المثقف - قراءات نقدية

الشكل والمضمون في (أخبار آخر العشاق) لبرهان الخطيب

saleh alrazukيتابع برهان الخطيب في (أخبار آخر العشاق) مشروعه الذي يسميه قصص رواية، وأرى أن العراق مهد للحداثة في الشعر منذ عشرينات القرن الماضي وحاليا يمهد لنوع من الخيال الفني العابر لأصل الأنواع. وفي الذهن غير هذه الروايات مشروع صباح الأنباري في المسرح الصامت. وهو شكل متحول من البانتومايم (مسرح التمثيل بالإشارة).

عموما أعتقد إن الحساسية الشعرية التي لم تدخر وسعا للانقلاب على ماضيها قد وصلت للقصة والرواية. فقد توسع مبدأ الوحدة العضوية في الشعر ليؤثر في أشكال النثر وأساليبه، الأمر الذي سيمهد لموت الأجناس وولادة النص أو فن الكتابة.

**

في هذا السياق قدم لنا برهان الخطيب منذ سنوات طويلة (ذلك الصيف في إسكندرية)، العمل الدائري الذي يرتبط بدراما رموز البحر وورموز الداخل، وتأثير ذلك على مخيلة الشخصيات وتطورها النفسي بالعلاقة مع مفهومها الصامت والساكن غير المتحرك لجماليات المكان.

ولا ننسى هنا أيضا عمله الهام (أخبار آخر الهجرات) الذي يعتقد أنه مشابه للديكاميرون. علما أنه ليس بحاجة للمشابهة ولا التبرير. فشروط العمل الفني تنبع من داخله وليس من شرعية يستمدها من أعمال سابقة.

و بهذا الخصوص أرى أن شرعية وقانونية السياب لم تكن تأتي من امرئ القيس أو النابغة الذبياني، ولا من المتنبي، ولكن من وعيه بخطوط العزل وتبرمه منها.

إن (أخبار آخر الهجرات) عمل درامي بامتياز ويقوم على فكرة درء الخارج بالداخل، أو توطين الفكرة في شروط حضارية متحولة. فابن المشرق بجهاز مفاهيمه الأبوية التي تتعامل مع الأب بصفة أنه إله ومصدر للقوانين والشرائع اضطر للتعامل مع جهاز مفاهيم الإله - الضد (أو إله الأنا) بعد أول صدام بين شرقه وغربهم. وهنا لا بد من الانتباه لفرز الضمائر اللغوية. فهي استعادة لشعار كبلنغ المعروف الشرق شرق والغرب غرب. ولكن في عمل برهان الخطيب تجد إضافة تتلخص برؤيته لمنطق المجتمع المعاكس: مجتمع الاغتراب الألسني والنفسي بعد حذف شؤون القلب والحاجات العاطفية. فهل أرادأن يثبت لنا أن القيد البشري (الأغلال التي نحملها ونضمرها في نفوسنا) هي هي. وأن الإنسان ليس ابن بيئته ولكنه ابن لتاريخ غرائزه، وكأننا أمام إعادة كتابة لتراث فرويد إنما بشكل فني وخيالي؟!.

الجواب على هذا السؤال نجده مباشرا في (أخبار آخر العشاق).

لقد وضعتنا الرواية من أول سطر وحتى آخر كلمة في حالة شك وتلبس. وكان الحوار يدور بين الطرفين: شك منابعه من ضرورة الحياة (حيث أنها ظرف محتم). وتلبس يأتي من ما تسميه الروايات الإصلاحية بالتحول (لأنها تصور منعطفا حاسما). ويكفي أن الرواية تبدأ بمشهد يدور في البادية ويتحدث عن اعتقال نسر مريض، وتنتهي بمشهد يتناول ما يقول عنه إنه (طائر الثلج)، وهي شوارع وطبيعة بلاد الشمال الباردة التي تغطيها الثلوج.

