المثقف - قراءات نقدية

قراءة جديدة لقصائد الشاعرابراهيم البهرزي

ali almasudمثلما كل مرة ....

حملوا قبور أجدادهم وطافوا بها.

أكثر من مدينة غريبة طوت زهورها بوجوههم

كما يُطوى سجل سرّي،

من المؤكّد أنهم لايقطفون الزهور لأجل موتاهم

هذا ليس من تقاليدهم

ولكن روح الموت كانت تشيع حولهم كالفضيحة .

انهم الموت، كان أمناء البلديات يهمسون

ولم يكونوا كذلك في حقيقة الامر،

انّما كانوا يحملون قبور أجدادهم لأن هناك

في البلاد التي لم تحتمل وجودهم

كان أعداءهم ينبشون القبور

بحثا عن شبهات تبرّر اقتلاعهم .

 

كانوا سيُقتلَعون َ في كل ّ الأحوال

خفافا أو بما احتَملوا .

غير أنّهم أرادوا ان يقولوا لأعداءهم

كنّا نريد أن نحتفظ بحب أجدادنا لأجدادكم

كامنا في العظام، بعيدا   عن الشبهات ِ

فلا يرثها الأحفاد كحقائق مؤكّدة

هم

أو أعداءهم

أو أعداء أعداءهم

ممّن طوّفوا في مدن غريبة

أو أقاموا غرباء في مواطنهم،

كانوا نُسّاج الكراهة من رميم القبور.

نشرت في موقع (الحوار المتمدن) بتاريخ 30- 09 - 2014

تعد تجربة الشاعر أبراهيم البهرزي من التجارب المهمة والعميقة، التي تؤثث فضاء المشهد الشعري العراقي المعاصر وفي قصائده إبداعية فريدة لافتة للانتباه، تنم عن عمق فكري ووعي جمالي، بما للكتابة من قدرة على التعبير وابتكار المعاني ومن قدرة على تشكيل الصور وتجديد معالم الحياة، عبر اللغة والكلمات، ولكن في قراءتي لمنجز الشاعر يزاحمني السؤال : هل يمكن للقصائد

المرشحة للشاعر " أبراهيم البهرزي " في ديوانه الاول و الذي صدر عن دار ضفاف و كان بعنوان (صفير الجوال أخر الليل) ان تفرز لنا صورة استقرائية لتجربة شعرية في جسد القصيدة العربية الحديثة؟؟؟ اليست قصائد" ابراهيم البهرزي "فراشات ملونة و تحتاج الى مهارة و معرفة كي تستطيع الولوج لعتباتها خارج باب الدهشة التي تسكننا منذ البدء؟ ؟ كيف تستطيع هذه التجربة الشعرية أن تخلق فرادتها وتميزها، بل وصوتها الشعري المفرد في الوقت الذي ملأ فيه "نباح أشباه الشعراء" المشهد بكثير من ال"قول" وبقليل من دهشة الشعر؟ ؟ أليست تجربة " البهرزي " وأسلوبه الشعري وفرادته هذه الفرادة العراقية الشعرية بكينونتها، وهويتها المركبة تستحق ان يسلط عليها الضوء،؟؟

لقد ظلْ الشاعر البهرزي باحثا عن اسلوب ابداعي متميز أ به و صوتأ متفردأ في قصائدة هو بهرزي أصيل من محافظة ديالى . مقيم ابدي فيها منذ أن أكمل دراسته في الجامعة التكنولوجية ببغداد ا لأربعة أعوام 1976- 1980

أبراهيم البهرزي هذا الشاعر الذي يحمل ريحان الحرف الشفيف، حلمه دفاتر تخطها أشعة الشمس..تتلاقى أمام بوابة إبداعه مرايا ومرافئ، وأوطان للريح وبساتين بهرز ووالتي يستمد منها الشاعر صياغة الحرف، ويوصف الشاعر علاقته بالمكان (بهرز) ووقعها في نفسه وتاثيرها عليه في بلورة وعيه فيقول: (عن بهرز حين أحدثك ينبغي أن أتحدث عن شبق زهر البرتقال في نُوّارات البراءة والخمرة والوداد الرفاقي، عن أريحية المقاهي الضجيعة تحت يوكالبتوس (خريسان) القديم، عن المطر الحنون المتشقلب على مراوح النخيل، عن الرياح الموسوسة التي تدوّم بالطفولة إلى أعالي الله، عن مسارج النفط بفتائل التمر المشعشعة في أكواخ البساتين المعتزلة، عن القُبل الأولى المهراقة تحت نزيز العنب،)، ويسترسل في الحديث عن معشوقته عن قريته (بهرز) رغم تطلعاته

