المثقف - قراءات نقدية

في المُعارضة الشّعريّة الجديدة .. قصيدا الشّاعرين عبد الكريم قذيفة ووهيبة قوية نموذجا

souf obidثَمّةَ في أغراض الشّعر العربي القديم غرضٌ طريفٌ ما يزال مُتواصلا في بعض مُتون الشّعر الحديث ألا وهو المعارضة، والمعارضة في الشعر هي أن يَحذُوَ شاعرٌ في قصيد له حِذْوَ قصيد شاعر آخرَ مُلتزما بنفس البحر والرّويّ ونفس الموضوع في أغلب الأحيان وفي هذا السّياق قرأتُ قصيد الشّاعر الجزائري عبد الكريم حذيفة ـ إلى اِمرأة لا تجيء ـ وقصيد الشّاعرة التونسية وهيبة قوية ـ لقاء ـ والقصيدان كلاهما سبعة مقاطع تتكرر فيها الجملة الأولى مما يضفي عليها إيقاعا رتيبا هو بمثابة الترجيع أو اللازمة فتتولد الصور وتتدفق من ذلك التكرار في كل مرة لينتهي المقطع بقافية موحدة نجدها في القصيدين معا بل إننا نلاحظ أن مقاطع قصيد ـ لقاء ـ للشاعرة وهيبة قوية تكاد تكون اِستطرادا أو تماهيا في مقاطع قصيد ـ إلى اِمراة لا تجيء ـ للشاعر عبد الكريم حذيفة فإذا نحن قرأنا المقطع الأول منه

يحدث أن ألتقي اِمرأة

فتصافحني

ثم تمضي

وتترك في الكف ريحانها

مثل أي ربيع

فإننا نلاحظ أن المقطع الأول من قصيد وهيبة قوية ـ لقاء ـ كأنه تكملة ممكنة

وقد ألتقيه بظلٍّ ترامى ببستان عمري

فيُجري ينابيعَ شوقٍ بنبضي

ونهرا من الأغنياتِ...

وفي راحتيَّ

يُريحُ غمامَ الأماني

ويَمضي

ويترك فيَّ عطور الرّبيع

وعلى هذا النسق نقرأ المقطع الثاني من قصيد ـ إلى اِمراة لا تجيء ـ

يحدث أن ألتقي امرأة

فتوسدني شعرها

وتريح جداولها في دمي

ثم تمضي

وتتركني للصقيع

ويكون المقطع الثاني من قصيد ـ لقاء ـ تواصلا واِمتدادا له ولكن بأكثر تفصيلا وتفريعا للصور

وقد ألتقيه بليلي الطّويل

فأرخي على كتفيه جدائل شَعري...

أعتّق حرفي على شفتيه...

جداول شِعر تنفَّسُ من ضوء روحي

ويمضي رحيقا بزهرة عمري

فيغفَل عنّي الصّقيع

على هذا النحو كان التواصل والتماهي بين مختلف المقاطع في القصيدين من خلال متابعة نفس الكلمات والصور تقريبا ولئن كان قصيد الشاعر عبد الكريم حذيفة مُفعَمًا بالوجدان الخاص والعارم نحو المرأة فإن قصيد الشاعرة وهيبة قويّة قد اِنزاح في آخره بوضوح نحو الوعي بقضية الوطن بعدما سلك مسلك الوجدان في أوله متماهيا مع قصيد عبد الكريم بن حذيفة القائم على الترديد والتكرار مما أكسبه إيقاعا خاصا قد اِعتمده من قبله بعض الشعراء مثل الشاعر محمد الحبيب الزناد في قصيده المجزوم القائم على ترديد جملة ـ لم تأت ـ وقبله الشاعر منوّر صمادح في ترديد كلمة ـ الكلمات ـ

 

عنــدما كنت صغيرا كنت أحبو الكلمات

كنت طفلا ألعب الحرف وألهو الكلمات

كنـــت أصـواتا بلا معنى وراء الكلمات

وتخطـــيت سنينــــا عثــرتهـــا الكلمات

أركض الأحلام والأوهـام خلـف الكلمات

ووراء الزمــن الهــارب أعــدو الكلمات

كـــلمــا أعرفــــه أني ظلمــت الكلمات

وسمعت الناس يصغون لصوت الكلمات

فتكلمـــت ولكـــن لـــم أفـــــدها الكلمات

يمكن أن نخلص بعد هذه الإطلالة في غَور قصيديْ عبد الكريم حذيفة ووهيبة قوية أن غرض المعارضة الشعرية يمثل تطورا جديدا في مسار الشعر العربي الجديد الذي يمكن أن يستفيد من منجزات القديم فيضفي عليها أبعادا أخرى من المعاني والمباني والإيقاعات تُثري المدوّنة الشعرية المعاصرة خاصة إذا كانت تلك المبادرات تنطلق من اِستيعاب السّابق وترنو إلى الإضافة.

