المثقف - قراءات نقدية

الأسلوبيَّةُ والشِّعْريَّة هل هُما مُصطلحانِ لِمفهومٍ واحِد؟ .. اقترابٌ شِعْرياتِيٌّ في مَقولة الأسلوبيَّة

mohamad benjelaliملخَّصُ المقالة: وأنا أُقارِئُ توصيفَ عبدِ السَّلام المسدِّي لشِعْريَّة رومان جاكوبسون (Roman Jakobson) فِي موْضعٍ من مؤلَّفه العتيد: " الأسلوبيَّة والأسلوب "، قد نالَنِي استفزازٌ " معْرفِيٌّ " شديد، إذ ألفيْتُه يتعاطى مفهومَ الشِّعْريَّة بِمُصطلح الأسلوبيَّة، والأدهى، أنَّه لَمْ يرْبأ بنفسه، في موْضعٍ آخرَ، عنِ استحضار مقولة " الوظيفة الشِّعْريَّة – La fonction poétique " بوعيٍ منه أنَّها مفهومٌ للأسلوب، ونعْتٌ معرفِيٌّ له.

كيف ساغَ لأسلوبِيٍّ عربِيٍّ بقامة عبد السَّلام المسدِّي أن يُمَحِّض استعمالَ تسْمِيَتَيْن اصطلاحيَتَيْن متمايزتَيْن شكلاً، ومَفْهَمةً، للإحالة إلى مفهومٍ واحد؟. ولقد شاهَ على ذلك منظِّرون أخَرٌ غيرُه من منظِّرينا، ونُقَّادٌ أخَرٌ من نُقَّادنا... من أمثال صلاح فضل، والباحث الجزائريِّ نور الدِّين السَّد على وجْه التمثيل ليس إلاَّ.

فكان من عواقب ذلك الاستفزاز أن قرَّرتُ تَحْيِينَ مقالةٍ (نقديَّةٍ) أكاشِف فيها حقيقةَ الحدود الإبِسْتيميَّةِ بين ذانِّك المصطلحين: "Stylistique "، و" Poétique "، وبين حَقلَيْهُما النَّقديَّيْن إذ ذاك، عسى أن ألْجُم، ما استطعتُ، تَمادي طلاَّبِنا، وباحثينا، ونُقَّادِنا.. في الخلط بينهما باستعمال حدَّيْن اصطلاحيَيْن، مختلفيْن بحتميَّة الرَّسْم اللَّفظيِّ، لوصْف واقعةٍ مفهوميَّةٍ واحدة، إنْ فِي مقاربة النُّصوص، أو في ركوب موجة التنظير...

وإذن، فهي مقالةٌ تحاول تقديمَ قراءةٍ واصفةٍ في مقولة الأسلوبيَّة من جهةِ التجاور – تقعيديّاً، ومنهجيّاً – بينها، وبين مقولة الشِّعْريَّة؛ إن هي إلاَّ قراءةٌ استقصائيَّةٌ تحرص على اسْتِبَار جوهر المجاورة/ المضايفة بين المقولتيْن، وتُضْمِر، في الوقت عينه، إقراراً شاخصاً بوجود نقاط اندماجٍ، ومُشاكهةٍ بينهما، إذ تُقارِف إحداهُما أخراهُما على الصَّعيديْن: التأسيسيِّ، والإجرائيّ، على أنَّ المِجْداف المنهجيَّ لهذه المقالة يَجْذب نَحْو مقاربة الأسلوبيَّة من وجْهةِ الشٍّعريَّة؛ حيث تَمْثُل الأسلوبيَّة، في هذا المقام، موسومَ بحثٍ، بينما تَمْثُل الشِّعريَّةُ وَجْهَ اقترابٍ، ومقارَبة.

 

1- تساؤلٌ مبدئيّ

يترادف ذِكْرُ الشِّعرية مع الأسلوبيِّة في سياقاتٍ بحثيَّةٍ شتَّى، حتىَّ ليكاد الدَّارسُ يعدُّهما نُسْختيْن اصطلاحيتيْن، عن بعضٍ، متطابقتَيْن تمام التطابق.

إذ نلْفي نفراً من الأسلوبيِّين يوظِّف هذين المصطلحيْن في وصْف واقعةٍ مفهوميَّةٍ واحدة؛ فهذا عبد السلام المسدِّي قد مضى في التعليق على شِعْريَّة رومان جاكوبسون (Roman Jakobson) بمصطلح " الأسلوبيَّة "، وطفق يستحضرُ، في سياقٍ آخرَ، مقولة " الوظيفة الشعريَّة – La fonction poétique " بِنِيَّة عدِّها مفهوماً للأسلوب، وتوصيفاً له.1 ولَمْ يخرُج نور الدِّين السَّد عن المنحى عينِه، فما فرَّق بين أسلوبيَّةٍ، وشعريَّةٍ في مَعرِض حديثه عن الشِّعرية الجاكوبسونيَّة.2 أمَّا صلاح فضْل، فكم كان صريحاً في تبْئير ظاهرة التَّرادف بينهما حين قال: ".. تمثل الخواص الأسلوبية للنصوص الأدبية [...] مستوى قائماً بذاته، قد يسمَّى لدى بعض الباحثين " اللغة الشعريَّة "، ويسمَّى لدى آخرين " التوصيف الأسلوبي للأدب ".3

فهل الشِّعريَّة – بَعْد هذا - هي الأسلوبيَّة بعينها؟. أوْ هل يعنِي كلاهُما الآخرَ دونما أيِّ لُبْسٍ، وأيِّ تباينٍ قد يقع بينهما في الحمولة المفهوميَّة؟.

بلا شكٍّ، لسْنا نُنكر تلاقيهُما في نُقطٍ شتَّى من المفاهيم، والأبعاد الأنطولوجيَّة، إنَّما حسْبُنا أنَّ هناك تمايزاً حسَّاساً لا مناص من وجوده بينهما، وإلاَّ كيف نفسِّر افتراقَهُما الأصليَّ الحتميَّ عند مفْرق الاصطلاح، والتسمية؛ " Poétique "، " Stylistique "؟.

