاً،والأكثر هدوءاً وصخباً في الوقت عينه،انه باختصار،زمن الذاكرة .

مافعله حمودي الكناني في مجموعته هذه، وباقتصاد مثير في الكلمات،هو داخل الشعر،خارج القصيدة،لن نتعب في البحث عن هوية (مرجعية) لهذا النوع من الكتابة، فالاستمتاع بقراءتها يغنيك او ينسيك هويتها،لكنك حتما لن تخرجها من الشعر(المصطفّى) المنتقى بكل كلمة ومفردة منه،كأنما وضع بموازين دقيقة وحساسة درجة لاتستطيع فيها تحملّ الزوائد،ولاتستهلك نفسها بثقلها، انها تأخذ مايكفي لتقول،لذا تتلبس المضامين أشكالها بكل البهجة والكرنفالات المائجة بتدفق لوني قزحي لايتوقف .

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

هل كان في ذهني كل هذا وأنا أتأمل اشيائي كمن يرعى غنما ويمسح على مزماره ليبدأ بالنشيج....لربما هكذا ولربما الأمر ليس كما أدعي ..الحالة الوجدانية التي تنتاب كل امرء تجعله لحظوي التبصر حائرا ومتأملا فيترك العلامات السوداء على خاطر الورق الابيض المدود امامه كما الطريق .... الدكتور السعدي الذي اعرفه أنك باحث في علم الاجتماع - الاجتماع السياسي تحديدا - وكم يبهرني ما تتناوله من طروحات مذهلة احيانا في حدة شفرتها ...فلقد فوجئت وانت تقف على دواخلي المسجاة على مستن طريق قد اتعبها وهد من قواها فتباطأت في نقل الخطو ...لا يهم أن يكون الكاتبُ تقريريا ومباشرا فالتقريرية والمباشرة مطلوبتان في نظري لأبعد الناس البسطاء الذي يتفرجون على طريق دواخلي هذه من الايهام والابهام ... شكرا لك من الاعماق ...لقد جعلت من (أحيانا ) حكاية لها مآلات يفهمها من يهمه امر ما يلده هذا الزمن المر ...أحر التحيات مع ارق المنى.

حمودي الكناني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2791 المصادف: 2014-04-27 09:01:41