المثقف - قراءات نقدية

قراءة في نصّ: مدينة السّماء لمادونا عسكر

قال الحبيب واللّيل يرخي أهدابه على كتف الضّحى:

- " اكتبي أبداً عن الحبّ...

واخلقي من طين الحروف موسيقىً عذبة

وانفخي فيها من سحر الكلمة

ترانيم تُبشّر الكون بتجلّي الهوى...

حدّثي النّاس عن خفر العشق وخشوع الهيامْ،

وعلى وجه المياه ارسمي ألوان الصّبوِ

حتّى إذا ما استفاق العالم وخرج من عزلتهِ

تراءت له حمائم السّلامْ

تبشّر بانتهاء الطّوفانْ..."

**********

ومشينا في روضة غنّاء تشرف على مدينة السّماءْ

يصدح فيها صوت الحبيب فتخجل البلابل وتسكنُ...

يمرّ بحسنه على الرّوابي، يختال كالبرق الممزوج بالطلّ، فتخشع وتزهدُ...

من روحه ينساب نهر عظيمْ

يغمر الحضور ويصلّي آيات العشق، مزامير تعانق عبق الإلهْ...

قلت: - " دعنا نبقَ هنا،

نبني لنا بيتاً على ضفاف فجر لا ينتهي،

أسكنك وتسكنني،

وينتفي الوقت ويذوب الزّمانْ...

ها إنّنا على مشارف مدينة السّماءْ،

مدّ جناحيكَ

واحملني إلى فوقْ،

حيث الشّمس تلتحف رداءكَ

والقمر يتنسّم ضياءكَ..."

أغمض الحبيب عينيهْ

وأراق في قلبي لغته العذبة...

كلمات تقاطرت كالدّمع الخجولْ

تهيم بها الرّوحْ

ولا يدركها النّهى...

وبينما هو يتكلّمْ

رأيت الصّوت يورق على أغصان غابة نضيرة

وسمعت ملامح الحبيب تشرق في سماء المدينة...

 

•القراءة:

حين تستقر الكتابة في الممارسة الإبداعية، نتحدّث عن الأسلوب الخاص والسّمات الإبداعية المميزة للذات المبدعة، فنراها ونعرفها وإن لم نر لها اسما، لأن هويتها أصبحت أسلوبية..وتقترن الخصوصية أحيانا (أو غالبا) بسمات غرضية أو " تيميّة" تجعل المبدع في شبه " تخصص" أدبيّ من حيث الأسلوب والفكر..وهذا ما قد يثير حفيظة بعض المحبّين أو غير المحبّين، فيرمي المبدع بالتكرار والاجترار، ويدعوه إلى ترك السبيل المعهودة والضرب في أرض جديدة، وطرق أغراض لم يطرقها قبل..ولعل الشاعرة استشعرت هذا

"القلق" الجماليّ التقبّلي، فانبرت تنتصر لهويتها الأدبية والفكرية والروحية، متمسكة بنهجها الشعري وخصائص نصوصها، وبما إليه وبه ترمي وتقصد..

هكذا يمكن أن نفهم الأساس النظري البياني الذي قام عليه كل المعمار الشعري في هذا النص، ولعلنا واجدون ذلك مختزلا في قولها:

" اكتبي أبداً عن الحبّ..."

وإذا هي " الرّسولة " الشاعرة ينزل عليها وحي من السماء، وقد انتخبتها لتبني للسماء مدينة على الأرض أو لتصعد بالعالم إلى مدينة في السماء، عمادها الحب والشعر، ومهندستها الشاعرة وقد وهبت من القدرة ما به تأتي الخوارق من الأعمال بفضل"سحر البيان"..فإذا هي الخالقة :

"واخلقي من طين الحروف موسيقىً عذبة..."

ولسنا هنا بإزاء مجرد تضمين أو استلهام لقصة الخلق، بل إنّ في الصورة توسعا في معنى الخلق وانتشارا فيضيّا للفعل الإلهيّ الأول، وهو الذي كان قوليّا انبثاقيّا أصله ومصدره الكلمة نورا وحياة وحبّا..وما الفعل الشعري إذن إلا امتداد مقدّس لذاك الفعل القديم المتجدد الذي يتماهى فيه الله/الحب والإنسان/الشاعر في فعل تأسيسي كونيّ به الوجود يكون والشعر يكون..

ولا يخفى ما في القول الرّسالي من بعد يرقى به إلى رتبة التعاليم الروحية والبيانات الشعرية الراسمة لمعالم الممارسة الشعرية مفهوما ومحتوى وغائيات ومقاصد.. فتأتي الأفعال الطلبية جامعة بين التوجيه والإسناد والتأكيد والإظهار :

اخلقي..

انفخي..

حدّثي..

ارسمي..

