المثقف - قراءات نقدية

يحيى السماوي وسيدة الخلق طرا

wasim bunyanفي مجموعته الجديدة "أنقذتني مني" يعاود يحيى، كدت ان أقول يوحنا!، لعبته الاثيرة: ترميز الانوثة بما يجعلها تتبختر بعري طاهر. ما ان نستنطق العنوان المستحيل / بدونها، حتى يتجلى مفرطا بمبالغته ان لم نع من هي تلك التي انقذته. هل يمكن الإنقاذ من "الانا"؟ وكيف لاحد ان ينقذ اخر؟ الا ان كان هذا المنقذ يملك المعجزات ومتمرس في فن الإنقاذ. انها، المنقذة، تبدو كشيخ لانظير له في انتشال الغارق من مكائد النفس وطرحه على ضفة الكشف. والا " من سلك بلا شيخ فشيخه الشيطان!" بتعبير مأثور صوفي. حسنا اذن نفكر في مريم العذراء، لهذا اللقب دلالته بالنسبة لعنوان المجموعة سيتضح قريبا، وللتفكير في ذلك عدا مغزاه الذي سيساعدنا في كشفنا عن انثى السماوي، التي هي وبلا غرابة انثانا جميعا ف " هي هي ولكنها غيرها"، مستند من رحم النص ذاته، وفي هامش النص الأول تحديدا إشارة صريحة للكلمة / لعيسى المشتبه في قتله حسب النظرة القرآنية.

/ ما اذكره ان حريقا بارد النيران

شق البحر...

صار الموج عشبا

طلعت من بينه حورية

تلبس فستانا من الورد

عليها هالة ضوئية ...

او ربما شبه لي *

 

سحبتني

من سرير الساحل الرملي

نحو الموج

فالقاع

فخدر حوله نهران

من خمر بتولي حلال كالندى ..

والعسل / ص 6 و7

السطر الأول يتناص مع قصة موسى كما في التوراة / القرآن وهو تناص يشعرن معطيات الأسطورة في الكتابين والنقاط الثلاث في محلها تماما فهي تغطي التاريخ التالي لحادثة شق البحر ومن ثم وبعد ان يصير البحر عشبا تطلع من بينه حورية، لقب اخر سنعود له قريبا وكذلك وصف الخمر بكونه " بتولي "، اذن فالتفكير بمريم يهمس به الشاعر بعمق وهو ينثر مفاتيح اللغز، لغز انثاه التي انقذته منه . م المراد اذن من هذا الهمس ؟ وما علاقة مريم العذراء البتول الحورية بأنثى يحيى ؟ سنؤجل ذلك الآن ولنتابع إشارة أخرى بذات القصيدة / النص .

