المثقف - قراءات نقدية

رماد الأسئلة .. بقايا الأجوبة

mothana khadomsadiqترفل مجموعة (رماد الأسئلة)(1) للشاعر المبدع (حبيب السامر) بوتريات وجدانية مربوطة بــ (كمنجة) الشعر، إذ يعمق في أحافير الذات المأزومة سمات قارة، ضمن تعالقاته الذاتية على وفق منظومة جمالية يتعالق فيها المعنوي مع المادي، بدءاً من العنوان الاستعاري في بنية علاقة المضايفة (رماد الأسئلة) فالرماد ما تبقى من النار أو طفلها الميت الذي لم يتغذَ، فالأسئلة كانت ناراً لم يكتب لها ديمومة التوهج، مما جعل النار حقيقة مستلبة من توهجها فاستحالت رماداً للأسئلة غير المجابة أو التي تلونت بالقتامة .. قتامة الرماد . ولعلنا نلمس حرص الشاعر على استبقاء ما تبقى من وطنه في قصيدة (مطر يبلل قاماتنا) إذ يقول: (الوعول تحرث مدني، سأدخر بعض تراب) ص 7 فالشاعر يمد عروق انتمائه إلى أكثر من مدينة، لذا فأي تراب منها يفي بهذا الإدخار بدلالة تنكير كلمة (تراب) ثم أن النص يفصح عن سرعة الإدخار بتوظيف (سين) الاستقبال ذات الزمن القصير، قبل تغيير الوعول لوجه الأرض، فلا يبقى منها قطعة أصل سوى عند الشاعر، ويشتغل الشاعر ضمن رؤية سريالية خاصة كانت لوحتها راحة يده (فوق راحتي انشطرت غيمة) ص 8 فثمة علاقة جدلية بين راحة الشاعر (السماء) وبين الغيمة المنشطرة (التجاعيد) ولعل الشاعر يريد أن يعكس المعنى، ليشير إلى أن راحته (أمنه وسكونه) لم يعد كما كان، بل أصبح مضطرباً ملبداً بالغيوم المنشطرة، كما يلجأ الشاعر إلى الانشطار الذاتي في نص صوفي، يفصح عن ثنائية النفس الواحدة التي تدور في حيز الانتظار (أنا أم أنا من ينتظر الآخر) جاء الضمير الذاتي (أنا) مفصحاً عن ذات غير متضخمة ذات صوفية مفعمة بالانتظار للآخر وقد يكون الآخر (هو) لتتواشج الذوات وتنصهر في ذات واحدة ضمن بوتقة الوجود أو الظهور إذ غالبا ما يعيش الشاعر وفي كينونته ذلك القلق المستديم المتواصل الذي يخرج بالبوح الصوفي عن نفسه الهائمة، التي هي بؤرة عينيه التي ترى ما لا يراه سواه، ويستجلى ذلك من خلال أدلته البرهانية فــ (السكين برهانه الجرح) ص 11 فلا برهان في الحياة من دون ألم، أما قصيدته (حارس آخر الليل) فإن التماس اليقظة للذات المتعبة الساهدة يجسدها الشاعر في لقطات نفسية مدهشة (والحارس لا يزال يقرص نعاسه بالدخان والسعال) ص 15 فالقرص فعل إنجازي للبقاء متنبهاً، لكي لا يغفل عمن تسول له نفسه بالسرقة إلا أن هذا القرص للنعاس لا يتم بما هو معروف (الأصابع) بل بالدخان والسعال، إذ إنهما يبقيانه متيقظاً فمساحة القرص تأخذ هنا امتداداً أعمق مما يأخذه القرص الحقيقي على مساحة ضيقة من الجلد، فتتسع بذلك الصورة المعنوية لذلك الحارس المفعم بالنعاس في آخر الليل، لكي يحول بينه وبين النوم من خلال انهماكه بالتدخين والسعال الذي هو منبه صوتي للعيون، وعلى وفق ذلك فإن الشاعر خلق دوراً مهماً بالمماحكة بين النوم وبين عدوه السعال، بعدم استقبال أحدهما للآخر بتدفق السعال عليه . إن استعمال الفعل الانجازي (أخلدوا) في قصيدة (المجنونة ثانية) قد أوحى بنفي النهار (أخلدوا للنوم المضجر / أيها المجانين / النهار لن يطلع غداً) ص 21 فالنص يشي بالاحتجاج على طرفين لا يقبلان الحياد هما (الليل / النهار) ولتصعيد النهار على الليل جعل النهار منتظراً منفياً بأداة النفي التأبيدية (لن) لكن مفردة (غداً) تجعلنا نتأمل أن يطلع النهار بعد غد !! حتى لو كان الليل طويلاً .. وجاء الاحتفاء بالرأس، ليمتاح من التناص القرآني (وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ) كما في قصيدة (أيها الرأس حتماً سيهنئك الغراب) إذ يخاطب الشاعر الرأس قائلاً (أيها الرأس بك انبهرت الدنيا / وأنت القابع، القانع فوق جسدي) ص 31 فالرأس مركز الحواس والتفكير وبه يتواصل الإنسان مع الآخر، فالرأس بنية لامة لمقومات الجسد وحواسه ومدركاته الحسية والمعنوية، وتأتي قصيدة (بلورات العمر) ليحشد فيها الشاعر طاقة استعارية لافتة (يدك تحاصرني / تغسل عيني بالظمأ / وبقايا خثرة القمر) ص 42 وهذه الطاقة تتأتى من غرابتها يقول الجاحظ (الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف، وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كان أعجب كان أبدع) إن الاستعارة قد جمعت بين الشيء ونقيضه (غسل العين بالظمأ) ضمن سياق لغوي أخاذ يتضمن مفارقة مدهشة فضلاً عن استعماله (بقايا خثرة القمر) ليوحي ـ ربما ـ ببياض أصابعها، فهي إيحاءات قد أضاءت دواخل الشاعر التي خلقها بالتداخل والامتزاج .. إستطاع الشاعر أن يبني مجموعته بتقديم ظلال الكلمات على الكلمات فتولدت شعرية كهربت النصوص وأضاءتها.

 

(1) رماد الأسئلة / شعر / حبيب السامر / ط1 / 2013م من إصدارات مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية .    

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2827 المصادف: 2014-06-02 03:11:09