فتتجلى الشاعرة خالقة ساحرة "رسولة " محدّثة مبشّرة بالعشق دينا سماويا أرضيا كونيا إلهيا إنسانيا يتماهى فيه السحر والدين والأسطورة والفن ..والشعر (على حدّ هيدغير) جوهر كل فن..وظيفته وصل الأرض بالسماء، واستنهاض الله النائم فينا ولا نراه، لأننا نوّم معزولون منعزلون في هذا العالم الواطئ الذي يغمره " الطّوفان " ويحتاج إلى سفينة العشق، من ركبها نجا، وأمسك بحبل السماء الذي تمدّه الشاعرة لمن اهتدى، ورأى معجزة المشي على الماء، تأسّيا بالسيرة اليسوعية، وحاجة الرسول إلى تثبيت قلوب مريديه وأحبته..

وكذا الشاعرة تبعث في " طين الحروف" الروح والموسيقى فتبشّر وتدعو إلى سبيل حبّها وتعلّم العالم كيف يعشق، فيعرف سبيل النجاة والسلام...

هكذا يتمحّض القسم الاوّل من هذ النص للبيانية الشعرية من حيث هي تذكير بالماهيات الغائبة عن الإدراك، وأهمها ماهية الإنسان والحب والفن والشعر، إلى جانب معنى الوجود ومنزلة الإنسان فيه وعلاقة الأرض بالسماء علاقة مكانية رامزة لما بين الإنسان والله من تواشج وتماه، في جوهر هو الحبّ..

وذاك هو مذهب شاعرتنا في الشعر والحياة، تعرضه علينا عرضا تصويريّا إيحائيا متضمنا من المعاني والمفاهيم ما هو جماع روافد متآلفة منسجمة مؤلفة لنسق خاص هو عنوان الهوية في تفرّدها وتميّزها...

وهذا البيان الشعري العشقي اختارت الشاعرة أن تعرضه في سياق إسنادي قولي ينزّل الحبيب منزلة المتكلم من علٍ في حركة خطابية تبشيرية تتنزل فيها الشاعرة منزلة الوسيط والرسولة التي يوحي إليها، ومنزلة العاشقة الشاعرة تقول: ذا مذهبي في الشعر والحبّ..

قال الحبيب واللّيل يرخي أهدابه على كتف الضّحى...

وكل هذا البيان جاء مكتسيا رداء العنوان..وفيه تنضاف المدينة إلى السماء، وبها تعرّف فتكون لها هوية غير هويتها الأرضية التاريخية المدنية الحديثة القائمة على أخلاق وقيم وقواعد عيش وتعايش، تنفصل بها المدينة كونا وضعيّا ينتج قواعد العيش والتعايش...حيث لا ينظر الناس إلى السماء ولا يعرفون الدروب إليها..فتعمد الشاعرة، وقد استشعرت الانفصال والانقطاع، إلى أن تكون بالقصيدة وبتجربتها الشعرية، الرائدة في الوصل بين ما يبدو ألا اتصال بينهما..وكان ذلك في القسم الأول بالصوت السماوي النازل الحامل رسالة الحب، لتكون الشاعرة "رسولة "الحب في الأرض لعلّ ناس المدينة يهجرون " مدينة الأرض" إلى" مدينة السماء" ويجدون سبيل العودة إلى المدينة الأمّ والأصل..وما هذا النص في بعد من أبعاده الأساسية إلا رحلة نجاة من الطوفان :

" تبشّر بانتهاء الطّوفانْ..."..

وهو طوفان ابن الفارض يشكو غربته وحنينه إلى مدينة السماء:

" فطوفانُ نوحٍ، عندَ نَوْحي، كأدْمَعي؛ وإيقادُ نيرانِ الخليلِ كلوعتي.."

وهي أيضا رحلة "معراج اتحاد " مركبها الكلمة /الحب الموهوبة لمن " جاوزت حدّ العشق" و"طابت بالهوى نفسا.." (ابن الفارض)

وبهذا التصوّر يمكن أن تقرأ القصيدة في حركات ثلاث:

1) حركة التّبشير بتجلّي الهوى

2) حركة العروج إلى مدينة السماء

3) حركة تجلّي السّرّ..

ولئن كانت الحركة الأولى خطابيّة في إطار دين الحبّ، فإن الحركتين الثانية والثالثة حدثيّة فإدراكيّة، تعرج فيهما روح الشاعرة العاشقة من الأرض إلى السماء...

وكل حركة من هذه الحركات الثلاث تقتضي استفاضة وتوسّعا، وتغري بالوقوف والـتّأمّل.. وحسبنا أنّ القسم الأول الذي وقفنا عنده، قد رسمت فيه معالم الطريق إلى الشعر والحبّ كما تراهما الشّاعرة وهي تأخذنا إلى جذورنا الأولى، في رحلة عجيبة مقدّسة لترينا من آيات الحبّ ما لا نراه ونحن مشدودون إلى جذور الأرض..

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2946 المصادف: 2014-09-29 10:26:17