المثقف - قراءات نقدية

مواقف وإشارات أديب كمال الدين

saleh alrazukلم أجد ما أقوله بعد قراءة (إشارات الألف) للشاعر أديب كمال الدين. ليس لأن القصائد فقيرة بالمعاني، وليس لأنني لم أفهم التجارب والخبرات التي وراءها، ولكن لأنها تدخل في مجال الاعترافات (من جهة) ثم مجال الابتهالات (من جهة ثانية).

في هذه الباقة من القصائد المتميزة تجد كل ميزات الحساسية الفنية الخاصة بأديب كمال الدين وكل العطاءات المتوقعة من الشعر الحديث .

إنها تتقاطع مع ماضيها ومع تجارب أخرى سمعنا بها.

وهنا لا بد من توضيح.

التقاطع مع الذات واحدة من أهم الصفات أو بالأحرى المزايا التي تربط شعرية أديب كمال الدين بالشعر. فهو يعمد للتكرار سواء على صعيد التراكيب والأمثولات والدراما والشخصيات ثم المعاني، ولكنه تكرار تأكيدي. الغاية منه الإصرار على الفكرة، وهذا يتطلب منه اعتماد أسلوب الإزاحة (سلاسل الإزاحة chains of displacement التي تحدث عنها دريدا في مضمار كلامه عن مذهب روسو الرومنسي). فالصور تحمل دائما إضافات توسع المعنى، إنها تعارض مقولة ابن عربي: كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة، وتصبح بعد قليل من التعديل الطفيف: كلما اتسعت الرؤيا تطورت العبارة.

و يمكن ملاحظة ذلك من خلال نموذج لا تخلو منه مجموعة لأديب كمال الدين وهو محنة النبي يوسف عليه السلام وتجربة النبي نوح عليه السلام.

ففي (مواقف الألف) يغلب على كليهما صفة الإصرار إلى درجة العناد، وهو إصرار خلفه عزيمة إيمانية.

بينما في (إشارات الألف) يغلب على الشخصيتين صفة التحذير والوعيد. وهكذا يخرج المعنى من دائرة البحث عن الذات الضائعة وعن جوهر المعنى المفقود، ويدخل في مرحلة التبشير بالذات الكلية.

و الفرق بين المرحلتين ليس في الخطاب ولكن في طريقته.

فهو مباشر ومادي في (المواقف) ولكنه رمزي وكنائي في (الإشارات). وهذا يعني أن الذات التي كانت تبحث عن حقيقتها انتقلت إلى إرشاد الموضوع لحقيقة غيره.

ولمزيد من التوضيح: إن النبي يوسف في (المواقف) يعكس نقطة تثبيت وهي باختصار الألم الناجم عن المحنة والسقوط في غيابة الجب. ولكنه في (الإشارات) يعبر عن الخوف والخشية من الخديعة والدسائس والغواية.

ولذلك حتى لو أن شخصيته تبدو هي هي، شخصية بسيطة، وتكشف لنا الغطاء عن الصراع بين الغرائز الأساسية، بما تنطوي عليه من خير وشر، أو حركة وسكون، فإنه في حقيقة الأمر شخصية مركبة وتتكون من باطن (الدفن على قيد الحياة - المواقف) ومن ظاهر (تجربة التصعيد الفني وتهذيب الغرائز - الإشارات).

وهكذا يمكن لنا أن نفهم التكرار في قصائد أديب كمال الدين بنفس المعنى الذي أشار إليه لاكان. إنه عبارة عن مكبوت يتطور في اللاشعور. وكلمة " تتطور " تعني ضمنا أنه يمر بمراحل ومحطات. وبعبارة أخرى تعني حتما أنه ينضج نفسيا ويبدل من محتواه. ألم نسمع بالحكمة اليونانية: إن الإنسان لا يسبح في مياه نفس النهر مرتين؟!.

إن هذه الحكمة هي خير تعبير عن العلاقة المحتملة بين المكبوت واللغة (انظر: ص ٥٠-٥١، المفهومات الأربع للتحليل النفسي- لاكان. طبعة بنغوين. ١٩٩٤).

فإذا كان المكبوت مبدأ يعمل من فوق الطبيعة والواقع فأساليب التعبير عنه تتأثر بالحياة وقوانينها، سواء لدواعي التهذيب أو السياق.

و أنا لا أتصور قصيدة من غير حروف وكلمات، وكلنا يعلم أن اللغة تخضع لشروط وقواعد.

والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى. مثلا إن معنى المضاف يختلف حسب اختلاف المضاف إليه.

فشجرة الطفولة التي تدل على الخير والنماء والأمل هي غير شجرة الموت التي (كما قال بالحرف الواحد) لا تحب المزاح ، وطويلة كجهنم، ولا تحمل ثمارا لذيذة ملونة (ص٢٥- شحرة الحروف . دار أزمنة).