إنَّ الأسلوبيَّة * أسلوبياتٌ على غرار شِعْريات الشِّعريَّة. حيث إنَّ تعدُّد مناحي مُدارَسة الأسلوب ذاته هو الذي أفضى إلى إنتاج اتجاهاتٍ أسلوبيةٍ متخالفةٍ منظوراً، متكاملةٍ إجراءً،** وبغَضِّ الطَّرف عن تكاثر اتجاهاتِها، فإنَّ ما يثيرنا – في هذا المقام - هو كوْنُ التباين قد اعتوَر الأسلوبيَّة من داخلها، فكيف بِها لا تتباين عن كيانٍ مصطلحيٍّ يسْكن خارجها، متمتِّعٍ بوجوده الذاتِيِّ، هو الشِّعريَّة. إنَّما بيت القصيد هو في وجود بؤرِ تقاطعٍ مفهوميَّةٍ تأسيسيَّةٍ بين مصطلحين ينْماز الواحدُ منهما عن الآخر، إن قليلاً، أو كثيراً.

من هنا، جاءتنا الرَّغبة الملْحاحة في محاولة اسْتِبَار حالات التجاور بينهما، على أن نَجُوس المفاهيم الأسلوبيَّة من منظور المحاور الكبرى في البناء المفاهيميِّ الخاصِّ بالشِّعريَّة، خاصّةً إذا عُلِم أنَّ " علاقة الأسلوبية بسواها من الحقول المعرفية لم تحسم حسماً كلِّيّاً ".4

ولسْنا – إذ ذاك - في حاجة إلى تقصِّي اتجاهات الأسلوبيَّة جميعِها، وفرْزِها فرْزاً سرديّاً، إذ سنعْمَد إلى التخيُّر ما أمكن مِمَّا أتاحَتْه من صوَر تأسيسيَّة، وأشكالٍ نظريَّة، مستندين في ذلك إلى موقف " هاتزفيلد - Hatzfeld Helmut " الرامي إلى عدم وجود " اتجاهات متخالفة في علم الأسلوب [...] بل لا بد من إدماجها وتكاملها في اتجاه واحد ".5

2- مفاهيمُ أسلوبيَّةٌ في بؤرة التلاقي

2-1- العَيْنيَّة والانفراد.. في سبيل التجريد

ترتبط الأسلوبيَّة – لا ريبَ – بالجانب التَحْيٍينِيِّ للخطاب الأدبِيّ. وهل بوسعنا أن نتحسَّس أسلوباً لم يتجسَّد بعْدُ في قصيدةٍ، أو روايةٍ، أو في أيِّ جنس أدبِيٍّ- فنّيٍّ محدَّد؟ كلاَّ. " إذ لا يمكن أن تتصل [الأسلوبيَّة] إلاَّ بالجدول الثاني من الظاهرة وهو الحيِّز العمليُّ المحسوس المسمَّى: عبارةً أو خطاباً أو نصاً أو رسالةً أو طاقةً بالفعل ".6

ولئن كانت أصعدة التحْيِين، والإنجاز في الخطاب الأدبِيِّ متمايزةً، إذ منها المعجميُّ، والنحويُّ، والدلاليُّ.. ونحوها، اختصَّت الأسلوبيَّة، عندئذٍ، بمكاشفة صعيد " الأسلوب " وحسْب؛ ذاك الذي يمثِّل بؤرة انشغالِها، بل ويُحتِّم عليها ألاَّ تكون إلاَّ اقتراباً عينيّاً وفردياً في أعمال أدبية مكتملة الإنجاز. يرجع ذلك إلى كون " كلمة أسلوب تشمل كلَّ عنصر خلاَّق في اللغة ينتمي إلى الفرد ".7

وما العبارة الشهيرة لصاحبها بيفون " Buffon ": " أسلوبُ الرجل هو الرجل نفسه " إلاَّ دليل على انفراديَّة ظاهرة الأسلوب، وبالتالي، كشَّافِها الأسلوبيَّة؛ إذ هي تعْنِي – فيما تعْنيه – أنَّ ثمَّة فِي الأثر الأدبيِّ ختماً شخصياً لا يقبل التزوير، وميزةً فرديةً لا تتكرَّر، لصيقةً بصاحب الأثر.8

فلئن كان الأسلوب يتجلَّى حسِّياً، فإنَّ الأسلوبيِّين، أولئك الذين يسْعَون حثيثاً إلى رصد البؤر الأسلوبيَّة المُضمَّنة في العمل الأدبِيّ، لن يتأتَّى لهم ذلك إلاّ من خلال التصادم الفعليِّ معه تصادماً تحليلياً تأويلياً.

هنا، يحقُّ لنا عدُّ الأسلوبيَّة رديفَ الشِّعريَّة من حيث عيْنيَّة التحليل، ومن حيث التعاطي التأويليُّ مع النصوص المُحقَّقَة؛ إذ يَعدُّ تزيفيتان تودوروف (Tzvetan Todorov) التعامل العيْنِيَّ مع الأثر المُحَيَّن فعلاً تأويليّاً يمثِّل النَّمط الأوَّل لمفهوم الشِّعريَّة، الذي هو بِمثابة الوعاء الحاوي للمعرفة المرتبطة بالأسس، والقواعد الإبداعية الآيلة، فضلاً عن التحليل المباشر للأثر، إلى رؤيا فكرية مؤطَّرة علماً ومنهجاً، هي ما يحقِّق النَّمط الثاني للشِّعريَّة الذي يتوسَّم في كلَّ نصٍّ معيَّن تجلِّياً لبِنْية مجرَّدة.9

وما يكرِّس لعيْنيَّة الطرح، أيضاً، في المقاربة الشِّعريَّة وصْفُ أومبيرتو إيكو (Umberto Eco) لمصطلح الشِّعريَّة بأنَّه: " ليس نظاماً من القواعد الصَّارمة، والمطْلقة، ولكنَّه المشروع العمَليُّ الذي يقترحه الفنَّانُ على نفسه في كلِّ مرَّة ".10

لكنَّ السؤال الجدير بالمُباحثة؛ هل التصادم الكشْفيُّ التأويليُّ بالأثر الأدبِيِّ جسْرٌ يعْبُرُه الأسلوبِيُّ نحو ضفَّة التجريد، والمفْهَمة، أم هو خطوةٌ نِهائيَّةٌ ليس إلاَّ؟.