و لا يخفى على أحد أن صورة الطير في البداية رمز للحضارات النارية. وهو دائما يشرع جناحيه للتحليق. بينما طائر الخاتمة هو بلورات الثلج الأبيض التي تطير في الفضاء وتهبط وتتراكم على الأرض. والمسافة بين الرمزين واضحة. من التمرد على المكان إلى الرغبة بالاستقرار والانطواء على الذات.

**

في هذا العمل (الذي يقترب من حدود المغامرة المحسوبة) يراهن برهان الخطيب على عناصر من الواقعية الإشتراكية وبلبوس طليعي أو ليبرالي متحرر. ولذلك إن الصراع لديه كان يدور بين العاقل وغير العاقل.. الآلة (و هي مضخة مياه) يتحدى بها الإنسان شرط البيئة، ومندوب الحكومة (الحامل مثل الآلة لمعايير تخالف الشروط والتقاليد).

و قد كان هذا الصراع هو الرابط بين فصول ومحاور الرواية. فالحبكة لم تكن تدين بشيء لتطوير محور الأحداث ولكنها تعود دائما على الرموز والأدوات.

ناهيك عن عقدة تفرعت منها التفاصيل وهي بناء الشارع الجديد. فقد تحول لحديث مسهب عن صراع الأجيال. إن هذا الشارع كما ورد في الخبر (رقم 3) رمز استعاري لأجزاء من عالمنا كانت تغط في السبات، وها هي تذوب في ضوء الشمس (أو نار الحقيقة - ص 34).

لقد لعب الشارع الجديد في هذه الرواية نفس دور العوامة في (ثرثرة فوق النيل) لنجيب محفوظ باعتبار أنها المكان الذي توحدت فيه مصائر شخصيات لهم حكايات مختلفة.

وهنا لا يفوتني أن أذكر أيضا (سداسية الأيام الستة) لإميل حبيبي. إنها تتألف من قصص عن النكسة. وهذا هو الرابط بينها. إنه موضوع النكسة بشكل عام، وليس الشخصيات ولا محور الأحداث.

و لكن أقرب مثال هو قصص (النهايات) لعبد الرحمن منيف والتي تعيد تقييم علاقة البادية بالبدو. والصحراء بالطبيعة. لقد أعاد هذا العمل بناء المخيلة الفنية لشرط الطبيعة ضد الإنسان. وإن كانت هذه الدراما، التي تخصص بها عبدالرحمن منيف، ترقى في حصيلة نهائية لتكون سجلا أو وثيقة، لم يكن بمقدورها أن تتطور فنيا ونفسيا. أما عمل برهان الخطيب فقد جاء ليكون في محصلته النهائية إعادة تركيب لوعينا الراهن بماضينا أو بمنطق البدايات.

و من الواضح أن الإتجاه والمنطق مختلف عند الكاتبين. من تركيز على النهايات عند منيف. كيف انتصر جبروت البادية وهي رمز للأصالة والأرض والإنسان المحلي على التحولات، إلى تركيز على البدايات عند الخطيب. كيف حاول الإنسان أن يربط نفسه بما يحصل خارجها، وأن يتفاهم مع عالم متحرك في ثقافة راكدة.

و هناك (في حالة برهان الخطيب) عدة لمسات واضحة وعاطفية تشير لرغبة ابن البادية بالانفصال عن واقعه (الانتقال لخارج المكان - الرحيل). وهو ما تعبر عنه الحكاية من خلال الرغبة بالسفر وعبور الحدود. ولا يخفى على أحد أن هذه الرؤية تنطبق على المضمون والأسلوب.

فالرغبة بالابتعاد عن قيود المكان توازيها رغبة بتجاوز أو تطوير الرواية المحورية لرواية متعددة المحاور والموضوعات.

و لذلك لم يكن مستغربا أن يكون شعار الرواية الأساسي تصوير شخصيات (حرة كالريح - ص 136). وتبحث عن التوازن مع مطلق عناصر الطبيعة.

و إذا كانت خاتمة (أخبار آخر الهجرات) فصلا تدور أحداثه على ألسنة الحيوانات (و هو للغزلان ديرة) فإن هذه الرواية وضعت الإنسان بين خيارين أحلاهما مر.. الاستسلام لأوهام الحداثة أو الاستسلام لمبادئ الواقعية الإشتراية بعد أن أعلنت إفلاسها. ولذلك كان الأبطال يلعبون بالوقت الضائع وبالمنطقة الحرة التي تفصل بين شتى المذاهب والأفكار.

