المثقف - قراءات نقدية

رواية "هالة النور" لمحمد العشري

heyam fershishرواية الظلال؟ أم رواية الصحراء الممتدة؟ أم رواية الشمس التي يدركها الخيال ويتمثلها كحلم؟ .. قد تكون رؤية محمد العشري هي تشخيص لذلك المتحرك المشخص، لذلك الظل الذي له علاقة بالشمس .. رؤية تتجاوز العلمي إلى المتخيل الذي تدركه الرؤية، ظل لن ينبري دون مصدر إضاءة هو الشمس في الصحراء الممتدة. ولم يعتمد الروائي الجيولوجي محمد العشري في رسم على الهندسة الوصفية بقدر ما رسم لنا صورة شعرية لها علاقة بالتشخيصي المرئي. وكأن رحلة الظلال هي رحلة استرجاع صور الماضي، الماضي الحاضر بشبيهه. للتوالد من الظل صور لأشخاص وكائنات.

صور تذكرنا بالأرضي لتصعد إلى النور، صور لها قسماتها الهادئة والمبتسمة وكأنها تتأمل المعنى في انثيال، إنها الرؤية التي تستأصل المجاز والوهم والانطباعات نحو المرئي في علاقته بالعين الثالثة، لها علاقة بظلال الماضي الذي ينمو دون هوادة ولا ينقطع في نقطة محددة، بل يعانق السماء في رحلة التشوف إلى الحقيقة، حقيقة الروح التي تسترجع الصور الغائبة، فالظل هو العتمة التي نرى من خلالها النور، وتنبثق في الطبيعة من جديد لتعريك تحريكها، لتتواصل الحركة عبر جدلية الصحراء والسماء، في تبادل بين طاقتي الهبوط والصعود.

نلاحظ من خلال اللوحة الوصفية التي انطلقت منها الرواية أنها لم تشذ عن روايات محمد العشري السابقة: والتي تعود بنا إلى اللوحة التي اعتمدها نجيب محفوظ في رواية الشحاذ المفرغة من المعنى والتي تعكس فلسفة اللاجدوى، بينما نرى محمد العشري الجيولوجي والروائي يرصد نور الحدس الذي يتمثله العلم والفن في آن وهو يتشوف حقائق الوجود. وهي خاصية تميز روايات محمد العشري التي يفتتحها بلوحات مفعمة بالمعنى.

"تأمل حسام الظلال الهادئة التي بللت الرمال بلونها الرمادي، رآها تُكوَّن أشباه وجوه يعرفها متناثرة في سطح الأرض، امتدت شعورها صاعدة إلى حقل الشمس، فغطت وهجها بوشاح رطب، أزاحت في حركاتها البطيئة، وابتساماتها الهادئة، السراب الراقص في المطبات الهوائية الباردة، أبطلت سحره، اجتمعت تلك الوجوه الغائبة التي تنتظره، شكلت نافورة ضخمة على شكل نبتة عيش غراب وحيدة، تنمو بلا توقف منذ أن خُلقت، فبدت هياكلها عالية، رؤوسها السحاب، تمر من بين سيقانها المرتفعة دوامات غبار خفيف، نتجت عن هبّة هوائية مخروطية الجسم، تحركها الموسيقى يمينـًا ويساراً، بدت من بعيد كأشجار عتيقة، متكئة على جذورها، الممتدة في الفراغات النائمة بين الحبيبات الأرضية المكونة للون الأصفر الصحراوي، رسمت الطبيعة لوحة حية، استحضرت الغائبين أمام عينيه، لوّنت ظلالهم بالروح المتوهجة التي تتغلغل في داخل مسام الجماد، الحيوان، الطير، الإنسان، بشكل طاغٍ لا تستطيع أن تغفله عين، أو تهرب منه للحظة، فالصحراء آسرة، ساحرة، تشرب الروح في رمالها العطشى، تبخرها في ليلها نسيمـًا أخاذاً، يلف الكون فية بعطره وموسيقاه".

يعاين الراوي الظل وهو يعود إلى خبايا الماضي البعيد وما يزخر به من رموز أسطورية، ترتد به إلى الذاكرة التي تسكنها كائنات أسطورية ما زالت تجنح في مملكة السماء، فإذا بالأساطير المنفتحة على عالم روحي بمثابة الثدي الذي يستمد منه الحياة، من الأصول الأرضية الخصبة التي تشبعه بالحلم والطمأنينة، فإذا به يواجه الصحراء بضجر بغية العودة إلى المرأة الحلم ويسلط طريق العودة في عربة متآكلة مع سائق ومساعده غير عابئ بمخاطر الرحلة، حيث الأصول الجنينية الأولى تتمثل في طريق طفل يرتوي من ثدي الآلهة هيرا "فتكون منه حدود الطريق اللبَنيّ الطويل، حيث يمكن رؤية أكثر من ألفي نجم بالعين المجردة، مجتمعين ومتناثرين في طرف ذلك الوشاح، الذي ترتديه السماء في ليلها المظلم".

ونحن ندرك كم تخبئ الأساطير المصرية الفرعونية رحلة الإنسان نحو الشمس الذي بدا في صورة الإلاه رع الذي عبد في مدينة "أون" أو "مدينة الشمس". وكيف شكل الظل تراثا فنيا لا يستهان به . هو أساس عدة فنون وهو المدرك عبر الرؤية يثير المتخيل في النفس، وكان الخيال عند الإنسان هو انعكاس للظلال، وبحث عن مصدر الظل ذاته ؟ فهو الذي يعبر الخط بين الخيال والحقيقة عبر قلب يتسع ليظلل الكون، ليخرج من متاهة الصحراء المضجرة وكأنه يحفر بإزميل ساخن في سيقان الأشجار العتيقة.

