المثقف - قراءات نقدية

قراءة في نصّ سرّ الدّهشة لمادونا عسكر

في سبيل الدّهشة الأولى .. صعودا من مقبرة العالم واللّغة إلى قلب الله والقصيدة الممتنعة...

سرّ الدّهشة ... / مادونا عسكر

 

حالات الصّلاة أربعٌ:

الأولى،

سجودُ العقل عند إشراقة المعرفة

على وقع خطرات العشقِ

وعشقٌ يخطف القلب من مكر الحكمة...

كلامُ للحبيب رهيفٌ

إلى مسامعه يُزفُّ بحرارة وتؤدة...

يرنو إلى أسرار قلبي صامتاً

ينصت لارتعاد النّبض في حناياي...

حبيب يصغي ومحبوب يتكلّمْ...

سماء أبوابها مُشرعة على همساتي...

الثانية،

همس الحبيب لي بأناة الآلهة

يُدخل العقل في سرّ الدّهشة

يداعب القلب بلمساتٍ الرّأفة...

على قيثارة روحي يعزف أشعاره العليّة..

ألحان فرح، إلى غابات النّور ترفعني...

الحبيب يتكلّم والمحبوب يصغي..

فأنّى لنهىً بعدُ أن يبحثَ أو يجتهدَ؟

وأنّى لروح أن يحزن أو يكتئبَ؟

الثالثة،

صمت مهيب يضرم سرّ الحضورْ

عبرات تسرّ العينينْ...

قرابين غبطة لمن ليس مثله في الوجودْ...

قلب من شدّة الحبّ يثملُ...

يرتمي في أحضان الحبيب الأوحدِ...

يستزيد حبّاً ولا يشبعُ

يستقي من منهل العذوبة ولا يرتوي...

حبيب في عينيّ ينظر ويسعدُ

وأنا جلاله أتأمّلُ...

وروحي في جسدي يتراقص ويختلجُ...

في حضرة السّماء أنا..

وأنوار السّماء تهلّ من أجلي...

مقدّسة أنا في عينيه..

وهو الّذي هو، إليه يرفعني ويضمّني...

الرابعة،

حضور كالأبد، لا يحُولُ...

حبيب صامت، ومحبوب صامتُ

ما الحاجة إلى الكلام والحضور يقول ما لا يقالْ...؟

ما معنى الكلمات والحبيب هنا وأنا هناكْ...؟

على ذرى العشق هيمى أنا..

وأنهار ماء حيّ تفيض من العلا...

حضور يرمي بي أبعد من الرّؤى

يفرغ النّفس منّي، من كلّ شائبة

يسكنني ملء قلبي...

حبيب أنا ومحبوب

محبوب هو وحبيب...

ليت شعري... هل أقول شعراً بغير ذي الحروف

فيبلغ كمال الوحي سرّ قداسة...؟

 

 

إذا صلّيت أصلّي في مخدعي

حيث الحبيب كله لي وأنا لهُ

أعانق حالة رابعة

في صفو الحبيب تصطفيني

أسجد بالعقل والرّوحِ

أصلّي حبّاً ولا أكتفِي بالعبادة...

أنظم قصائد حبٍّ

على مسامع الحبيب أنشدها...

شاعرة أنا في مناجاتكَ...

فالشّاعر قدّيسٌ

من وحي الله يكتبُ ويترنّمُ

وعلى صفحات الكون يخطّ أشعاره ويتلو...

 

•القراءة:

للشّاعرة العاشقة قدرة مدهشة على توليد المفاهيم وإعادة ترتيبها بشكل نسقيّ يجعل بعضها يبرز لينبني عليه كلّ نص جديد، فتتآلف وتدور في فلكه المفاهيم الأخرى..وهي في صياغة تلك المفاهيم شعريّا، لا تستعيدها أو تستعيرها بقدر ما تعيد تأسيسها بما يتلاءم ونسقها الفكريّ /الرّوحيّ الخاصّ، حتّى وإن كان ذاك المفهوم من أعرق ما عرفه التّراث الإنسانيّ ..ولنا في مفهوم " الدّهشة" ما يؤكّد الديناميكية الشّعرية /الروحية التي تعيشها الشّاعرة، وتتيح لها أن تنتج نصوصا جديدة باستمرار..