لا غرْو، تَهْفو الأسلوبيَّة، هَفْوَ الشِّعريَّة، إلى مُدارسة الخطاب الأدبِيِّ في جوانبه الشكليَّة البنيويَّة دونما اهتمام رسميّ بجوانبه الإيديولوجيَّة الموضوعاتيَّة،11 وهي، من ثمَّ، تحاول أن تختصَّ بمُعايرة التراكيب اللُّغوية الخاصَّة بالأدبيَّة شرْطَ أن تكون محقَّقةً في خطاب محدد.12 فالأسلوبية – إذن – هي الاشتغال الكيفيُّ على عمل أدبِيٍّ منفرد. كيف لا، وقد سلَّمنا أعلاه بأنَّ الأسلوب، الذي يُمثِّل المادَّة المركزية لاشتغالِها، لا يتحدد – هو الآخر- إلاَّ بوصفه " كيفية الكتابة المتميّزة لمؤلف معيَّن ".13

بناءً على ذلك، سيجد الأسلوبِيُّ نفسَه في مثابة قنَّاص أساليب لامنتهية، تختلف، حتماً، من نصٍّ لآخر، ومن ناصٍّ لآخر. لهذه العلَّة، ظلَّت الأسلوبيَّة تصِرُّ " على أنَّ لكلّ نصّ أدبيّ خصائصَه ومظاهرَه الجمالية التي تحدد أدبيَّته والتي ينبغي أن تعايَنَ باستقلال عن النصوص الأخرى ".14 بيد أنَّ هذا الإصرار، من قِبَل الأسلوبيَّة، على تقفِّي أثر الأساليب من كيان نصِّيٍّ لآخر، سيحُول – والحالَ هذه – دون تمكُّنها من التقعُّد، والتأسُّس، إذ يستحيل أن يتحكَّم منطقٌ استقصائيٌّ واحدٌ فِي استشفاف خواص أسلوبيَّة مختلفة المنشأ.

أليست الأسلوبيَّة، بهذا المنطق، عاجزةً عن تجريد نظامٍ تقعيديٍّ ثابتٍ تُدارَسُ، بموجبه، جميعُ الخطابات مهما اختلفت أنماطها، وآليات انْبِنائها؟. ألا يعنِي ذلك انتقاصاً من شأنِها العلميِّ، والإجرائيّ؟.

الحقَّ إنَّ ذلك هو مفْصل الافتراق بين خطَّيِّ الأسلوبيَّة، والشِّعريَّة؛ فبَيْنما تظلُّ الأولى مشدودةً إلى وتِد النماذج المجسَّدة، تنصرف الثانية إلى البحث في البنيات المشتركة بين مختلف النصوص الإبداعية،15 مِمَّا يؤهِّلها لأن تُعتَمَد في مكاشفة أيِّ إنتاج نصِّيٍّ- خطابِي. وإذن، إذا كانت الأسلوبيَّة في هذا المستوى من الخصوصية، والفردانية، فإنَّنا نجد الدَّارس " الشِّعْرِيَّاتِيَّ " في غنىً عنها وهو يتطلَّع إلى مقاربة نصٍّ ما، عدا أن يستأنس بطابعها النَّسقيِّ، وحُدوسِها التأويلية متلافياً أن يكون النَّصُّ المنفرد الذي بين يديه غايةَ المقاربة. وكأنَّ الدَّرْس الشِّعرياتِيَّ لا يسْتسيغ الأسلوبيَّة إلاَّ جزئيّاً، أو نسبيّاً حين يُسلِّم بأنَّ " الأسلوب هو الغلاف اللغويُّ لشِعْريَّة الآثار الأدبية ".16

بيْد أنَّه ليس من الحكمة في شيء أن تبقى الأسلوبيَّة بلا سنَدٍ نظريٍّ يؤمِّن مسارَها الإجرائيَّ، ويُعلْمِنُ أدواتِها التحليلية. فلطالما اشرأبَّتْ – من خلال محاولات أسلوبيِّين كثُرٍ على اختلاف اتجاهاتهم – إلى مفهمة التفكير الأسلوبيِّ بما يؤهِّلها لأن تكون علماً تحليلياً تجريدياً يصبو إلى ملامسة الموضوعيَّة في حقل إنسانِي.17 فها هنا، يتجدَّد أمر التلابُس بينها، وبين الشِّعريَّة؛ إذ كلاهما يجاهد وكْدَه فِي سبيل تمثُّل بِنْية مجرَّدة، وجاهزة، وظيفتُها أن تتحمَّل عبء اختزال منظومةٍ من المفاهيم، والإجراءات.. التي في وسْعها توصيفُ العمل الأدبِيِّ قبل نُجوزه.18

إنَّه الأمر الذي يمكِّن حقّاً من كشْف الغطاء عن ذلك التساوق الحاصل بين مشروعيِّ الشِّعْريَّة، والأسلوبيَّة من حيث كونُ كليهما يعرف مراوحةً بين نزعة التنظير، ولَهْفة التحليل العَيْنِيّ،19 إذِ الأسلوبيَّة هي، أيضاً، ذاتُ اشتغالٍ نظريٍّ في حال تبنِّيها مشروعَ التأسيس لعلْم الأسلوب، وذاتُ اشتغالٍ تجريبِيٍّ في حال أن تصرَّفت بوصفها فرعاً لسانياتياً لا يحتاج سوى إلى منهج واضح.20

وقد انجرَّ عن ذلك أيضاً أن اكتسبتِ الأسلوبيَّةُ – على غرار الشعريَّة (الأدبيَّة)21 - مشروعيَّة هجران حاضنة الأدب، والبلاغة، فأضحت " تُعرَفُ [..] بأنها الدراسة العلمية للأسلوب أيَّ أسلوب كان، لا الأسلوب الأدبي وحده ".22 ومن ثمَّة، التفتتْ، بالمدارسة والتحليل، إلى كلِّ الإنتاجات اللُّغوية البشرية، حتى وإن لَمْ تكن أدبيَّةَ الأصل، مِمَّا منحها أحقيَّة تقصِّي كلِّ الصياغات الهادفة إلى غاية تعبيريَّة معيَّنة، ليصبح – إذ ذاك – بمقدورها أن تضمَّ أكثر من الأدب، والبلاغة في دائرة الاشتغال.23

هكذا انشطرتِ الأسلوبيَّة – على نَحْو الشِّعريَّة ***- شطرين اثنيْن؛ أسلوبيَّةٌ خاصَّةٌ (تختصُّ بالأسلوب الأدبِيّ)، وأخرى عامَّةٌ (تختصُّ بالأسلوب في جميع اللُّغات دون تَحْيِين)،24 إذ تَكْلَف الأولى بتحليلٍ عيْنِيٍّ لمستويات التَمَظْهُر الأسلوبِيِّ في العمل الأدبيِّ الماثل نَمطاً وجنسا، بينما تكَْلف الثانيةُ بالتقعيد المفهوميِّ لبِنْيةٍ مُتعاليةٍ من الأسس، والمصادرات.. يُستَندُ إليها في مقاربة الأسلوب مهما يكن الوسط التعبيريُّ الذي يُحيِّنه. ولا يَحُول التفريق بين هاتين الأسلوبيَّتيْن؛ العامَّة، والخاصَّة دون أن تستمدَّ الواحدةُ من الأخرى مسوِّغاتِ وجودها، وإمكاناتِ تفعيلها.