رحلة المهندس حسام إلى الجسد الأنثوي الذي عبق عطرها أنفاسه وجعله يستنشق اكسير الروح، توقه في معانقة صورة المرأة التي تغادر اللوحة ليحتضن من خلالها شوقه إلى هالة النور التي تكمل رغبة الجسد في لمس اللامرئي، متعة المشاهدة والاكتشاف من خلال رؤية ترصد مشهد عشق عبر إضاءة خافتة.

"حين تحرر حسام من جسده، استطاعت روحه المحلقة أن تلمس الأشياء البعيدة، أن تتوحد مع عناصر وذرات الكون المتناثرة في أجوائه، عاد إلى اللبنة الأولى المكونة للحياة، حيث لا حد فاصل بينها، لا أجواء تقف مانعة التواصل مع الآخرين، الكل ينبع من قلب واحد، يقطر حبـًّا، يصبح لديه القدرة على التشكل والامتزاج، لتكوين ذهب الحياة الثمين، الذي لا تلمسه غير الروح النقية".

رحلة حسام إلى المعرفة هي رحلة أسطورية يخوضها على ظهر "القنطور"، وهو حيوان أسطوري مكون من نصف علوي للإنسان، والنصف الأسفل لحصان. رحلة يكتشف من خلالها أشعة الضوء، رحلة هي بمثابة سياحة كونية بين الكواكب عبر سرعة الضوء. وهنا يجمع محمد العشري بين العلم والأسطورة عبر رحلة عجائبية، يكتشف ويرى من خلالها المجهول. وهي في الأن نفسه رحلة أرضية في قلب الصحراء ليلا، رحلة محفوفة المخاطر تتوقف فيها العربة التي غرقت في كثبان من الرمال، رحلة تسقط من خلالها هالة النور في الصحراء، لتبدو كشيء غامض بالنسبة للسائق ومساعده على خلاف حسام التي مثلت تلك الهالة انعكاسا إلى رحلته الأسطورية إلى الفضاء الرحب. ليستعرض بعضها حكايات عن قطاع الطرق الصحراوية وعصابات المخدرات، ولكنها رحلة نحو أساطير أهل الصحراء الذين يتحدثون عن موسيقى تهبط من السماء، وهي موسيقى أشبه بموسيقى عرائس البحرفي الالياذة والأوديسا التي كانت تغوي البحارة لتجرفهم نحو أعماق البحر، وتوجههم هنا إلى بقاع نائية وموحشة ليس بها ماء فيلقون بها حتفهم. وهي لدى البعض صيحات غضب الجن تصدر من عالمهم السفلي تحت الأرض وهم يتعاركون ويعذبون بعضهم البعض. فريق آخر يظنها صادرة من أجراس المعابد والأديرة التي ابتلعتها الصحراء منذ زمن، وغطتها الكثبان الرملية، ولايزال صداها يتردد.

رحلة في عمق الصحراء، سياحة كونية تربط بين التعمق في الكون عبر التعمق في تركيبة الارض بطل طبقاتها ومكوناتها ورمالها، فهي ترفعه الى عالم المعرفة، حيث ينبري الحدس المتلبس بالتجربة ينير حقائق علمية وأخرى روحية، لتتسع رؤية الإنسان نحو الكون، وتتسع مدارات يقينه، وهي رؤية تكشفها روايات محمد العشري مثل رواية "خيال ساخن"، ورواية "غادة الأساطير الحالمة" ورواية "هالة النور" حيث لا ينفصم حدس الخيال الفني عن حدس الخيال العلمي ليمتزجا في نقاط واحدة تلتحم فيها طاقات الصعود والهبوط.

"روحه التي أفلتت منه في لحظة رأت أن كل شيء متشابه، الغوص إلى الأعماق مثل الصعود في الفضاءتمامـًا، كل يؤدي إلى بعضه البعض، حلقات كثيرة مفرغة لا أول ولا نهاية لها، لا يقين ثابتًا يحتضن الأشياء في قلبه، ويوزعه على الأرواح المتعبة، نقطة واحدة إذا عبرها الإنسان يصبح لديه القدرة على المزيد من الرؤية، فقط إذا ما ترك جسده وراءه، وهام فيما لم يجربه ولم يره من قبل، فهل هذا أيضـًا يمنحه يقينـًا ما؟ "

واتخذ محمد العشري الإشارات الضوئة كمصدر للطاقة البديلة التي يبحث عنها الإنسان الباحث أبدا عن طاقات جديدة وهو يتوقع نفاذ طاقة البترول، وللحصول على مصادر أخرى للطاقة يطور بها وجوده . ولتطوير وجوده مستخلصا أن " الكون مقام على أساس تلك الذرة الضئيلة، التي تتوالد من بعضها، منتجة صوراً مختلفة للحياة، هنا وهناك .... انتبه إلى أن تفاعل النيتروجين مع السيليكا ينتج الطاقة، ويخلف النشادر التي ينتج عنها الهيدروجين، وذلك الغاز يمكن الاعتماد عليه في تكوين صور أخرى من أشكال الطاقة، إضافة إلى أن احتراقه ينتج عنه الماء".

"هالة النو" هي رواية الخيال الفني والخيال العلمي في آن. رواية الذات والموضوع، الأرضي والسماوي، الأسطورة والعلم، رواية ضمير الأنا وضمير الهو المحايد. هي رحلة محفوفة بالظلال والظلام والضياء. هي رواية الإنسان وهو لا يفصل إحساسه عن حواسه، وعقله عن قلبه. إنها رواية المعنى والحقيقة العلمية. رواية تهم الأدب والعلم في آن. جاءت في لغة بديعة، لا تخلو من المشاهد واللوحات الفنية..


 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2919 المصادف: 2014-09-02 13:06:25