وحين نقرأ هذه القصيدة تتراءى لنا نصوص في "الدّهشة" قديمة، نحاول بها أن ندخل كون هذا النص، فنجد فيها بعض المفاتيح، لكنّها لا تفتح مخازن أسرار الدّهشة فيه، لأنّ الشّاعرة لا تكتب غيرها، بل تكتب ذاتها، ولا توقع الحافر على الحافر، بل تسير في سبيل جديدة، فتصوغ دهشتها هي، لا دهشة الفلاسفة أو المتصوّفة أو الشّعراء أو القدّيسين أو الأنبياء.. وهي، وإن استلهمت أو أخذت ، فإنّ ذاك لا يكون إلاّ للتّجاوز وإعادة التأسيس..

وأبرز ما تمتاز به في هذا النص أنها اتّخذت "الدّهشة" منطلقا وغاية، محرّكا منشئا لحركة في سبيل الوصول بل الارتقاء إلى حال، وإن شئت إلى مقام من مقامات العشق والعرفان..

وهي أيضا، نعني الدّهشة، موقف من العالم وما وراء العالم، ومعيار لتصنيف المعارف وبيان منزلتها في وجود الإنسان، وهي أيضا نواة لنظريّة شعريّة، وإعادة قراءة للدّين باعتباره منظومة من المعتقدات والطقوس وشتّى ضروب العبادة..

وحين تقرأ القصيدة تتبيّن أنّ الشّاعرة ترتقي بك ومعك من درجة إلى درجة، ومن مقام إلى مقام من مقامات الدّهشة، حتى تبلغ بك المقام الأعلى والأكمل لها..

وهكذا يكون النّصّ في الدّهشة والحبّ والمعرفة واللّغة والفكر والعقل والرّوح واللّه والصّلاة والعبادة والإنسان والقداسة والكون..هو نصّ في " كلّ شيء"..لأنّ الدّهشة واصلة بين كلّ الأشياء..ولأنّ فكر الشّاعرة نسقيّ في انسجام صارم بين مختلف مكوّناته..

وأهمّ ما تتجلّى فيه وبه هذه النّسقيّة جعلُها "الدّهشة" في درجاتها الأربع أحوالا ووجوها للصّلاة والعشق والتّواصل بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والعالم، وبين الإنسان والله..حتّى أضحت الدّهشة في النّهاية سرّ أسرار الكون ومبلغ الكمال الإنسانيّ المستعاد، وسبيل التّحرّر والانبعاث من مقبرة العالم والصّعود للحياة في مملكة الحبّ المطلق في قلب الله..

 

1) المقام الاوّل / دهشة العقل والصّلاة..الأرض تناجي السّماء

هي دهشة خارجيّة تتفاعل فيها عناصر الفطرة والاكتساب، فيها للحكمة حبّ وللمعرفة فضول وفي الكون والله حيرة تحتال عليها "الأجوبة الجاهزة " فيسجد العقل انبهارا بالفتوحات "العلميّة "إلاّ أنّ القلب لا يرضى ولا يقنع ولا يطمئنّ للحكمة الآسرة المانحة دهشة باردة جزئيّة زائلة زائفة:

سجودُ العقل عند إشراقة المعرفة

على وقع خطرات العشقِ

وعشقٌ يخطف القلب من مكر الحكمة...

ولئن استندت الدّهشة في هذا المقام إلى قاع روحي ونبض يهزّ حنايا الكيان، وإلى رغبة عميقة حارقة في كشف حجب كثيفة فاصلة بين المريدة العاشقة وموضوع إرادتها وعشقها، فلا مجال للتّعبير عنها إلا بالصّلاة " كلاما" محفوظا تردّده الشّفتان..ولكنّ الصّلاة ههنا تظلّ كلاما..وإن كان صادقا حارّا، فهو دون حرارة الدّهشة وحريقها الهائل المرجوّ..المتعالي على كلام يقال ويُسمع :

كلامُ للحبيب رهيفٌ

إلى مسامعه يُزفُّ بحرارة وتؤدة...

يرنو إلى أسرار قلبي صامتاً

ينصت لارتعاد النّبض في حناياي...

حبيب يصغي ومحبوب يتكلّمْ..

سماء أبوابها مُشرعة على همساتي...