وتصريحاته الدائمة، عن مرارة العيش فيها لكنه ما غادرها و لا غادرته رغم سياط الجلاد و حروبه و الجوع و الحصار: (عن بهرز حين أحدثك ينبغي أن أتحدث عن الوجوه البُنيّة المنحدرة لشواطئ (المنتريس) بوفير الخمر وهدير الأغاني الناحبة،عن الطيور الطائرة والقناطر البعيدة، عن ماريجوانا القدّاح  

المتغلغلة في بلازما الجنس الخجول،عن زهور الخُزامى السكرى على أسيجة المنازل العالية،عن سطوة الفلس السحرية في زمان العيد والأراجيح ودواليب الهواء.

(من حوار مع الشاعر إبراهيم البهرزي)

عدنان حسين أحمد

(الحوار المتمدن-العدد: 764 - 2004 / 3 / 5 -)

بين يدي الشاعر (أبراهيم البرزي) تبحر القصيدة حاملة استداراتها القزحية، وتتدلى خطاه من سقفها الماطر المليء بغوايات الشعر الأبهى وينشد في احدى قصائده :

ايامك

قديمة جّداً

كما يقول امين المكتبة

عليك أن

تُنجّدها

وتجلدها

وتصنع الرفوف لاجلها

وتصفّها

وتتامل من بعْد في هذه الصفوف العريقة....

لقد انتهى وقت العمل

عليك ان تحدّق بالزائرين

والزائرون

ربّما مثلك

يتامّلون هذه الصفوف العريقة

هكذا ستحتفي بالعدالةِ

الصانع والزائر غائبان معا في شراكة التامّل

وحين يجوع الجائع

لاباسَ بان يتناولَ من الرفِّ وليمة،

ولكنها محنة

اقتحمتني بدون استئذان قصيدته " في الغابة ثمة من يجبك "، حيث رأيت الشاعر مستلقيا فوق لحاف العتمة، يتقلب فوق سرير الحزن،لا أ دري هل هو الحزن الذي يصل "حد العتمة " من يغرس قوسه في جسده؟؟، أم شيء ما مجهول يطوق ذاكرته بالتفكير العميق، يحوله الى مايشبه الريح التي لاتعرف ماذا تريد لنسمع ما يقول الشاعر في تلك القصيدة :

لستُ حزيناً حَدَّ العتمةِ...

شجرُ الحور الاكثرُ حزناً

أخضرَ

أخضرَ كالضحكِ،

ريشةُ الغرابِ مُبلّلة بالندى أيضاً،

هل قلتُ انَّ الشمسَ اكثرُ سطوعاً في السواد ؟

تقولينَ :

انَّ الغابةَ اكثر أتّساعاً من الحقيقة

وأنَّ غموضها اكثرُ وضوحاً من دهشتكَ

وانتَ مثلَ الريح لا تعرفُ ما تريد.....

يتعامل الشاعر " أبراهيم البهرزي " بدقة بالغة وحساسية مفرطة مع المفردة..و المفردة لدية تتجاوز اطارها الشكلي الى الدلالة المعنى و للشاعر" البهرزي" رؤية تنبع من تجربته و هذه الرؤية اساسها الهم الانساني على عكس هذا أشتغل البهرزي في تفعيل الرمز لآيصاله الى مستوى الأسطورة وتحويله الى دال يجد مدلوله في مرجعية الذاكرة الجمعية لخلق معنى جديد!! و ينتقل الشاعر لوصف هذا الآثر المحفور بخنجر الخيبات بين ألياف قلبه ! حتى أرتوى شوقه من ماء دجلة و ألاحزان و له جناحان و طائرأ يعبد أمرأة ويقول في قصيدته :

قولي لهم

أنّه لم يعُد غير طائر من المحارم

لن يفعل غير ان يطوف حولي

قولي، وانت تعرفين، انه لن يفعل اكثر

من ملامسة الجناح الكسير على جانب الخد

لن يفعل اكثر

من أن يقف على كتفي ويتلفَّتْ ...