 

2-2- الاشتغالُ السِّيميائيُّ وديناميَّة البِنْية

فِي خضمِّ ما سبق، يتَّضح أن ليس بوسع مشْغل الأسلوبيَّة إلاَّ أن يكون سيميائيّاً. ذلك فحواه أنَّ أفق المدارسة الأسلوبيَّة – في جميع اتجاهاتها – يجتاز الشرطية اللسانية في قيام الخطاب الأدبِيِّ- الفنِّيِّ، متطلِّعاً إلى حيث يعتمل النشاط الدلاليُّ، ويقْبع الإيحاء.25 مردُّ ذلك إلى أنَّ الأسلوب عينه حدثٌ فوق- لسانيّ؛ إذِ إنَّ الهيكل الذاتيَّ لأيِّ إنتاج خطابِيٍّ – حتى وإن قُدَّ من نسيجٍ لسانيٍّ بَحْت –لا يمثِّل سوى الدرجة الأولى، أو السَّندِ القاعديِّ الحرْفِيِّ الذي يرتكز علية بروزُ الأسلوب، فيما تمثِّل الكيفية التي بِها يتمُّ التوليف بين عناصر ذلك الهيكل درجةً ثانيةً،26 أو مستوى عرضياً تضمينياً.

فالبقَع الأسلوبيَّة، في نصٍّ ما، إنَّما هي تشكُّلاتٌ لغويَّةٌ علامِيَّةٌ تنتظر القراءة، والتأويل، وكأنَّ الأسلوب لغةٌ طارئةٌ تحتلُّ لغةً ناشئة، إنَّه – ولا ضير-" نظام علاميٌّ في صلب نظام علاميّ آخر"،27 فلا يسَع الأسلوبيةَّ، لسَبْر هذا النظام، إلاَّ أن تجعل من الدلالة الإيحائية (La connotation) محورَ اشتغالِها،28 ولا يسَعها، من ثمة، إلاَّ أن تنافس السِّيميائيَّة، بمختلف تفرُّعاتها، إجراءً، وطموحا!

من هذا المنظور، لا يمكن أن ننكر أنَّ المَواطن التي تفرزُ الأسلوب في خطابٍ ما مواطنُ نسَقيَّة. إذ بوسعنا عدُّ البؤر النسقيَّة التي تمثِّل أجلى منابع الشِّعريَّة شبيهةً ببؤر الأسلوب التي هي محلُّ الدراسة الأسلوبيَّة. فالبروز الأسلوبيُّ الذي استوقف ريفاتير مايكل (Michael Riffatérre)، إنَّما هو، فِي حقيقته، بروزٌ نسقيٌّ مُلفت، وإلاَّ فما يجذبنا إلى المُنتَج الخطابيِّ لولا تلك التوليفات البنيوية الرافضة لأن تكون مَحْضَ مسارات شفَّافة نقَّالة للمعلومة؟.

وإنه ليجب – علاوةً على ذلك - أن يكون هذا البروز الأسلوبيُّ النسقيُّ، فضلاً عن جاذبيَّته، منفتحاً على تأويلات القارئ انفتاحاً " استفزازياً "، بحيث يكون إهمالُها ضربةً قاصمةً في الكيان الإنتاجيِّ للخطاب. ذلك – إذن - ما حمَلَ ريفاتير إلى التعريف بالأسلوب على أنَّه إبرازُ بعض عناصر السلسلة الكلامية، وتوجيهُ انتباه القارئ إليها بحيث إذا غفل عنها شوَّه النص، وإذا حلَّلها اكتشف لَها دلالاتٍ تمييزيةً خاصَّة، ممَّا يسمح بتقرير أنَّ الكلام يعبِّر والأسلوب يبرز.29

فلا جرمَ، والحال هذه، أن نعدَّ الأسلوبيَّة رديف الشِّعريَّة، وشريكَها لاسيما في خصوص المصطلح؛ أي في المنحى البنيويِّ الذي تمتاز به الوظيفة الشعريَّة (La fonction poétique).30 إذ ما يسوِّغ لهذا الأمر، أنَّ من بين اتجاهات الأسلوبيَّة ثمَّة اتجاهاً اصطُلِح عليه: " الأسلوبيَّة البنيوية –La stylistique structurale " ينطلق من " دراسة الظاهرة الأدبية ووقائعها الأسلوبية في النص ذاته "،31 على أنَّها وقائعُ حمَّالةُ أوجهٍ، وقراءات، وتمتلك القدرة على قنْص تأويلات القارئ، واستثارة ردود أفعاله. فحوى ذلك أنَّ البنية الأسلوبيَّة بنيةٌ ديناميَّةٌ هي الأخرى، تقتضي وجود تجاذبٍ إيجابِيٍّ إنتاجيٍّ بين قطْبٍ نسقيٍّ يحتضن الوقائع الأسلوبيَّة، وقطْبٍ خارج- نسقيّ تُمثِّله كينونةُ المتلقِّي بكلِّ ما تحمله من فاعليات ثقافية، واجتماعية، ونفسية، ووجودية...

فصحيحٌ أنَّ " الأسلوب هو النص في ذاته "،32 ولكن بشرط أن يحمل في ثناياه قابلية استشفافه من قِبَل مُتلقٍّ يوجد خارج النصّ، أي – بمنطق معكوس– إنَّ البؤر الأسلوبيَّة لَهي عبارة عن ردود أفعال المتلقِّي منثورةً – نثراً غير أخرق 33- داخل بِنْية النصِّ بحيث يتوجَّب على الأسلوبِيِّ سَبْرُها، ورصدُها.34

وفضلاً عن ديناميَّة الأسلوب، فإنه يتعيَّن عليه أن ينتظم وفْق استراتيجية التفاعل بين طاقتَيِّ التوصيل الإخباري، والتنسيق التضميني،35 مِمَّا يُلزم الأسلوبِيَّ البنيويَّ تتبُّعَ مناحي التوالِج بين النسق، والمرجع في بِنْية الخطاب الأدبِيّ؛ فلا يرتكض خلْف تثبيت المساحات النسَقيَّة وحْدها فيه، فيسقط فِي أغلوطة النسق المغْلَق، ولا هو ينحصرُ في رصْد فُسَح الواقع المبثوثةِ فيه بحثاً عن مدى دقَّته في محاكاة العالَم الخارجيّ، فينسى شرطيَّة التخييل في قيام الأدب، والإبداع.36 إنَّما ينصبُّ اهتمام الأسلوبيَّة البنيوية على استكشاف " الهوية العلائقية ! التي تتحدَّد معها الوحدات بوظيفتها داخل العلاقات الآتية للبنية ".37 وما التعالق بين النسَق، وبين المرْجِع (Le référent) داخل بنْية الأثر إلاَّ وجْهٌ من أوجه بلاغته، وعلَّةٌ من علل رُشْحان شِعريَّته، لذا، لا يضير أن تكون العلائقيَّة بهذا المفهوم إحدى نقط التلاقي بين الشِّعريَّة، والأسلوبيَّة وفِي اتجاه يُصعِّب من مهمَّة المنظِّر للتقعيد لهما تقعيداً مغلقاً، وثابتا.