ولا يخفى ما في هذا المقام من اختزال للتجربة الرّوحيّة الإنسانيّة في التّاريخ العامّ وتاريخ الأديان والمقدّس، حين كانت تتّجه القلوب والعيون والألسن إلى السّماء، متنقّلة مترقّية من دهشة إلى أخرى، توقا إلى دهشة أعظم وأكمل..هنا الإنسان منبهرا بالعجائب والخوارق وكل ما بدا لناظريه عظيما عليّا مستعصيا على التّفسير والفهم..هي الحيرة الأولى وبدايات التفلسف والتأمّل والبحث عن الله بين الكواكب والنّجوم والأقمار وما وراءها وفوقها..وهي الرعدة والشّهقة إزاء البرق والرّعد والريح والطوفان والنّار والقبّة العظيمة وبانيها ..ولكن الشّاعرة تكتب هذا التّاريخ باعتباره تاريخ عشق وارتقاء في مقامات الدّهشة. وهي في هذا المقام صاعدة داعية منتظرة لحلول الحبيب في العالم وقد طال غيابه عنه، وعظم الشوق إليه واشتدّت الحاجة ..

 

2) المقام الثّاني/ دهشة الوحي والصّوت.. السّماء تستجيب للأرض

ينبعث صوت الحبيب في هذا المقام من الأعالي وحيا وهمسا ونشيدا سماويّا، وصوتا مقدّسا يتنشر في الأرض ويبعث الدّهشة فرحا غامرا يهزّ القلب كما اهتزّ قلب موسى أمام النّار والنّور هولا ثمّ ابتهاجا: " أَبْتَهِجُ أَنَا بِكَلاَمِكَ كَمَنْ وَجَدَ غَنَائِمَ كَثِيرَة " (المزامير 119: 162)..كذا تحكي الشّاعرة العاشقة دهشتها وهي تسمع الحبيب أوّل مرّة، فتأخذها هزّة القدّيسات، وهي منهنّ، يبلغن " سرّ الدّهشة" ويصغين وحدهنّ إلى أناشيد وأنغام سماويّة ترفعهنّ إلى "غابات النّور.."..وهو ذا الحبّ عندها، لا يكون إلاّ لحبيب إلهيّ وإله حبيب، يأتي ليبعث في القلب الفرح المقدّس الأبديّ، فيقصر العقل عن الفهم والتّفسير، وتتحرّر الرّوح من سجن الحزن والكآبة :

همس الحبيب لي بأناة الآلهة

يُدخل العقل في سرّ الدّهشة

يداعب القلب بلمساتٍ الرّأفة...

على قيثارة روحي يعزف أشعاره العليّة..

ألحان فرح، إلى غابات النّور ترفعني...

الحبيب يتكلّم والمحبوب يصغي..

فأنّى لنهىً بعدُ أن يبحثَ أو يجتهد؟

وأنّى لروح أن يحزن أو يكتئبَ؟

 

3) المقام الثّالث/ دهشة الحضور والصّمت ..حلول الحبيب والحلول فيه..

تحدث في هذا المقام نقلة وجدانيّة عشقيّة وتواصليّة لغويّة شعريّة، فينفي الحضور الصّوتَ بانتفاء المسافة، وينعقد اللّسان ويقصر البيان عن وصف الحال، ويدخل القلب طور ما بعد اللّغة، وتعظم الدّهشة عن أن يحتويها اللّفظ، ويضحي الصّمت المقدّس لغة بديلا، وتنهمر عبرات الغبطة واللّقاء..وإذا القلب في سكر لم نر غير ابن الفارض سبق الشّاعرة في وصفه حين قال:

فلا عيشَ في الدُّنيا لمنْ عاشَ صاحياً ومنْ لمْ يمتْ سكراً بها فاتهُ الحزمُ..

والشّاعرة هنا في أشدّ الحبّ والخشوع والنّشوة والاغتباط والانتصار والانبهار..تقرّب الدّمع، وتستقي من "منهل العذوبة.." المقدّسة، فلا ترتوي، لأنّها لو ارتوت لماتت، وهي مريدة أبدا مطلق الظّمأ ومطلق الدّهشة، ليستحيل الكون سكرا وجلالا "في حضرة السّماء.."

صمت مهيب يضرم سرّ الحضور

عبرات تسرّ العينين..

قرابين غبطة لمن ليس مثله في الوجودْ...

قلب من شدّة الحبّ يثمل..

يرتمي في أحضان الحبيب الأوحدِ...

يستزيد حبّاً ولا يشبعُ

يستقي من منهل العذوبة ولا يرتوي...

