المثقف - قراءات نقدية

قراءة في رواية (غرفة البرتقال) لعارف علوان: تقنيات السرد المتداخل (1- 2)

alaa allamiضمن محاولتنا التعريفية ببعض الانجازات الروائية العراقية، نتوقف اليوم عبر دراسة نقدية نستقبل بها رواية "البرتقال" للكاتب العراقي عارف علوان ننشر اليوم القسم الأول منها:

تستأهل رواية "غرفة البرتقال" للروائي العراقي عارف علوان التوقف عندها نقديا لعدة أسباب لعل من أهمها: أنموذجيتها – صعودا وهبوطا - في التقنية السردية المتداخلة وبساطتها الحكائية، إضافة إلى وجود ضرب من الشفافية الحميدة في مجال اللغة التي سنلاحظ أنها غدت بفعل سلاستها ومرونتها العالية من العوامل الدافعة لتوليد بنية روائية على قدر كبير من التماسك مع أنها كررت – وإنْ نادرا - الهنات البلاغية السائدة في النثر العراقي المعاصر من قبيل عبارة "ذروة الهاوية"... وتشبيهات وتركيبات خاطئة مماثلة.

قد تبدو هذه الرواية للنقاد المطلعين على أعمال "عارف علوان" الروائية أقل أهمية من رواية أخرى صدرت له قبل هذه ببضعة أعوام هي "محطة النهايات" لناحية التعقيد البنيوي والموضوع المركزي والحجم السردي غير إن لـ"غرفة البرتقال" صفة النَمْذَجة كما أسلفنا في مجال جديد نسبيا على السردية العراقية وهو المتعلق بأساليب السرد المتداخل.

يخبرنا الناشر في الغلاف الخلفي بأن الزمن الحقيقي لهذه الرواية يستغرق خمسة وأربعين دقيقة، ولعله يقصد بالـ"زمن الحقيقي" ما يسميه بعض نقاد السرديات بالطبقة الأولى للبنية الحكائية أو المدى الزمني الذي يستغرقه فعل الرَوي، غير أن البنية الزمنية التي تمتد عليها أحداث الرواية المستعادة عبر الاستذكار والمحايثة والاسترجاع وأساليب قرينة أخرى يستغرق زمنا أطول كثيرا، حتى أنه يعود إلى فترة طفولة الشخصية المحورية في الرواية وهي الزوجة "وداد".

نلاحظ أيضا، وعطفا على الإشارة السابقة، أن هذه الشخصية تقوم بدور الراوي الداخلي إلى جانب الرواي الرئيس والذي لا علاقة له بالرواية حَدَثيّا، عَنَيْنَا: الراوي المحايد الممارس لفعل الكتابة. ثمة شخصيتان أخريان محوريتان هما الزوج "صبحي" الذي يقود السيارة والعشيق "جلال" الجالس في المقعد الخلفي.

تقوم اللعبة التقنية لتقديم هذا التداخل الزمني والسردي بين أحداث رحلة الشخصيات الثلاث في داخل السيارة من مدينة "بحمدون" اللبنانية إلى "صليما" وبين لقطات منتقاة من حياة امرأة في الثلاثين، تقوم على ركائز حَدَثية بسيطة وبأساليب وتقنيات متنوعة منها: الاسترسال، الاسترجاع، الاستغراق، التماثل، المقارنة، الاستيهام، التفكيك البصري والمحايثة النفسانية....الخ. ولتوضيح المراد النقدي - وهو تعريفي بالدرجة الأولى وتحليلي تنظيري بالدرجة الأخيرة - سنقدم الآن قراءة تخطيطية للصفحات الأولى من الرواية محاولين من خلالها ملامسة ملامح الخطة السردية المنفذة:

تبدأ الرواية ومنذ سطرها الأول بحركة هبوط حقيقية ومباغتة للسيارة المقلة للشخصيات الثلاث عند نزلة "حمانا" باتجاه منحدر "صليما" لتدرك الزوجة "وداد" النوايا الثأرية القاتلة التي تعتمل في ذهن زوجها. يلي ذلك مقطع وصفي لداخل السيارة، فمقطع على لسان الراوي لتوضيح حادثة سابقة في المنحدر ذاته كادت تؤدي بصبحي ومن معه إلى كارثة. يتواصل الاسترجاع ليطرح نماذج من التفاصيل اليومية من حياة الزوجين بغرض توضيح الخط الحَدَثي، فعودة إلى متابعة السيارة في اندفاعتها على الطريق الجبلي مع لقطات وصفية للمحيط، فحوار مقتضب بين الزوج والزوجة حول ما يبيعه رجال مسنون على الطريق، ليواجه القارئ، بعد هذا الحوار، أول نقلة في السياق السردي حين تستلم الزوجة فعل الرَوي من الكاتب وبضمير المتكلم هذه المرة بعفوية وسلاسة وباتجاه عمق راوية الداخلية الخاصة بفترة طفولتها فيكفُ الراوي/ الكاتب عن فعل الرَوي تماما في هذا المثال، أما في مثال آخر ومع تقدم السرد وحتى الربع الأخير من المتن الروائي فسوف يتقاسم الراوي والزوجة الفعل وتحديدا في الصفحة 100 حيث تبدأ الفقرة الفرعية بعبارة للراوي الرئيسي نصها (كانت في السادسة عشرة...) تتضمن توصيفا لفترة مراهقتها ولأول حادث اعتداء جنسي تعرضت له في أحد شوارع بغداد، وقبل أن تنتهي هذه الفقرة الفرعية تكمل الزوجة فعل الروي وتصف لعشيقها "جلال" أثر ذلك الاعتداء عليها والألم الصاعق الذي شعرت به حينها ثم، وفجأة، يعود الراوي الرئيسي إلى عمله. النقلة الأولى والتي ذكرناها قبل قليل لا تستغرق سوى تسعة أسطر محصورة بين مزدوجتين صغيرتين لنعود بعدها إلى الطبقة الأولى في السرد أي إلى داخل السيارة المتجهة نحو منحدر "صليما".