لعلَّه الأمر الذي يُحيلنا إلى أسلوبيَّة شارل بالي (Charles Bally) التي ما برحتْ تعتقد في الأسلوب استعمالاً تفاعلياً كيماوياً لعناصر اللغة المعزولة، ما يستدعي الاعترافَ بأبديَّة سؤال الأسلوبِيّ، واعْتِيَاص الأسلوب على التحديد لكونه امتزاجاً بين إدراكيَّة الإبلاغ، وميوعة التأثير والإيحاء.38

 

2-3- أسلوبيَّة الفُضْلة والتنْسيق والانتقاء

كذلك تلتقي الأسلوبيَّة – فيما نرى - مع مفهوم " الفُضْلة النصِّية "؛ إنَّه اصطلاحُنا الشخصيُّ الذي استخلصناه من نظريَّة جوليا كريستيفا (Julia Kristeva) حيال قضايا الشِّعريَّة؛ حيث تقول: " إنّ الأمر يختلف في اللغة الشعرية، إذ هنا تكون الوحدات غير قابلة للتكرار، أو بصيغة أخرى، لا تظلّ الوحدة المكررة هي هي [...] إلاّ أنها أثر معنى شعريّ خالص يتمثل في أننا نقرأ في المقطع (المكرّر) المقطعَ نفسه وشيئاً آخر [...] هي آثار الإيحاء التي تحدّث عنها يامسليف ".39

فشَعْرَنَةُ النصِّ، أيِّ نصٍّ، ومن أيِّ نمط، طالما تقتضي أن يتمدَّد التعبير على صُعُدٍ بنيويَّةٍ مختلفة منه، وتُجْبِر النَّاصَّ على الاستفاضة في سبْك دُخَيْلائه، وتكرار مقاطعه، أو بعضٍ من وحداته التأليفيَّة، ولا يُعدُّ ذلك تكراراً مَجَّانيّاً إذا ما كان خطابُ التعبير منسجماً، وجميلا.

يتَّضح أنَّ الامتداد التعبيريَّ الذي يطال بِنْية الخطاب، لَهو فائضٌ نصِّيٌّ مباحٌ بقدْر ما يَجْلب للخطاب عيْنِه قدرةً على التنسيق، وإنتاج الإيحاء، لَهو نوع من الإطناب المشروع، والمُسَوَّغ لِمجرَّد كونه إطناباً " نسَقيّاً " يسْنح بإدخال ما يفيد، وما لا يفيد من العناصر، والمكوِّنات إلى المجال التعبيريِّ للنَّصّ، الأمر الذي يترتَّب عنه أن يتكرَّر العنصرُ بِنْيةً، لا وظيفةً، وشكلاً، لا محتوىً، ودالاًّ، لا مدلولا.

هذا المفهوم هو ما نلْفِي له ما يُقارِفه من المفاهيم في حقل الأسلوبيَّة بوجهٍ عام، وهو ما نستشفُّه ماثلاً في ثنايا أسلوبيَّة ليو سبيتزر (Léo Spitzer) النفسيةِ البنيوية بوجهٍ خاص؛ إذ من بين ما تعتقده، وتفترضه أنَّ " على دارس الأسلوب أن يراعيَ في درسه ما يتسم به الخطاب الأدبي من عوامل تبدو أنها تافهة [...] فلا يحق لدارس الأسلوب أن يهمل أيَّ عنصر من عناصر النص الأدبي وإن كان يبدو ميتاً ولا فعالية له في النص، فبالعنصر الميت يستمدُّ العنصر الحي وجوده وشكله ".40

الحال إنَّ مناطق التَأَسْلُب في جسْم الخطاب قد تكون بمثابة خلايا ميِّتة على ألاَّ تكون قابلة للسُّقوط، لأنَّ بِموتِها – المتواجد – تتعزَّز أسلوبيَّة الخطاب ذاته. بِمعنى أنَّها بِموتِها الفعَّال تُلْفِت انتباهَنا، وتكون، من ثمَّ، عاملاً في بروز الأسلوب، وتجسُّمِه، فنستطيع القول، عنها، إنَّما هي أنسجةٌ نسقيَّةٌ شِعريَّةٌ لا تملك إلاَّها، ولو لم تكن كذلك، لعَنَتْ شيئاً، وأحالت إلى معنىً يتجاوزها، أو لَما كانت مميَّزةً بِموتِها، وباعثاً من بواعث الأسلوب في بِنْية الخطاب!

لابدَّ – إذن - منِ انخراط الفائض النصِّيِّ في مساحة الأصل النصِّيّ. نفهم من ذلك أنَّ الزوائد النصِّية ليست سوى ضرْبٍ من التنسيق يُمارسه الناصُّ بحذر سيميائيٍّ تداوليٍّ جماليّ.. مِمَّا يجعلها نشاطاً انتقائيّاً استبداليّاً مستحضَراً عبر محور التنسيق (L’axe de combinaison). فالتناغم بين المحورين: الرُّكنيِّ، والاستبداليِّ (L’axe de sélection)41 هو، أيضاً، مَصْنع من مصانع إنتاجية الأسلوب.42 معناه أنَّ " الأسلوب يولد [..] نتيجة لانتقاء المؤلف من بين إمكانات اللغة الاختيارية التي تقوم بينها علاقة التبادل "،43 شريطة أن يكون نشاطُ الانتقاء المسلَّطُ على ما توفِّره اللُّغةُ من سَعة، وطاقات، نشاطاً واعياً، وقصديّاً، وموحياً، إذ ليس كل صياغة منتقاة تنتج أسلوباً،44 وتخلِّف تبْئيراً لامَرْجعيّاً؛ أي بنائياً، وإيحائياً في نسيج الخطاب.