قصيد عبد الكريم حذيفة ـ إلى اِمرأة لا تجيء ـ

يحدث أن ألتقي اِمرأة

فتصافحني

ثم تمضي

وتترك في الكف ريحانها

مثل أي ربيع

* * *

يحدث أن ألتقي امرأة

فتوسدني شعرها

وتريح جداولها في دمي

ثم تمضي

وتتركني للصقيع

* * *

يحدث أن ألتقي امراة

فترافقني حيث أمضي

نسير معا

ثم قبل الوصول تضيع

* * *

يحدث أن ألتقي امرأة

فأهيم بها

و أصيح : هنا وطني

ثم سرعان مايكشف العمر لي

أنها موطن للجميع

* * *

ينقضي العمر

يا امرأة لا تجيء

و يا موعدا كلما صرت فيه

يؤجلني للربيع

* * *

ينقضي العمر يا امرأة

والمسافات ما بيننا

ولا درب يجمعنا

ثم لا نلتقي

بعد ألف ربيع

* * *

ينقضي العمر يا امرأة

يستضيء بها القلب

لكن تظلين وشما

تظلين حلما

يهدهد كل رضيع

قصيد وهيبة قويّة ـ لقاء ـ

وقد ألتقيه بظلٍّ ترامى ببستان عمري

فيُجري ينابيعَ شوقٍ بنبضي

ونهرا من الأغنياتِ...

وفي راحتيَّ

يُريحُ غمامَ الأماني

ويَمضي

ويترك فيَّ عطور الرّبيع

***

وقد ألتقيه بليلي الطّويل

فأرخي على كتفيه جدائل شَعري...

أعتّق حرفي على شفتيه...

جداول شِعر تنفَّسُ من ضوء روحي

ويمضي رحيقا بزهرة عمري

فيغفَل عنّي الصّقيع

***

وقد ألتقيه بدربي

يرافق أتعاب قلبي

يظلّل ظلّي

تحاور أقدامُنا مفْرَقًا بالطّريقِ

يضيق المدى عن خطايَ

وعند الوصول يَضيع

***

وقد ألتقيه

تهيم به الرّوحُ، تشدو...

وأشدو: لأنتَ حدائقُ عمري

أيا صاحبي، أنتَ أنتَ الوطن

فيُعلي شراعَ السّفين ويمضي ببحر الغياب...

يصيح: أنا موطنٌ للجميع

***

ويمضي بيَ العمر عمرا

يحطّ الرّحال بأرصفة الانتظار

أعلّق عند المدى راحتيّ

أقول: ملكت السّماءَ...

فيهمي رذاذ الأماني خريفا

ويرتدّ صوتي بحلق الغناء

يؤجِّل فيّ الرّبيع

***

ويمضي بيَ العمر عمرا

وعشبة روحي تفتّش بين شقوق المدى

عن تفاصيل أرضٍ توحّد دربي ودربه...

بعيد مداه...

ولا ألتقي في الدّروبِ ربيع

***

ويمضي بيَ العمر عمرا

فتنسى اللّقاءَ

أيا رجلا ضاع بين أزقّة روحي

كما ضاع فيها اخضرار الوطن...

تظلّ ربيعا...

يهدهدُ حلمي الوديع


 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا جزيلا أستاذي سوف عبيد على اهتمامك بقصيدتي.

وهيبة ڤويّة
This comment was minimized by the moderator on the site

ما أروع أن نتبادل الآراء والأفكار النيرة في أي مجال من مجالات الأدب المتعددة والأروع من ذلك أن نتقبل بعضنا بعضا بروح خفيفة تتسم باتسامة ناصعة البياض في زمان قد اختلطت في الأمور كأننا في جاهلية أولى رغم ما يحيط بنا من كم هائل من التطور والرقي المزدهرين ها أنا أدلو بدلو معكما كشاعر ما زال باحثا عن ذاته المفقودة بين ركام كبير من التحلّف والإنحطاط فما جدوى دور الثقافة التي صرف عنها عشرات الملايير إذا لم تستدع وتجمع الأدباء والشعراء محتضنة إيّاهم من أجل تدعيم إبداعاتهم ولكنني أرى العكس يحدث فدور الثقافة أصبحت جهوية عنصرية لا تستدعس إلا المعارف بين قوسين وللا تبالي بالمثقفين بل تنزعج منهم لأنّهم يفتقدون إلى الثقافة وفاقد الشيء لا يُعطيه كما يقولون ها أنا ما زلتُ أعاني من الإقصاء والتهميش لحد الساعة لماذا لا أدري فالزمان كفيل بإالة كلّ دعٍ لا علاقة له مع الأدب أو الشعر..............الشاعر العصامي شكرا ===========ما أحوجنا إلى هذه اللقاءات الأدبية النفدية في زمان الغربان القاتمة السواد التي لا تؤمن لا بأدب ولا بشعر لأنها تريد أن يُخيم ظلام الجهل والأمية من جديد فيعمّ الخراب وها هم قد وصلوا إلى ما يبتغون له فما هذه الفوضى التي نسمع عنها ونراها هنا وهناك إلا نتاج أراجيفهم في المدبنة الفاضلة.. ولكن هيهات أن يُحقّقوا شيئا ذا بالٍ في زمان قد بلغ فيه الوعي الإدراكي مداه ..ولكن ينبغي الحذر فللحق رجال ......الشاعر العصامي

الشاعر العصامي الجزائري
This comment was minimized by the moderator on the site

انسياب بين القصيدتين كانسياب الماء بين بين ازاهير الورد

عبدالسلام عياصرة
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2878 المصادف: 2014-07-23 01:31:03