المثقف - قراءات نقدية

ماهر العواشري ومحمد عبد الجليل وولادة جديدة ل"هاملت"

fatima badriإن المتأمل في تاريخ المسرح بتونس يدرك أن هذا الفن قد خضع إلى تمفصلات الحضارات التي تعاقبت على البلاد. ولعل المسارح الأثرية القديمة على غرار مسرح قرطاج الواقع في "الشمال الشرقي" ومسرح دقة بجهة "الشمال الغربي" ومسرح الجم "بالوسط الشرقي" ومسرح سبيطلة "بالوسط الغربي" ما هي إلا شواهد على تأصل الفن الرابع في تونس. ولكن أدى تصادم الحضارة الإسلامية مع الرومانية والقرطاجية على المستوى الفكري إلى تجميد النشاط الفني لمدة قرون. وانتظر التونسيون طويلا حتى أعاد الاحتلال الفرنسي هذا النشاط ببناء المسرح البلدي بوسط العاصمة الذي استقطب الكثير من الفرق الفرنسية والايطالية. ومع ذلك لم تحدث المصالحة الحقيقية بين التونسي والمسرح إلا في مرحلة متأخرة ليسبقهم اللبنانيون والمصريون بأشواط كثيرة. ولكن المسرح التونسي ورغم تأخره إلا أنه نجح في التموقع على صدارة المسرح العربي على مستوى جودة الأعمال وميزاتها الجمالية، وإخراجها المبتكر. ويعود الفضل في ذلك إلى الجيل الثاني من عشاق المسرح في تونس والذين ارتووا من مشارب المسرح الفرنسي والبولوني والألماني ثم أسسوا مدارس مسرحية خاصة بهم أثناء عودتهم على تونس. ولعل أبرزهم توفيق الجبالي وفاضل الجعايبي وعز الدين قنون والمنصف السويسي ومحمد إدريس. وكان لهذا الجيل تأثيره المباشر على الجيل المسرحي الجديد والذي يحمل هو الآخر رؤى مسرحية ناضجة ومتميزة. وسنتوقف اليوم عند تجربة الثنائي ماهر العواشري ومحمد عبد الجليل الذين يحملان بوادر ولادة تجربة مسرحية سيكون لها وزنها الفني على المدى القريب.

477-fatima

هما ثنائي قادم من الأحياء الشعبية التونسية حيث البؤرة الأكبر لازدحام الأسئلة،وحيث الحياة بوجوه مختلفة مستفزة أحيانا،وهو ما دفعهم للرهان على المسرح كفضاء لفك طلاسم تلك الأسئلة التي تطرح يوميا وفق رؤية استشراقية تحاكي الواقع على تلك الخشبة التي يسمونها بالمسرح. البداية كانت بمسرحية "قانون الجاذبية" والتي كانت عبارة عن رسالة تخرج بالمعهد العالي للفنون المسرحية بتونس،ولكنها كانت عبارة عن انطلاقة تجربة فريدة جابت عدة دول في العالم. وطرحت جملة من الأسئلة الوجودية في اتصال عميق بالواقع التونسي الذي يحاكي في ذات الآن الإنسانية جميعا. ولعل تميز هذا العمل حمله للمشاركة في عدة فعاليات وطنية ودولية. حيث تم إدراجها ضمن فعاليات الدورة السابقة من أيام قرطاج المسرحية،لتحلق فيما بعد إلى امستردام فألمانيا التي توجت فيها بالجائزة الأولى لمهرجان "تبسيس الدولي للموندراما" وقدمت عروض أخرى في برلين،كما كانت أحد ابرز المسرحيات في مهرجان الفجيرة الدولي للموندراما. هذه التجربة كانت حافزا للشابين للانفتاح أكثر على فضاءات المسرح العالمي ومحاولة تكييفه مع الواقع التونسي خاصة والعربي والإنساني عموما. وكانت "هاملت" ل "شكسبير" الخيار الأمثل في إيمان منهم بأنها عمل يزخر بالأبعاد الإنسانية التي تتجاوز الحدود الثقافية والاختلافات التي تولد من رحم المجتمعات. وتم تقديمه لأول مرة كعمل في طور الإنجاز في تظاهرة العرض الأول بفضاء التياترو ثم عرض منفرد في نفس الفضاء. حيث نجحت هذه المسرحية في كسر النمط الكلاسيكي في طرح الأعمال العالمية،وخرجت من جلباب الاستقراء السلبي للنص المسرحي والاكتفاء بعرض الأحداث التي طرحها الكاتب. إذ كانت خشبة المسرح فضاءا احتضن ثلاثة شبان وفتاة في أزياء رياضية لا توحي أبدا بأن "هاملت" هو نص المسرحية التي تعرض للمتفرجين. لنتبين فيما بعد هاملت و حكايته ليست إلا المدخل الكبير الذي يفتح المجال للتمعن أكثر في الواقع بكل جزئياته من لعبة الزمان، إلى الرغبة والمبادئ، إلى الكفر والإيمان، إلى العلاقة بالآخر وأخيرا العلاقة مع النفس. إنها جدلية فنية ارتآها المخرج ماهر عواشري في محاولة منه لخلق حوار بين هاملت النص الشكسبيري و"هاملت" الواقع بكل تفرعاته. ونجح محمد عبد الجليل وزملائه في تجسيد نص شكسبير انطلاقا من خط الانتقام الذي سلكه هاملت،ووعيده بالانتقام إلى لحظة التنفيذ التي ذهب ضحيتها كل من المذنب والضحية والبريء. لتكون العبرة من اختيار هذا الخط هو الإقرار بأن التوجه العنيف الذي ارتآه هاملت وإن كانت له مبرراته،وإلا أنه يفقد قيمته وجدواه عندما تتحول الحقيقة إلى معطى يعصف بالجميع. هذا إلى جانب التساؤل عن مصير الشعوب التي ما تزال إلى اليوم تعيش رهن مشاكل العائلات الحاكمة ورهينة مساحاتهم الضيقة. ثم يعود الممثلين إلى الفضاء الأول الذي يتقاطع مع "هاملت" شكسبير حيث ديكور وملابس و إكسسوارات في قاعة تمارين بدار ثقافة في حي شعبي بتونس. وعلى خلاف المشهد الذي جسد حكاية "هاملت" والذي حضر فيها النص المنطوق أو بالأحرى صورة الراوي،فإن المشهد الآخر راهن على الجسد كعنصر ناطق على الركح. إن تجربة "هاملت" بعيون ماهر عواشري ومحمد عبد الجليل ورفاقهما طرحت تصورا جديدا ومختلفا لنص مسرحي بات مستهلكا من طرف العديد من المسرحيين. كما تمكنا من الإقناع بأن المسرح يحتاج إلى نظرة تذهب بعيدا على مستوى الاختيار والأداء وتكون قريبة على مستوى الالتزام بما يطرحه الواقع من أسئلة وقضايا. وعلى لسان الثنائي السالف ذكره فإن السؤال الأساس والمطلق بالنسبة لهما هو علاقتهما بالإرث المسرحي الإنساني وعن موضع المسرحيين التونسيين في سياق هذا الإرث تاريخيا وفنيا.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2937 المصادف: 2014-09-20 00:42:56