حبيب في عينيّ ينظر ويسعد

وأنا جلاله أتأمّل..

وروحي في جسدي يتراقص ويختلجُ...

والدّهشة العظمى أيضا هي هذا الصّعود العظيم العجيب من طين الأرض إلى "أنوار السّماء" ومن مقبرة العالم إلى الحضرة العليّة..هي أن تكتشف الشّاعرة القدّيسة أنّها ليست " طينة فاسدة.." بل جوهرا إلهيّا يقدّسه ويعشقه اللّه، لأنّه منه، وإليه يأتي ليستعيده ويتّحد به، ويضمّه ويرفعه :

في حضرة السّماء أنا..

وأنوار السّماء تهلّ من أجلي...

مقدّسة أنا في عينيه..

وهو الّذي هو، إليه يرفعني ويضمّني.

 

4) المقام الرّابع/ دهشة الأبد وكمال القداسة... القصيدة الممتنعة واللغة المستحيلة...

هو المقام الأرفع الذي نزلت منه الرّوح، وإليه تعود لتعانق حبيبها الأوّل..وكان عليها أن تصعد سلّم المقامات درجة درجة، وتتحرّر من معايير العقل وتعاليم الأديان وقوانين الطّبيعة وأحكام الجسد، وتتنقّى من كلّ الشّوائب لتستعيد طهرها الأوّل، وتفرغ من كلّ شيء إلاّ من الحبيب يكون ملء القلب، ويكون لها وتكون له أبدا، كما كانا قبل البدء وقبل التّكوين، واحدا في سكون هو الأزل ..حضور وتوحّد وتقدّس أعلى من اللغة والعقل والفهم:

حضور كالأبد، لا يحُول..

حبيب صامت، ومحبوب صامت

ما الحاجة إلى الكلام والحضور يقول ما لا يقالْ...؟

ما معنى الكلمات والحبيب هنا وأنا هناكْ...؟

على ذرى العشق هيمى أنا..

وأنهار ماء حيّ تفيض من العلا...

حضور يرمي بي أبعد من الرّؤى

يفرغ النّفس منّي، من كلّ شائبة

يسكنني ملء قلبي...

 

إذن فذروة الدّهشة هي بلوغ ذروة ذرى العشق، والاتحاد الأبديّ بين الحبيب والمحبوب، والخروج النّهائي من ثنائيّة الإنسان والله، وبلوغ مرتبة القصور الإشاريّ الإحاليّ المرجعيّ..ليبقى للّشّاعرة العاشقة القدّيسة دور واحد، وهو أن تبتدع اللغة المستحيلة، وتحاول كتابة القصيدة الممتنعة..لأنّ كلّ ما قالته وتقوله ما هو إلاّ صعود أو خروج إلى هذا الصّمت الشّعريّ العشقيّ المحتاج أبدا إلى حروف غير الحروف :

ليت شعري..هل أقول شعرا بغير ذي الحروف

فيبلغ كمال الوحي سرّ قداسة...؟

وبذلك تستقرّ الشّاعرة في هذا المقام الرّابع منصتة إلى الوحي الإلهيّ الذي يتلقّاه القلب، ليكتب ويترنّم بما لا يقال، لأنّ " الحضور يقول ما لا يقالْ..." ولانّ الشّاعرة القدّيسة بلغت " أرض السرّ" ودخلت مخدعا لا يضمّ سواها هي والحبيب، وفيه تصلّي وتنظم القصائد، وتنشدها الحبيب " قلبا لقلب.."

إذا صلّيت أصلّي في مخدعي

حيث الحبيب كله لي وأنا لهُ

أعانق حالة رابعة

في صفو الحبيب تصطفيني

أسجد بالعقل والرّوحِ

أصلّي حبّاً ولا أكتفِي بالعبادة...

أنظم قصائد حبٍّ

على مسامع الحبيب أنشدها...

شاعرة أنا في مناجاتكَ..

فالشّاعر قدّيسٌ

من وحي الله يكتبُ ويترنّمُ

وعلى صفحات الكون يخطّ أشعاره ويتلو...

ومن بلغ " أرض السّرّ " عاش الدّهشة المقدّسة ونجا من " مقبرة الأبجديّة.."..ولبلوغ أرض السرّ لا بدّ من جناح..لأنّ هذه الأرض بعيدة وعالية...

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2954 المصادف: 2014-10-07 23:02:41