ولَمَّا كان الأسلوب مرتبطاً بوعي الناصّ، لم يكُ هناك ما يَمْنعنا من عدِّه ظاهرةً غيابيةً تحُيِّنها حضوريَّةُ النصّ؛ " معنى هذا أنَّ الأسلوب معان مرتبة قبل أن يكون ألفاظاً منسقة وهو يتكوَّن في العقل قبل أن يجري به اللسان ويجري به القلم".45

لعلَّ ذلك، إذن، أن يستجيب لمبدأ التفاعل بين الحضور/ الوجود، وبين اللاحضور/ اللاوجود بوصفه مُحرِّضاً على إنتاجية السَّبْك الشِّعرياتيِّ للخطاب. حيث لَمْ تتورَّع ج. كريستيفا عن ربْط شِعريَّة النصِّ بفاعليَّة الجمع بين الحضور، والغياب، أي؛ بين النسق، والمرجِع داخل بِنْيةٍ لغويَّةٍ واحدة؛ فارتأتْ أنَّ الخطاب الموصوف بالشِّعرية خطابٌ إحاليُّ، ولاإحاليُّ في آن، يتفاعل داخل بِنْيته الحضورُ بالغياب، والتنسيقُ بالاستبدال، إذ ينهض على " حركة تجمع، بتتابع، بين الإيجاب والسلب، بين ما يوجد بالنسبة للكلام وما لا يوجد بالنسبة له ".46

إنَّه خطاب جَمْعانِيٌّ على عكس الخطاب المنطقيِّ الذي إمَّا أن يكون حضوريّاً، أو غيابيّاً، فلا يقْبل الاشتغال إلاَّ بإلغاء قطْبٍ من طرفِيِّ المعادلة تلك، ولا يُتَلقَّى إلى بِمنطق الصدق، والكذب فِي علاقته مع خارجه، إذ يقتضي " أن يكون الكلام صحيحاً أو خاطئاً [..] مؤتلفاً أو مختلفاً، موجوداً أو غير موجود، لكن لن يكون أبداً الاثنين معاً ".47 هكذا، إنَّ خطاب الشِّعرية " يتحدى التفرقة بين الواقع والخيال، التفرقة بين ما يوجد وما لا يوجد. ويمكن القول فوق هذا إنه بفضل الأدب والفن أصبح من المستحيل تأكيد هذا التمييز ".48

وهلِ الفُضْلة النصِّيَّة، داخل بنْية الخطاب، إلاَّ محاولة أسلوبيَّة من محاولات الجمع بين الحاضر، وبين الغائب في كنفٍ لغويٍّ واحد.

علاوةً على ما سبق، يَجْمُل بنا، في ختام هذه المقالة، أن نُحيل القارئ إلى مفاهيمَ أسلوبيَّةٍ، إجرائيَّةِ الاشتغال، تشِي ببؤرٍ منهجيَّة أخرى تتماهى فيها الأسلوبيَّةُ بالشِّعرية.

نذكر، في هذا المقام، سمة التكرار (La répétition) التي تُسْهِم في بروز عنصر على آخر، فتَصعَد به إلى واجهة الخطاب، مِمَّا يكْسِبه قوَّة الإحالة إلى الذات، فيدخلَه، من ثمَّة، حيِّزَ النسقيَّة، ومدارَ الوظيفة الشعريَّة الجماليَّة. فالتكرار – من هذا المنطلق - " هو الوسيلة الوحيدة التي تسمح بالتعرُّف على عمل عنصر ما في البنية النصية، وذلك باكتشاف وجوده وتحديد هويته وتقييم مدى دلالته ".49 إنَّه، في حقيقتِه، توزُّعٌ لَمَّاحٌ ملْفتٌ لمساحات لغويَّةٍ توليفيَّةٍ على صعيد النسق الخطابِي، تُشْعِر المتلقِّي بأنهَّا تمثِّل فِي ذاتِها منابتَ الأسلوب، ومنابعَ الشِّعرية.

ويزداد الدَّارس تَمثُّلاً لهذه الحقيقة إذا استجار بمفهوم " الوسْم - Le marquage " الذي يُناط باكتشاف السِّمات المُحقِّقة للوظيفة الشِّعرية، فيكونَ محلَّ الشُّعور بانتشارٍ خطابِيٍّ لجماليةٍ يصْنَعها الاشتغال اللُّغويُّ لا غير.50

أمَّا مفهوم " التحديد الزائد - La surdétermination "، فلسْنا نرى فيه غيرَ انعكاسٍ لمفهوم "الوظيفة الطاغية - La fonction dominante "لِمُنتِجه ر. جاكوبسون؛ إنَّه مفهوم منوط بوصْف النصِّ أكثر من وصْف الخطاب الأدبِيّ، حيث يُقال عن النصِّ الذي تحقَّق فيه إنَّه نصٌّ محدَّد تحديداً زائداً.51

ففي هذا الضوء، ألا يَحقُّ لنا، بعْدُ، أن نَحْكُم على الشِّعرية بأنَّها " الأسلوبيَّة " فِي حلَّة قشيبة؟!.

 

* خلاصة

تلك محاولة منَّا في استجلاء شُبْهة التداخل بين الأسلوبيَّة، والشِّعرية، وقياسِ المسافة المفهوميَّة الحقيقيَّة التي تفصل بينهما. الأمر الذي آبَ بنا إلى إخضاع الأسلوبيَّة لمقاربة شِعريَّة منتَخَبَةِ المفاهيم، كان الغرَضُ منها التأكيدُ على شِعريَّة الدَّرس الأسلوبِيِّ في مستويات عدَّة. ونومئ، هاهنا، إلى أنَّ القارئ قد يسْتشِفُّ مقاربةً معكوسةً أضْمَرَها نسيجُ التحليل في هذه المقالة، ليحقَّ له، عندئذٍ، أن يقْلِب عنوانه الفرعيَّ أعلاه، فيغدو: " اقترابٌ أسلوبيٌّ في مقولة الشِّعريَّة "!.

فضلاً عن ذلك، نَحْسَب أنَّه بات من حقِّنا، نحن أيضاً، أن نبذل صورةً منهجيَّةً، ومفهوميَّةً بديلةً لهذين المصطلحيْن؛ الأسلوبيَّة، والشِّعريَّة، فنقول:

الأسلوبيَّة شعريَّةٌ مُحيَّنةٌ. إنَّ اقترابَها الغائيَّ من النصوص، واختصاصَها في مُدارسة المَواطن النسقيَّة منها هو ما يُمثِّل أصلَ تَوَشُّحها بالشِّعرية، على أن يرتبط اقترابُها النسقيُّ ذاك بِمُنْجَز النصِّ، أي بِحضوره العَيْنِيِّ لكونه الوسيلة الوحيدة التي يمكن بوساطتها الكشْفُ عن أسلوب النَّاص. فخيط الربط إذن، بين الأسلوبيَّة، وبين الشِّعرية خيطٌ بنيويٌّ بامتياز، والأدهى أن يشتدَّ هذا الخيط إلى حدِّ اعْتِياص التمييز بينهما، عندما نتذكَّر فرع " الأسلوبيَّة العامة " الذي يسْنح بِمُدارسة جميع اللُّغات دونما تَحْيِين، ودونما قصور على جنس الأدب، وما جاوره.