لقد ترددت في هذا العمل أصداء لصور من عالم جنكيز إيتماتوف، الإبن المدلل للواقعية الاشتراكية، والذي كان يجوز له ما لا يجوز لغيره. جنبا إلى جنب مع لمحات لا تخطئها العين تذكر بتراث الأفلاطونية الجديدة ولا سيما فيما يتعلق بتحويل الصور إلى أفكار ونشاط نفسي.

و لذلك حذفت هذه الرواية بعض العناصر الفنية وتمسكت ببعضها. فقد تخلت عن المقدمة والتمهيد وباشرت من نقطة التأزم حتى وصلت لنقطة التنوير.

وأفسح ذلك مجالا مدهشا لحوار طبيعي وشاعري بين الشخصية وذاتها. وكأنها تفكر بصوت مسموع. أو تتعرف على نفسها من صورة ترسمها المرآة.

و هذا فتح المجال لحديث مسهب عن الواقع القاسي وضرورة تطويره أو الإنفصال عنه، وقد استعمل بهذا الخصوص رمز الزمن ليدل على ضرورة التغيير. ورموز اللون الأخضر ليدل على المستقبل المنشود حيث (يتمخض فجر جديد) كما ورد في الخبر رقم 10 (ص 127) . أو حيث تكون الأرض (معشوشبة وغدرانها وفيرة - ص 121).

**

إن هذه الجرأة على مفهوم الحدود الفنية (أصل النوع) لم تكن لعبة على مستوى الشكل والأسلوب فقط ولكن جاءت معها جرأة على حدود المحتوى (الموضوع). فغير المشاهد التي تنتمي بمضمونها لمنطق العصر الحديدي (حين سخر الإنسان الحديد - وهذه استعارة ترادف تسخير الماكينات والصناعة للسيطرة على الطبيعة حسب مفهوم الفن الملتزم)، تجد إشارات لعصر المشاع، حين كان الإنسان يعتمد على الطبيعة وثرواتها الفطرية من حيوان ونبات.

و هذا يفترض صراعا داخليا بين سياسة التنظيم وسياسة الفوضى المنظمة. أو بين مفهومنا عن الحرية المفروضة من الأعلى والحرية التي تنبع من حاجة الأفراد ورغباتهم.

و لذلك حاول هذا العمل (تذويب لغة الحدود المصطنعة) بين الأنواع كما ورد في الصفحة (156) بنفس القدر الذي حاولت به الشخصيات تذويب الحدود المفروضة بين الريف والمدن.

عموما كان الشكل الفني في هذه الرواية استجابة لتبدل في فهمنا للمنظور، ولانتقالنا من فلسفة العقل الكلاسيكي الشمولي بمشاهده المنبسطة والممدودة بلا نهاية إلى فلسفة ما بعد الحداثة التي تعتمد على التجزؤ والتخصيص. والتي أعادت تنظيم العلاقات بين الجزء والكل (و هو ما أصبح يعرف باسم ثورة الصناعات الصغرية).

إن قصص الرواية مثل الرواية الجديدة في فرنسا. كلاهما تعبير عن سيادة عالم الأشياء وتشيؤ الإنسان المعاصر ولا مركزية الذهن بعد سقوط الحداثة الكلاسيكية، وتوالي الفصول دون ترابط سببي مثل تراصف الأشياء دون علة تاريخية. إنهما يشكلان حكاية غير مستمرة عن عالم مستمر. ويعيدان تركيب وعينا بالإمبراطورية القديمة وسرديات دولة البلاط بعد أن تعرضا للتفكك والانهيار.

وهو ما تفسره الرواية في الخاتمة بشكل أوضح بقولها: إن هذا هو تغير نوعي يعبر عن التراكم غير المسبوق في كمية المعلومات (ص 197).

 

آذار 2014

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2869 المصادف: 2014-07-14 02:41:57