وقل نفس الشيء بالنسبة للحلاج. مع أنه اسم علم وله تاريخ معروف. فهو أشبه بفراشة تحترق بنور القلوب المعذبة في قصيدة (إني أنا الحلاج) والتي يقول في بدايتها:

لا تقترب من ناري.

من نار قلبي وسري.

فإني أخاف عليك من النار (ص١٧- أقول الحرف وأعني أصابعي. الدار العربية للعلوم).

و لكنه في (إشارة الحلاج) يصبح رمزا للحب المقدس أو الايمان. فيناجي ربه في مستهل القصيدة بقوله:

إلهي،

حين ارتبكت حاء الحلاج

في باء محبتك الكبرى..

و الفرق بين القصيدتين واضح. مثل الفرق بين الاكتواء بنار وعذاب التجربة وبين التحول إلى رماد نذروه في مياه دجلة .

***

أما بالنسبة للتقاطع مع فن الشعر فيدخل في باب ما نسميه المؤثرات والمصادر.

و أرى أن أهم مصادر أديب كمال الدين هي القرآن الكريم وبعض التجارب والخبرات. وأضيف لها الفولكلور الديني والأسطورة.

و مع ذلك (شكليا) كتب مطولات شعرية تذكرنا بما فعله سميح القاسم في (كولاج) ويحيى السماوي في (مناديل من حرير الكلمات) ومحمد عمران في (كتاب الملاجة) و(قصيدة الطين).

و لكنه كان نسيج وحده.

فسميح القاسم ومحمد عمران وضعا القول الشعري جنبا إلى جنب مع الأنشودة الشعرية. كانا يترنمان بعذاب الأمة ونكساتها وهزائمها ويضيفان لذلك تأملات بصيغة الإخبار. بمعنى أن القصيدة لديهما كانت تتألف من متوازيات غير متماثلة لا في التراكيب ولا الاتجاه. وكانت تندرج كلها في بناء عمودي واحد من خلال وحدة المعاني.لقد كانا يشيدان صرح القصيدة بمفردات تجدها في البيئة المحلية. الموت والعنف والدمار لدى سميح القاسم. والطبيعة والبحر والتراب (ليس الأرض وإنما غبارها ، ليس الصخرة ولكن بقاياها) عند محمد عمران.

أما يحيى السماوي فقد حاول الضغط على الأصول الشعرية لقانون القصيدة ولجأ للتحميس والخطابة والمناداة والمناجاة، وكان هجوميا وساديا في المديح والهجاء. كان يفتك بأصدقائه قبل أعدائه من خلال لغة تلتهب بنار عاطفته. وبما يصوره من رعب وشقاء وعذاب وفوضى.

ولكن أديب كمال الدين أعاد إنتاج سيرة نشاطه النفسي.

لقد كان يفسر ويشرح أكثر مما يلاحظ ويدون.

حتى المكان والأحداث والأساطير عمد إلى تفكيكها وإعادة إنتاجها حسب رؤيته. كان يضع كل الملاحظات في أتون أو نار حياته النفسية ويعيد تكوينها بشكل أحلام دامية أو كوابيس.

وعلى ما أرى كانت المطولات الشعرية السابقة كلها تعمل حسب إيقاع وفروض مبدأ التصعيد. إنها نضالية تعمل على تحرير الأرض أو الإنسان. أو غزلية تعمل على إطلاق سراح المكبوت.

ولكن مواقف وإشارات أديب كمال الدين عملت حسب مبدأ الكاثاريسيس (التطهير). إنها تثير ما لدى الإنسان من نوازع للخير والشفقة على الذات.. بنبرة استسلام وخنوع في (المواقف)، وبنغمة حزن في (الإشارات).

 

نقطة أخيرة.

إذا كان الشاعر أديب كمال الدين في كل تاريخه غاضبا ومتبرما، أو ناقما ويطلب المغفرة على ما اقترفته يداه من خطايا، فهو في (إشارات الألف) لا يكتفي بمخاطبة إلهه، ولكن يلفت نظره لإخلاصه بلغة يشوبها الاعتزاز وتمجيد الذات.

مثلا يقول في قصيدة إشارة نهاية الحرب:

إلهي

خرجت من الحرب منتصراً،

حرب الطغاة والأوغاد والأعدقاء.

خرجت منتصراً أجر جثّتي بيدي في الطرقات ليل نهار!.

و يقول في إشارة الطريق:

وكنت مضيئا

إذ لم أعد أسمع رنين الذهب

ولا أرى جناح غراب الشهوة الذي تبعني،

من قبل، كظلِّي.

في الطريق إليك كنت سعيداً كغيمة

لأنني احتفظت في قلبي بلغة الماء..

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2798 المصادف: 2014-05-04 01:05:20