يمكن اعتبار هذا العرض القصير للصفحات العشر الأولى – من المهم الإشارة إلى أن متن الرواية مؤلف من كتلة واحدة غير منقسمة إلى فصول أو أجزاء غير أن القارئ لا يلاحظ ذلك، وهنا تكمن مهارة الكاتب النثرية - بمثابة مقطع عرضي للبنية السردية المتداخلة وأيضا للبنية الزمنية المحيطة بها إحاطة (الفضاء الزماني بالوجود الفيزيقي) بعبارة الفيلسوف كانط، غير أننا إذا اكتفينا برصد مكونات هذا المقطع "العَرَضي" رصدا رقميا فلن نصل إلى فهم الكيفية التي نهضت عليها البنية السردية العامة ولا إلى مدلولاتها المضمونية المحايثة للمضمون الروائي العام والذي سيغدو جزءا مكملا للبعد الجمالي الشامل في العمل.

لعل من المفيد كذلك، الإشارة إلى أننا، وعبر تفحص مكونات، وحركة مكونات، هذا المقطع سنفهم وبصورة أفضل أن التداخل السردي الذي نتحدث عنه والذي اعتمده عارف علوان يختلف اختلافا جذريا عن مفهوم مشابه هو "البنية العنقودية السردية"، وعن مثالها الأشهر كما نجده في الملحمة السردية العربية الخالدة "ألف ليلة وليلة"، حيث القصة تلد أخرى فأخرى فأخرى، ومن هذه الأخيرة تولد قصص أخرى وهكذا دواليك إلى درجة لا يبقى من الطبقة الأولى غير الأثر الغائم أو الخيط الباهت والجامع لحبات العنقود.

نلاحظ أيضا أن التقنية المعتمدة في الرواية موضوع قراءتنا هذه تختلف جوهريا عن تقنية "النص داخل النص "أو "القصة داخل القصة" كما دشنها دويستوفيسكي في روايته "ذكريات من منزل الأموت"، حيث يعثر الراوي الرئيس على مذكرات السجين السابق "جوريانتشكوف" بعد وفاته ليستلم "الميت!" فعل الرَوي عَبر مذكراته بعد الفصل الأول من الرواية مباشرة ولينسحب الراوي/ الكاتب من الرواية انسحابا تاما أو للدقة انسحابا يغدو بموجبه مجرد "محرر" لما يمليه الراوي الميت! ثمة أيضا تجربة قريبة من هذا المثال لدوستيفسكي ذاته استعمل فيها طريقة توزيع البنية السردية على مجموعة من الرسائل المستقلة في قصته التي تحمل اسم " قصة في تسع رسائل" والقريبة بدورها من روايته "الليالي البيضاء" والتي يتوزع متنها السري على عدد من الليالي وثمة تقنيات مشابه جربها كتاب معاصرون من أمثلتهم الروائي السوري "محمد الدروبي" في روايته الأخيرة "عشاق الدَير"، ولكن بشكل أكثر تركيبية حيث يجد القارئ نفسه بإزاء ثلاثة نصوص: الأول وصفي تعريفي للكاتب الروائي – الدروبي -، والثاني للراهب الشامي "إفرام" الشخصية الروائية المحورية عبر مذكراته والثالث لـ"عكرمة" المكلَّف من قبل الخليفة "الوليد الثاني" بتدوين كتاب عن الراهب "إفرام" هدفه دحض وتفنيد ما يشاع عن وجود علاقة معينة بين الراهب والخليفة لتؤلف النصوص الثلاثة – من ثَم - بنيةً سرديةً واحدةً ومتداخلةً على المستوى الأفقي وليس العمودي المَزْجي كما سنتفحصه في "غرفة البرتقال"... يتبع

 

* علاء اللامي: كاتب عراقي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2807 المصادف: 2014-05-13 10:16:17