لي جناحان

وليست الارض،مُذْ استحلت طيرا

أمّاً لي ولا مرجعا   للأصول ...

أطيرُ حولك وأعبدك

وليس   لرفقةِ   القدامى غيرَ بنادقهم ...

طائرٌ يعبدُ امرأةً

الشاعر " ابراهيم البهرزي " منذ ان عرفته في منتصف سبعينيات القرن الماضي عاشقا خجولآ شفاف حتى يخيل لك (انك لو رميته بباقة من الازهار فسوف تدميه؟) يتنقل في قصائده كي يعمل إلى وضع خارطة رومانسية يمشي فيها عشقه " يَمامةُ الوداعٍ أمّارةٌ بالرضا " فهو يعلم بقصص العشاق الذين استباحوا صفحات التاريخ، و عارف بالساحات التي تحمل أسماءهم، إ يقول في احدى قصائده

أمسِكي يَدي أخوّةً

أمسكيها لانهضْ

يَمامةُ الوداعٍ أمّارةٌ بالرضا

رَفرفَ النعناع على السياج ِ

وأخذتني غفلةٌ من الفردوسِ الى مَرضعٍ بهيج ٍ

كانَ كلّ الموتى يبتسمونَ على الجسرِ

مُتعثراً بينَ صوب وصوب

ألتفتُ الى يدكِ المغلولة،

أمسكي يَدي

أُخُوّةً

ليسَ تلكَ اليدِ التي توقظُ الارانب َ في الليل ِ

ليسَ تلكَ التي تهصرُ البرتقالَ النبيذ

أمسكيها

رايةً بيضاءَ

نافضةً بعد حروبها

كلّ غنائمها السُود ..

أمسكيها أخوّةً

يمامةُ الوداع

 

إن هذا العاشق الذي تئن حروفه الغزلية صراخا خفيا حينا، ومدويا أحيانا، يجر مأساة قلبه بصبر غريب، فهو يعترف بأنه ليس أول من ذاق مرارة الفراق، ولا أول من تناثر خريفا في أرض العشق، لكن" قلبه يسبقه للساحة يعدو .. ويهرول " لكنه يستدرك ان " قلبه الريشة لم يبتكر الى ألان جناحه " و ينشد ففي وضف ذالك بالمقطع حين يقول :

قلبي يسبقني للساحة

يعدو

ويهرولُ

يحتفلُ ويخجلُ

كنتُ اظنُّ الظنَّ الزين َ باهلِ الساحة ِ..

قلبي

يسبقني ويحوقلُ !

لا حولَ ولا قوّةَ الا بالخيل

فقلبي الريشة

لم يبتكرَ الى الانَ

جَناحهْ..

ذاتَ دفترٍ عتيق

لقد شَرَّحَ الشاعر مشاعره في هذا النص، الذي رأيت فيه رحلة لكبار العشاق، وأنا أتنقل بين سطوره الشعرية السردية، لأجد في زواياه غطاء أسود يلطم خد البياض، وكأن الشاعر في غرفة منعزلة لا يسمع فيها غير نبض العشق يتموج في ساحاته النفسية، حيث يعلو صداه حطام القلب، محاولا قراءة اوراق دفتره العتيق، لكنه حين يتحدث عن البلاد المنفى ويحرف موجوع على فراق الاحبة

فانه يصوغ فلسفته حين يقول (المنفى ليس هنا ... المنفى ليس هناك) بل المنفى في الروح :

ما غادرتُ بلادي ابداً

ما غادرتُ المنفى

ذاكرتي غائمةٌ بالنُدفِ البيضِ

وما يسّاقطُ منها

تأبينٌ لمكانٍ غادرني

او لزمانٍ غادرتُ،

وما بنثيث المطرِ

تخبُّ خطى أِنسان

ويستكمل قصيدته الجميلة عن الوطن المنفى و المنفى الوطن فيقول :

موتٌ في المنفى

او موتٌ في المنفى

هذا قَدَر ُ المنفردينَ عن القطْعان ْ

نتركُ كالعطر ِ مكاناً

لا تبصره   عينان

ونغيبُ

وتمحونا خطوات المدن الظالمة

وأيّ المدن،

اذا كنتَ حزيناً وحيدا،

تُجْبر خاطركَ المتهشّم

بضمادِ السلوانْ ؟

المنفى ليس هنا....المنفى ليس هناك .