الشِّعرية أسلوبيَّةٌ مؤقَّتةٌ، ودراسةٌ مضْمَرةٌ في الأسلوب. لأنَّ لَها من وعي النمذجة، وسُلْطة التحليل ما يؤهِّلها لمكاشفة الأسلوب من حيث هو ظاهرة نسقيَّةُ التكوين، عيْنيَّةُ الاعتمال، فردانيَّةُ النُزوع، وبشرط أن يتمَّ لَها ذلك في مرحلة الاشتغال العَيْنِيِّ، والمباشر على النَّصّ. بينما في مرحلة التجريد التعميميِّ، والتصنيف التقْنِينِيِّ، فيظلُّ خطابُ الشِّعرية أشملَ من أفق الأسلوبيَّة، ومُتَصوَّراتِها.

 

د. بن جيلالي محمَّد عدلان

..........................

* هوامِشُ المقالة:

1 ينظر: عبد السلام المسدِّي، الأسلوبية والأسلوب، الصفاة، الكويت، دار سعاد الصباح، ط: 4، 1993، ص، ص: 46، و47، و96.

2 ينظر: نور الدِّين السَّد، الأسلوبية وتحليل الخطاب، دراسة في النقد العربي الحديث (الأسلوبية والأسلوب)، ج1، بوزريعة، الجزائر، دار هومة للنشر والتوزيع، دط، دت، ص: 15.

3 صلاح فضل، علم الأسلوب، مبادئه وإجراءاته، المملكة العربية السعودية، النادي الأدبي الثقافي بجدة، الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة، 02، أبريل، 1988، ص: 154.

* إننا لنؤثر اعتماد المصطلح " أسلوبية " ترجمةً للمصطلح الفرنسيِّ " Stylistique" على اعتماد نظيره " أسلوبيات " ترجمةً للمصطلح الإنجليزي " Stylistics"، مقترحةً من لدن سعد مصلوح على نهج سيميائيات، تداوليات، ونحوهما.. (ينظر: سعد مصلوح، مشكل العلاقة بين البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية، جدة، السعودية، كتاب النادي الأدبي الثقافي، ع: 59، 1990، ص، ص: 821، 868). ونحن، إذ نفعل ذلك، إنَّما حرْصاً منَّا على التمييز بين الأسلوبيات بوصفها علماً، ومصطلحاً، وبين الأسلوبيات بوصفها جمعاً، وعدداً كما ورد في سياق المتن أعلاه.

** للاطلاع على أبرز اتجاهات الأسلوبيَّة في صورة تصنيفية واضحة، ينظر: نور الدين السَّد، م س.

4 المرجع نفسه، ص: 42.

5 صلاح فضل، علم الأسلوب، مبادئه وإجراءاته، ص: 165.

6 عبد السلام المسدِّي، م س، ص: 39.

7 نور الدين السَّد، م س، ص: 36.

8 Cf, Oswald Ducroit, Tzvetan Todorove, Dictionnaire Encyclopédique des sciences du langage, Ed du seuil, 1972, P: 101.

9 ينظر: طودوروف تزفيطان، الشعرية، تر: شكري المبخوث و رجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، ط1، 1987، ص، ص: 20، 22.

10 Eco Umberto, L’œuvre ouverte, Traduit de l’italien par Chantal Roux de Bézieux avec le concours d’André Boucourechliev, Ed : Seuil, 1965, P : 10.

11 ينظر: جورج مولينيه، الأسلوبية، تر: بسام بركة، بيروت، لبنان، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1999، ص: 163.

12 ينظر: المرجع نفسه، ص: 22.

13 صلاح فضل، م س، ص: 116.

14 محمد القاسمي، الشعرية اللسانية والشعرية الأسلوبية، مجلَّة فكر ونقد، الموقع الإلكتروني؛ http aljabriabed. Com، ع: 22، تاريخ التحديث: 22- 11 – 2006.

15 ينظر: المرجع نفسه.

16 Desson Gerard, Introduction à la poétique, Approche des théories de la littérature, Paris, Ed nathan /VUEF, 2001, P : 09.

17 ينظر: عبد السلام. المسدِّي، م س، ص: 37.

18حيث " إنَّ المنهج الأسلوبيَّ لا يمكن أن يكون إلاَّ قبلياً بمعنى أنه لابدَّ من وضوح أدواته الإجرائية وتحديد مفاهيمه تحديداً علمياً دقيقاً، وذلك يكون قبل الشروع في تحليل الخطاب الأدبي "، نور الدين السد، م س، ص: 137.

19 فعلى صعيد الشَّعْريَّة، نستشفُّ فحوى المزاوجة بين عينيَّة التحليل المنصبِّ على الأثر المنعزل، وبين ما يتمخَّض عنه من تجريد نظريٍّ في قول تودوروف بأنَّ الشعريَّة " مقاربة للأدب " مجردة " و" باطنية " في الآن نفسه "؛ تزيفيطان طودوروف، الشعرية، م س، ص: 23. ويحذو جرار ديسون (Gerard Desson) حذو تودوروف فيرى بأنَّه " لا يوجد، في الواقع، تعارضٌ نظريٌّ حقيقيٌّ بين وجهتيِّ النظر؛ العامة [التنظير]، والخاصَّة [التحليل] للشعريَّة. بل ومن الأجدى القول إنَّ هذين المنظورين لا ينبغي لهما أن يتعارضا من حيث كون الدراسة الشعريَّة منوطةً بالدراسة المتاحة من قبل الشِّعريات الخاصة، على نحو حركيٍّ جدليّ "؛ Desson Gerard, Op.cit, P: 08.