/ صرخت بي: " هيت لك "**

فاخلع قميصا

إنك الان بخدري! / ص7

عودة للوراء لأنثى ثانية، تتناقض صفاتها والصفات المريمية بالكامل، وما يجمعهما سوى شيء واحدا هو مغزى الانوثة التي يرمزها السماوي ببراعة محترف. وقع الشاعر نصه البارع والمذهل هذا بعنوان اكاد اشطح وادعي انه أوحي به ليحيى! ولا عجب الم يوح الله للنحل؟ حمل النص الملهم عنوان لا يصلح غيره مهما ضربنا راسنا بجدار العناد انه " رغيف حلم في صحن اليقظة!" وعلامة التعجب رسمها الشاعر نفسه لعنوانه وليست مني . فرغيف الحلم هو يوسف بعين زليخا، ولعلها قرأته رغيف لحم ! وصحن اليقظة هي رحم العذراء الحاوية لعيسى!! فماذا بعد كل هذا الترميز المكثف والمبثوث بشعرية صافية لا تشوبها نئمه من غموض او ركاكة؟ ولنكشف الترميز السماوي الحاذق الذي اختزل تاريخا معقدا ومثقلا بالغموض والرؤى والاحلام والهواجس، بهذه الاناقة الشعرية الشفيفه : ابتدأ النص المذهل الذ نقلناه بالحريق البارد النيران ويتوجب علينا هنا ان لا ننس الحريق البارد الاقدم من هذا وهو حرق ابرام / إبراهيم الذي استحال لبرد وسلام ب "الكلمة " وبهذه الكلمة ذاتها شق البحر لموسى . ومن قبله أنقذ يوسف من نار السجن بإتيانه حكمة تفسير الكلم، وفاز بعشق زليخاه التي رأت في الصديق رغيف لحم خارج لتوه من فرن الاحلام . والمسيح / الكلمة صحن اليقظة التي لا تخمد، كما اننا نعرف ان الحواريون سألوا المسيح ان ينزل عليهم مائدة من السماء، دون ان يدركوا كما أدرك الشاعر هنا بان المسيح هو المائدة فعلا وراس المائدة خبزها!! هو من منح الحورية البتول " هالة ضوئية " وبلسانه أنقذ امه من تهمة باطلة. وان لقب العذراء والبتول والحورية تنطبق رمزيا على اللغة سواء بسواء لذلك أكدنا على هذه الصفات في ما سبق . مريم وزليخا رغم ما بينهما من تضاد الا ان كلتيهما احبت الكلمة حد التفاني مريم انتبذت الاهل والأحبة لتختلي بالكلمة التي ستنير حروف السلام، وزليخا هامت بيوسف المشرق بالتفسير . والاثنتان انقذتهما الكلمة في النهاية، لا ننس ان زليخا فازت بعشق يوسف الصديق في النهاية كما تقص علينا الاخبار ذلك . وفي النهاية لا يصعب علينا معرفة التي انقذت يحيى من يحيى . انها اللغة وما تحويه من كلمات سحرية لا يمكن لاي شيء اخر ان ينقذ الكائن مثلها . سأتوقف اذن عند ذلك المقطع الصغير الذي أوردته سابقا ولن اتخطاه لباقي القصائد . ففي كل نصوص السماوي الانثوية السابقة كان هذا السر المقدس يتنقل دون ان يستطع أحدا، حسب مطالعتي لقراءات عدة نشرت عن شعر السماوي، الكشف عنه وكنت قد التقطت مغزاه منذ مدة لكن صعب علي اثبات كشفي بما يتخطى الانطباع او الاستنتاج، حتى جاءت تحفة يحيى الجديدة هذه فأنارت لي السر دفعة واحدة وانقذت يقيني من ظني! هذه كلمة مختصرة عن مجموعة السماوي الجديدة " انقذتني مني " والتي تفضل الشاعر الكبير بإهدائي نسخة منها طارت من سماء استراليا لتهبط في الأرض المنخفضة " هولندا " وقد دبجها بإهداء ينم عن النبل والتواضع وهذا هو ديدن الكبار . المجموعة من منشورات تموز و مؤسسة المثقف العربي، جاءت طباعتها انيقة وزينت بلوحات للفنان حيدر الياسري . وهذه الكلمة مع اخريات غيرها عن قصائد السماوي سيضمها كتابي الذي سيكمل قريبا والذي عنونته " تحولات عشتار" وقد ضم دراسات شعرية عن الانثى في الشعر خاصة . ارجو ان اوفق في انجازه. وفي الختام ان في المجموعة هذه إشارات كثيرة وكلام أكثر الا أني سأتوقف عند هذا الحد.

 

................

* أورد الشاعر في هامش رقم 1 من ص 6 :" إشارة الى قوله تعالى في سورة ال عمران " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم "

** أورد الشاعر أيضا هامشا برقه 1 كذلك في ص7 : إشارة لقوله تعالى في سورة يوسف " وغلقت الأبواب وقالت هيت لك "

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

لله درّك ياصديقي الشاعر والناقد القدير ... أضأت بقنديل بصريتك غير المرئيّ من مفازاتي ، فأنعمْ بك دليلا لي وأنا أغذ المسير نحو القصيدة الإنسان ومدينة العشق الكوني .

أنحني لك شكرا وتبجيلا .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

وشكري موصول لك يحيى السماوي الجميل ، انها لمتعة حقا ان يسبر احدنا اسرار القصيد بهدي من سراج الشاعر . للاسف وقعت في هذه الكلمة اخطاء في النحو لابد وانك لاحظت ذلك ، وما ذلك الا لاني كنت مبهورا بمتعة كشفي ، وحينما اطبع لااكون مركزا على الاملاء ، وتعلم كم هو ممتع كشف الرمز، انه بالنسبة لي متعة عقلية لاتضاهى دم بخير وسلام

وسيم بنيان
This comment was minimized by the moderator on the site

الرموز القرآنية في شعر السماوي صفة أصيلة. و معها صفة تواتر أسماء أحيانا لا يعرف عنها القارئ شيئا. و بين الرمز و الاسم المتعين يلعب السماوي بتراكيب تكون أحيانا متكررة و في كثير من الأحيان مبتكرة.
لا أشك لحظة أن السماوي يتحول مع رفاقه الشعراء الآخرين الذين بلغوا العقد السادس من العمر لظاهرة تستحق المتابعة .
انها طاهرة جيل من الشعراء المتقاعدين ( بالعمر) المستمرين بالتحديد و العطاء..

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2964 المصادف: 2014-10-17 22:54:04