المثقف - قراءات نقدية

زوايا مضيئة في "صورة ملونة لشاعر"

thamer ameenغالباً ما تأتي بواكير التجارب الإبداعية وهي مشوبة بالضعف وعدم الوضوح في الرؤية، وهذا أمر طبيعي، فالبدايات لاتأتي واضحة المعالم ولا تبلغ النضج الا بعد شوط من الجهد والمثابرة ، ولكن ما قرأته لعلي عبد الزهرة في ديوانه (صورة ملونة لشاعر) وضعني امام استثناء لما تقدمت به، فقد وجدته خطوة شعرية شابة، واثقة، تدرك مهمة الشعر وتمتلك مقومات الانفراد بصوتها الخاص، وذلك من خلال ماطرحته مجموعته البكر من قصائد اتسمت بصفاء اللغة وتنوع الموضوع، وقدرتها على الأخذ بالقارئ الى فضاء التأمل في باطن النص وليس الأخذ بظاهره، فهي تستفز فيك الأسئلة منذ اول قصائدها (اجتياح) التي تقف أزائها حائراً ومدققاً في هوية الطارق الذي يمر على ابواب البيوت وبالتالي يقتحم الباب الذي يريد :

         رأيته يطرق ابواب البيوت ـ كلها ـ

          واحدا بعد الآخر

         وحين لم يفتح له أحد

         عاد الى بيتي من جديد

           كسر الباب

           ودخل

فهذا الطارق لايمتلك ملامح واضحة ومحددة، فهو قد يمثل القدر الذي لافرار منه او الوقوف بوجهه، يقتحم عالم الجميع ويختار طريدته دون إذن من أحد، واالاستفزاز هذا نلمسه ايضا في قصائد (الدمية المسحورة )، (طريق النمل )، (الأحلام المضيئة ) التي تؤكد انها قصائد غير مباشرة فهي لاتتخذ من الوصف هوية لها ولاركيزة لبناءها، بل انها تعتمد على عنصر الدهشة واثارة الاسئلة وسيلة للمرور الى قلب ومخيلة القارئ، هي عالم يبدو صغيراً لكنه مكتنز بالدلالات :

         الأشجار المسنة تتهامس

         الظلام حل

         لكن فأس الحطاب

           مازالت بين ذراعي

         شجرة التفاح الصغيرة

كما يكشف الشاعر في قصيدة (ايقاعات خفيفة ) وقصائد أخرى انه يقف على ضفة شعرية غير رخوة، بل فيها من الصلابة ماتجعله مطمئنا للبوح دون قلق، ففي ومضاته الشعرية تجده يمنح الكثير بالقليل من الكلمات :

           لكي تسن القوانين يجب ان تملأ

           الدواة بالدم وتشحذ الاقلام بالسيوف

               ....

           لكي نضمن الآخرة

           نحتاج الى اكثر من حياة

             .....

           في السياسة والطبخ دائما

           نحتاج الى الوقت الكافي

للوهلة الأولى تبدو هذه الصور بكلماتها القليلة صوراً بسيطة، لكنك حينما تغور في عمق النص تكتشف انك تحلق في فضاء من الحكمة ونضج البصيرة، فدلالات الزمن وأهميته جلية في هذه النصوص القصيرة .

و يتكرر رهان الشاعر "علي عبد الزهرة "على حضور القارئ اللبيب الذي يأخذ بباطن النص حيث يعود في قصيدة (الشك واليقين) الى ذات الايقاع، فلا يمكن ان تندرج هذه القصيدة تحت باب الوصايا كما تبدو في ظاهرها :

           قبل ان تقرأ الرسالة

           تأكد بأن جميع الأبواب مفتوحة

           .... .....................

           ..........................

           بعد ان قرأت الرسالة

           تأكد بأن جميع الأبواب مغلقة

           ..........................

           ..........................

ومن الطبيعي ان تلقي بظلالها تجربة كبيرة مثل تجربة الشاعر محمد الماغوط على شعرية شابة فنجد قصيدة (شراكة) تقترب من منطقة الماغوط عند خوضها موضوعة غياب العدالة في توزيع الأرزاق :

       هو ينسى الفرض وأنا أتلقى الصفعات

         هو يقطف الأزهار وأنا اقطع الحطب

         هو يرتدي القفاز وأنا أجمع الصقيع

كما يبث الشاعر بعض رؤاه من خلال انسنة الكائنات والظواهر وتوظيفها في سياقات شعرية جميلة فهو يستنطق الطير والنهر والغيوم والنجوم والزهور في محاولة للكشف عن تقاطع الرؤى في شأن بعض القيم الراسخة مثل التضحية والايثار والجدوى من استمرار البذل والعطاء التي نجدها واضحة في قصيدة (حديث الزهور ):

       قالت زهرة الجوري

       لجارتها زهرة الياسمين

       ان حياتنا بائسة نحن معشر الزهور

       لقد مللت عطري ولوني

       وانتهاك حياتي بإنوف الغرباء

كما تظهر الأنسنة ايضا في قصائد (غيوم متفرقة)، (النهر)، (بعوضة) و(ومضة) التي يجعل فيها من حياة النجوم حياة آدمية تنتهي بالانطفاء مثلما هي حياة البشر بعد سنوات من الكدح والتعب والعناء :

         وهي تسبح بين المجرات

         أحست فجأة

         بالتعب والارهاق

         لذا قررت ان تتوقف

         وان ترتاح قليلا

         ذرة الضوء

ان (صورة ملونة لشاعر) مجموعة شعرية شابة تجدد الثقة بقدرة الشعرية العراقية على مواصلة العطاء وتقديم الجديد الضامن لديمومتها وألقها .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2959 المصادف: 2014-10-12 13:25:50