المثقف - قراءات نقدية

يحيى السماوي في «أنقذتِني مني» يقاسمُ الحبيبة خيمتَه وينصبُ فستانَها على حبال عينيه

intwan alkazziكأنهُ يعانق الأشرعة المسافرة، يسرج للغمام أفواه الضوء، يوصد القصيدة على حلم يترجّل على دروب الناس، ينازلُ القرائح بأنامل الفارس اللمّاح.. يطلّ يحيى السماوي من نافذة الفجر وفي يديه ناقوس يرفل للحوريات فساتين من الورد. مرّة يتنسك في محراب الكلمة ليعود عاشقاً يمتهن الهديل، ومرّة يغافل صبح الحصاد الى بيادر لا تدركها السنابل. هو الشاعر الذي أفتى للحبّ اقاليم القبل، هو الفنان الذي شقّ صدر البراري بشبق الصحراء العطشى للمطر.

«انقذتني مني» ليس أبياتاً تبسط للقرائح ثغورَالمداد، ليسَ ديواناً طيّبَ المناديل بجروحِ الشفاه، وليس غزلاً مسكوناً بآه الصبابة.

«انقذتني مني».. هو يحيى السماوي ،عاشق المرايا، ربيبُ الينابيع ، ينهلُ من نميرها ملاحمَ الصفاء، يطوي وردة عذراءَ ويسير في بساتين عمره كهلاً زيّنتْ مفرقيه سامقاتُ النخيل. وعلى صدره يولمُ الشوقُ لأسفار العنادل، و في جعبته قمحٌ وحبّ وتراتيل للأسحار.

حصانُه القمر، وصمتُه رفيفُ المواسم، وخزانته ذاكرة تغفو على تيجانٍ رصّعتها قريحة ولهى وسهادٌ ألبسَ الهزيعَ بواكيرَ الصباح.

هو.. وإياها ،يشبك قبلاته في إناء الندى ويسابق الفرحَ الى عرسٍ سومري.

هو.. وإياها، طفلان لا الى فطام وعصفوران يرشفان ريقَ الرياحين.

«انقذتني مني» يزرع القناديل على اجنحة الظلام، يلبس سندباد رداء الجزُرِ البعيدة ويعلّقُ على الأعتاب أكمامَ الخزام.

وعلى شفةِ رغيف جائع يرقص التنّور بيتاً في قصيدة، وفي ريشة هزار ضائع، تسكنُ ساحرة تسرقُ من الموج زوارقَ من ورق.

يحيى السماوي في «انقذتني مني»، يمتطي الخيال ويهجعُ الى الجفون، يترك لثوبِ عشتارَ أن يقطفَ ثمار العشق، ويفلت قلقَه مع سرابِ الدفءِ البعيد.

في كوخهِ المهجور، قصورٌ من الكلام، وفي سريره الخشبي عُودٌ ينتظر لحنَ النعاس، وعلى صدرهِ ضفافٌ وموجٌ وأنهار، وفي قلبه محاريثُ تشقُّ الضلوعَ جسراً الى الحبيبة.. هي التي تصلّي من أجله، تنقذهُ من نفسه، تخبِّئهُ في غنجِ العناقيد وتهديهِ ياقوتة الخطيئة.

يحيى السماوي، تدقُّ الأبوابُ ذاكرتَه وتتدثّرُ الأوتارُ أرغنَه، فيقاسمُ الحبيبة خيمتَه وينصبُ فستانَها على حبالِ عينيه

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر / الناقد / والإعلامي الكبير أنطوان القزي علامة فارقة ونافذة ضوئية في المهجر الأسترالي ، ليس باعتباره رئيس تحرير صحيفة التلغراف الأسترالية ـ وهي الصحيفة الأقدم والأشهر والأوسع انتشارا بين الجالية العربية ـ وليس لأنه أوّل مَنْ وضع أنطولوجيا ضخمة بالمنجز الفكري والفني والأدبي العربي في القارة الأسترالية ، وليس لأنه شاعر وناقد قدير فحسب ، إنما ولأن كتاباته النقدية تتسم بحجم من الشعرية قد يفوق حجم الشعرية في النص الذي يُجري عليه بحثه في مختبره النقدي ..

**

أخي الشاعر / الناقد / والإعلامي الكبير أنطوان : هلا التمست عذرا لثملي ؟ فقد أسكرني رحيق مدادك في كتابتك عن آخر حصادي في حقول الشعر وبساتين العشق وفردوس اليقين ، فلا تعجب لو قلت إنني قرأته بتبتّل حميم

يحيى السماوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2921 المصادف: 2014-09-04 03:10:49