في كل قصيدة من قصائد الشاعر" ابراهيم البهرزي " كنت ألمس جمال فني يرصد تناقضات النفس في العبور نحو حقيقة تجمع فوضاه الداخلية، والتي كانت مرآة تنقلت بين زواياه رقيقة حينا، وحائرة أحيانا، بين مَدِّ الخوف من الفراق، وجَزْرِ الاستسلام له بكبرياء. وتلك هي قدرة الشاعر الجبارة في نقل القارىء من حال إلى حال ..؟؟؟؟. تبدو الذات المائرة المترنحة المثقلة بكل رغباتها وإحباطاتها في قصيدة : " في الغابة ثمة من يحبك " للشاعر أبراهيم البهرزي و المنشورة في الحوار المتمدن-العدد: 4245 - 2013 / 10 / 14 - 13:28 -) ذاتأ تعكس

القلق والتوجس والتخبط، وتطرح السؤال الوجودي العميق عبر عالم من الرموز يهدر بهذا الترنح والقلق، فينتصب الغبار رمزا للرغبة والحقيقة المتعالية، وهو أيضأ رمزا والتشظي والانفصام، وهي تيمة تتوارد في العوالم الشعرية بكل إصرار وعناد في نصوص هذا الشاعر، هكذا يبدأ السطر الآول : " ولستُ تائهاً حدَّ الغبار "، بتركيب إنشائي مزدوج يفتح أفق حوار يحاول الشاعر أن يجعله متكافئا بتجريد الثوابت من تعريفها ولذا نجده يتحرك في محور التعاقب و ثنائية

متوازية لروح النص الشعري ألذي تشكله تيمة ألحزن، ففي الأسطر الأولى يستهل الشاعر قصيدته بوصف الحزن التي يتناوله بطريقة شفافة ويصفه الى حد العتمة، فيكاشف القارئ بشرارة المعاناة التي انطلقتْ بمناداته رفيقة دربه التي

تملأ خياله، وتسكب أيام عمره الحزينة بكأس الشجون، وقد عبّر عن هذا الحزن المسكوب والمصبوب بقوله :

لستُ حزيناً حَدَّ العتمةِ ....

شجرُ الحور الاكثرُ حزناً

أخضرَ

أخضرَ كالضحكِ،

ريشةُ الغرابِ مُبلّلة بالندى أيضاً،

هل قلتُ انَّ الشمسَ اكثرُ سطوعاً في السواد ؟

تقولينَ :

انَّ الغابةَ اكثر أتّساعاً من الحقيقة

وأنَّ غموضها اكثرُ وضوحاً من دهشتكَ

وانتَ مثلَ الريح لا تعرفُ ما تريد ...

وإذا تأملنا المقطع الثاني من القصيدة " في الغابة، ثمة من يحبك " وجدناه لا يخرج كباقي الأسطر عن الغوص في ذلك العالم اللامحدود من الرموز المجسدة لذات قلقة مترنحة، ذات يصبح (حد الغبار) فيها المفارق للمعني المحدود حقيقة لها بكل ما يعنيه من فراغ أو قلق أو عجز أو شطط أو مأساة أو انكماش أو تلكؤ أو ضجر أو... أو بالأحرى حين يصبح الموت رمزا للشاعر بكل أثقاله (وانَّ السوادَ نفسهُ وشاحُ الخيانةِ)، وهكذا تصبح الخيانة فعلا مزدوجا من أفعال وسلوكيات مرفوضة و له لون واضح الي يسلب ارادة الانسان !!

هل قلتُ انَّ اطواقَ الورود والمراثي سخريّة مُرّةً

وانَّ السوادَ نفسهُ وشاحُ الخيانةِ

وانّ الارادةَ نفسها

بجعةً كسيرةُ الجناحِ

مرةً تضرب الماءَ

واخرى يضربها هو

في عراكٍ غير عادلٍ .؟....

أريدُ الطريقَ الذي لا يمرُّ به الليلُ

حانياً على ذلك الحيوان الضاري،

من برعمِ وردةٍ يندفع احياناً

أو شَقٍّ صغيرٍ في الجذوع المتعفنةِ

حيوانُ الجزعِ الذي لا يُرى

بمخالبهِ الناشبة ...