20 Cf, Ibid, P : 09.

21 " ذلك أن بعض الخصائص التي تميز الأدب توجد أيضاً في الخطاب غير الأدبي وخاصة في الخطاب الإشهاري والشعارات السياسية والحديث اليومي...الخ "؛ محمد القاسمي، الشعرية الموضوعية والنقد الأدبي، مجلة فكر ونقد، الموقع الالكترونيhttp: aljabriabed.com، ع: 22، تاريخ التحديث: 18-11– 2006. وفي رأينا، يمكن أن نستشفَّ أكبر مُسلَّمة عن معقولية قيام الدَّرس الشِّعرياتيِّ (الأدبيِّ) على خطابات خارج التصنيف الأدبيِّ من قول جاكوبسون: " ليس موضوع العلم الأدبيِّ هو الأدب، وإنَّما الأدبيَّة؛ أي ما يجعل من عمل ما عملاً أدبياً "؛ Jakobson, Roman, Questions de poétique, Paris, Ed Seuil, 1973, p : 15، ما يوحي بأنَّ الأدبيَّة كينونة مفهوميَّة تسْتميز بالتجريد الذي يُخوِّل لها التملُّص من سلطة الأدب رغم أصليَّة انتمائها إليه.

22 نور الدين السَّد، م. س، ص: 15.

23 ينظر: م. ن، ص: 23.

*** لإدراك مسافة الفرق – نظريّاً بخاصَّةٍ – بين الشعريَّة العامة (Poétique générale)، وبين الشعريَّة الخاصَّة (Poétique particulière)، ينظر:Cohen John, Structure du langage poétique, Flammarion, collection particulière, «champ» 1987, p : 8.، وأيضاً:Desson J, Op. cit, P : 6 .

24 ينظر: نور الدين السَّد، م. س، ص: 39.

25 ينظر: مولينيه جورج، م. س، ص: 26، ونور الدين السَّد، م. س، ص: 18.

26 ينظر: عبد السلام المسدِّي، م. س، ص: 77.

27 نفسه.

28 ينظر: مولينيه ج، م. س، ص، ص: 12، 13.

29 Cf, Michael Riffatérre, Essais de stylistique structurale, Paris; Ed ; Flammarion, 1971, P : 31.

30 يحدِّد جاكوبسون مفهوم الوظيفة الشعريَّة فيقول: " إنَّ هدف الرِّسالة بوصفها رسالة، أو إنَّ التشديد على الرِّسالة في ذاتها ولذاتها هو ما يميِّز الوظيفة الشعريَّة للغة "؛ Jakobson R, Essais de linguistique générale, Les fondations des langues, traduit et préfacé par Nicolas Ruwet, Paris, les éditions de Minuit, 1963, P : 218.

31 نور الدين السَّد، م. س، ص: 91. وهو الاتجاه الذي يمكن تسميته بـ" أسلوبيَّة الرسالة "؛ أي تلك التي تعنى بنسق الرسالة لذاته؛ ذلك لأنَّه يتساوق، إن لم نقل يتطابق، مع منطق الشعريَّة، فضلاً عن كونه قاعدة لأيِّ تقدُّم يريده الباحثون للأسلوبيَّة؛ ينظر: محمد العمري، تحليل الخطاب الشعري، البنية الصوتية في الشعر، الكثافة، الفضاء التفاعل، الدار البيضاء، المغرب، الدار العالمية للكتاب، ط1، 1990، ص، ص: 47، 49.

32 نور الدين السَّد، م. س، ص: 135.

33 ينظر: محمد الهادي الطرابلسي، بحوث في النص الأدبي، تونس، الدار العربية للكتاب، ط1، 1988، ص، ص: 24، 26.

34 ينظر: نور الدين السَّد، م. س، ص: 22.

35 ينظر: عبد السلام المسدِّي، م. س، ص: 96.

36 ينظر: نور الدين السَّد، م. س، ص: 89.

37 المرجع نفسه، ص: 90.

38 ينظر: عبد السلام المسدِّي، م. س، ص، ص: 89، و106، و36.

39 جوليا كريسطيفا، علم النص، تر: فريد الزاهي، مر: عبد الجليل ناظم، الدار البيضاء، المغرب، دار توبقال للنشر، ط:2، 1997، ص، ص: 80، 81.

40 نور الدين السَّد، م. س، ص: 74.

41 هذان مصطلحان من تأسيس فاردينان دي سوسير (Ferdinand De Saussure)؛ إذ يرتبطان أصلاً بمصطلحيِّ العلاقة التركيبيَّة (Rapport syntagmatique)، والعلاقة الترابطيَّة (Rapport associatif)؛ فتعني الأولى " كلَّ علاقة موجودة بين وحدتين أو أكثر، ومُتَمَظْهِرَةٍ فعلياً في السلسلة الكلامية "؛ Jean Dubois, et autre, Dictionnaire de linguistique, Paris, Ed ; Libraire Larousse, VI, P : 477. أمَّا الثانية فتنسحب على تلك الروابط التي تجمع بين وحدات اللغة الكامنة في الذهن، والتي لا تخضع لخاصية التوسع، أوالتَمَفْصُل، بل تدخل في تكوين الذخيرة اللغوية المدَّخرة، والتي من شأنها بناء لغة كل فرد؛ Cf, F. De Saussure, Cours de linguistique générale, Bejaia, Ed, TALANTIKIT, 2002, P : 148. وقد استثمر جاكوبسون مصطلحيَّة سوسير تلك، فتسنَّى له أن يسِم محور الركنيَّة بالتنسيق، ومحور الترابطيَّة بالانتقاءCf, Jakobson, R, Essais de linguistique générale, P : 220.

42 ينظر: نور الدين السَّد، م. س، ص: 157، إلى ص: 178.

43 صلاح فضل، علم الأسلوب، مبادئه وإجراءاته، ص: 132.

44 ينظر: عبد السلام المسدي، م. س، ص، ص: 74، 75. ونور الدين السَّد، م. س، ص: 142.

45 عبد السلام المسدي، م. س، ص: 65.

46 ج. كريسطيفا، علم النص، م. س، ص: 75.

47 المرجع نفسه، ص: 73.

48 تودوروف. ت، الأدب والفانتاستيك، تر: نعيمة بنعبد العالي، فكر ونقد، ع: 3، الموقع الالكترونيhttp: //aljabriabed.com، تاريخ التحديث: 20، 04، 2008م.

49 ج. مولينيه، الأسلوبية، م. س، ص: 13.

50 ينظر: م. ن، ص: 168.

51 ينظر: م. ن، ص: 174.

 

.......................

- قد ألْقِيَتْ هذه المقالة فِي الملتقى الدولِيِّ الأوَّل بِجامعة الشلف، الموسومِ: (الدرس الأسلوبِيُّ بين قراءة التراث، وتطبيقِ المناهج النقديَّة الحديثة). وقد تَمَّ تَحْيينُ فعالياتِه يوميْ: 16 و17 من شهْر كانون الأوَّل (ديسمبر) عام 2013م.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2867 المصادف: 2014-07-12 01:31:03