          ولم يكن الاحتفاء بالسير الإنسانية، في أغلب قصائد البهرزي، بعيدا عن الاحتفاء بالمكان، كفضاء للاحتواء والاحتماء، داخله تعبر حالات ومشاهد وتفاصيل حياة، تعكس بصورة من الصور، قلق الإنسان في مساره اليومي ودرجة وعيه بسؤال كينونته ووجوده. هكذا تحضر بغداد وبهرز وبعقوبة وتحضر المقاهي والاصدقاء والأنهار ومحطات القطار، وتحضر أمكنة أخرى، هنا وهناك، تختزل لحظات شعرية وإنسانية منفلتة من ضجيج العالم، تمكن الذات من الإنصات إلى ذاتها والإنصات إلى الآخر على انفراد.

(إبراهيم البهرزي).. شاعر عاصر جيله كل تحول حاد وعنيف في الفكر الإنساني.. حيث ولد عام (1958م)، وما تلاها من عواصف انقلابية في سدد الحكم العراقي، ومن تبديلات دموية قاهرة.. شاهد عيان، حصيف محايد.. يكشف أوراقه الشعرية بمقدرة لاعب محترف، مقتدر بايصال كل ما يريد إيصاله وفي" منكشف للريح أنا" يستذكر رفاق دربه و وندماء مسراته :

هل أبكي يا بعقوبة شط خريسان؟(سفينة نوح) ؟ ضحك (مؤيد سامي)؟ سرد (كريم بن حسن) ومزاح (منير)؟.. هل ابكي غيبة (محيي الدين) وهجرة(ظاهر شوكت)؟ ميتة (ياسين النجار)

قتيلا قرب النهر؟ دماء (السعدي فائق) في باب المنزل؟ صوت (العزاوي فاروق) أبي وأخي؟ ضحكة (أحمد خالص)، سعي (أبا نوار)الدائب بين المكتب والبار؟ (كريم)؟ (سعد)؟ وخطى (لويس)؟ أأنسى صيحة (نوح) .

وهو ينادي

يا أولادي

السكر هدوء وسكينة..

صمت

سيجيء مفرقنا يوما

ويصير تراب الغرفة هذي

من أغلى الأحلام!

صدق الله و(نوح) وكل الشهداء

تفرقنا حقا

كالأيتام...

-- (سفينة نوح) مرثية عمر لن يضحك بعد، المجداف انكسر وحامله مذبوح القلب،--

فكثيراً ما ينطرح التساؤل حول الشعر : ما القضية / الهمُّ الذي يفرض نفسه على تجربة الشاعر؟ ولعل القضايا كثيرة بجُنَّزها وخُنّاقها، وما أرخص القضايا المعاصرة في عالم يبدو الآن بغير قضية، وما أفدح القضايا التي تخنق نَفَسَ الشعر والفن معاً؛ لتطفر على وجه الشاعرية كالدمامل والبثور، أو ربما كالشعارات الجوفاء فوق واجهة الحدائق .. ربما لذلك تتنحى تجربة البهرزي عن هذا الطريق لتفاجئ الجميع من الخلف بقضيَّةٍ لم يعد يلتفت إليها أحد، تلك هي القصيدة نفسها .. هذه الومضة -- النموذج الجمالي البكر الذي يُحَمِّلُ الجميع على كاهله ـ رغم رهافته ـ أوزار عصرٍ بربريٍّ يرى في أزيز الطائرات وهدير المدافع شاعريته، وفي السقوط الاخلاقي و الفكري و ربما لهذا هو شاعر الوجع ومدفعٌ السخرية أو .. ربما لهذا ـ بين الرصافة والجسر ـ عيون المها تجتر آلامها؛ وأيامها، ومابين بهرز و بغداد والمسافة بينهما حقول ألغامٍ وساحات من الفوضى، وألاعيب ساسةٍ محترفين، وكثير من صفاقات القوانين، وأصداغ المحللين كيف نجتاز المسافة الملغومة إذن إلى عيون المها ؟ كيف نجتاز المسافة والمسافة صاخَّة بصراخ النائحات والثكالى؟ .. كيف نَـعْـبُرها إلى هناك، حيث القصيدة في عيون المها، نسحبُ انكساراتها، ونبسم فيها من روحنا روحَ الحياة؟ .. كيف وأرواحنا متعبة؟! .. ربما أن الشاعر وحده قادر على اجتياز المسافة مثلما أن روحه قادرة على أن تعيد لنا ما قد فقدناه؟؟ ترى كيف وجدت شاعرنا " البهرزي " بعد غياب ثلاثين عاما او أكثر ؟ وجدته و كأنه لم يفقد شيئأ بعد، وجدته بروحية شعرية هادئة !كيف بدا قادراً على أن يعيدنا إلى عيون المها، أو يعيدها إلينا بكل هذا النقاء و بكل بكارة الحياة و طزاجتها و سحريتها، لتبدأ عيون المها ـ كسابق عهدها ـ في قتلنا من حيث ندري ولا ندري !!

القارئ لقصائد الشاعر (ابراهيم البهرزي) يدرك تماماً أن القصيدة نفسها هي همُّ الشاعر الأول، وهي قضية القضايا بالنسبة له .. كيف تبدو مدهشةٌ ببساطة تراكيبها، واعتيادية مفرداتها، بل كيف تبدو طازجة و هي ترفل في جماليات

شكليَّةٍ آسرة ؟ .. كيف أنها مراوغة بلغتها بين الوضوح والغموض، وكيف أنها تحمل قدراً من التخييل الناتج عن التوسع في استخدام المجاز اللغوي، و مقدرة من سحرية اللغة التي تكتسب من خلال عملية الانتقاء والجمع والتوليف طاقةً إيحائية بالغة ؟ كيف أنها تَعْبُر الظاهر الاعتيادي إلى عوالم سحرية ساهِمة؟

أما وقد أبحرنا مع تجربة الشاعر (أبراهيم البهرزي) بشكل عابر و سريع، بغرض إضاءة الطريق نحو تجربة ثرية متسعة، لها كثير من الخصوصية والحضور، إلا أن ذلك لا يجب أن يخرج عن غرض الإضاءة الممهِّدة لدراسات أكثر تركيزاً على كافة الجوانب الفنية و التجربة الشعرية للشاعر " أبراهيم البهرزي "

 

الكاتب: علي المسعود

كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة

............................

من قصائد الشاعر (ابراهيم البهرزي)

لم يعد في البلاد ثمّة ورد

 

خُذ   طوق ورد منّي أيّها اللئيم

ضَعْه حيث تقترح شهيدا

لقد تعبت فيك ولم أجد أحدا منهم...

مَن الشهيد ؟

أيّها اللئيم   بألف   راية   مُفترية   ونشيد

يا ساقي الخديعة في حانة الغُرِّ المندهشين

شَربناك صَبوحا

وحين داهمَنا المساء اقْتَتَلنا

واستشهدنا برعونَتك ...

حشد من شعراء الزور يطوفون بالخيل على أضرحتنا

ينشدون الشهادة

تلك التي منها يهربون...

كانت حقول الشهداء أوسع من سماءك

حتى انَّ مطر الدم ليفيض الى حقول مجاورة

حتى لكأنّك تَستولد الامّهات شهداءا بالدَيْن

من تاجر يسلّم صكوك الوفاء به لتاجر

وما وفاء الجميع غير الوعيد....

خُذ طوق ورد منّي لتلك الارملة

التي صَدّقَت أنَّ البلاد تنحني لها

لتجد نفسها علامة على معراج الصَدَقات

خُذ طوق ورد منّي

ليديها

للقمامة

للتي أدركت أنَّ ما من شهيد بهذي البلاد،

خلا المشهد الّا من حوار طويل

بين باعة الحماسة الذين لا يستشهدون

وشُراتها الذين يقتلون بعضا ً

حوار طويل من الشعر والاناشيد وبقيّة الاوبئة التي تقعقع في الجيوب

مثل خُردة القوّاد...

لم يعد في البلاد ثَمّة ورد

كلّنا الشهداء الحمقى نحصد حقول العوسج ِ

لنُسَوّر أضرحتنا ...

بعد الشهادة لا زلنا نرى

شهيدا مسعوراً يتناوش شهيدا،

الحماسة لم تنتهي بعد فناءنا

طالما انَّ تاجرا وشاعرا أفلتا من مراسيم الشهادة العموميّة .....

لم يعد في البلاد ثمّة ورد

ولم يعد في البلاد شاهد عَدل

على خصام شهيدين

غير الشهيد .

 

القصيدة نشرت في : الحوار المتمدن-العدد: 4346 - 2014 / 1 / 26

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2949 المصادف: 2014-10-02 23:27:15