المثقف - قراءات نقدية

التحولات في رواية (الحكاية من الداخل) لبرهان الخطيب

saleh alrazukمنذ فترة وبرهان الخطيب يراهن على الشكل الفني وليس على المضمون. ولا أريد أن يفهم أحد أنني أضعه في زمرة الدعاة للفن من أجل الفن أو البرناسية. بالعكس فهو مسكون بتقاليد ما أسميه روايات سايكس بيكو ٢، التي تتحدث عن حروب مفتعلة، وهدفها الوحيد جباية الغنائم وتوزيعها.

وفيما أرى يقف وراء هذا الأسلوب الصعب والغريب رغبة بالتفرد. وأن يكون شيخ طريقة يلعب في الميدان وحيدا.

لقد اختار برهان الخطيب لنفسه غرفة لا ينازعه عليها أحد، كي لا يضيع في زحام سوق الرواية، الذي يشهد فائضا في الكم والنوع، ولا سيما في مجال موضوعات حروب الخليج ومداخلاتها. لقد ألهمت هذه المشكلة الأدباء على جانبي المحيط. غير كيفن بيري وجون أبدايك من أمريكا تنافست في منطقتنا أسماء هي أشهر من نار على علم، وعلى رأسها في لبنان فاتن المر، في الكويت إسماعيل فهد إسماعيل، وفي العراق نجم والي وسنان أنطون وعلي بدر، إلى آخر هذه القائمة..

***

إن من يتابع مجمل أعمال برهان الخطيب سيفاجئه حتما التركيز على بناء الرواية وتركيب الجمل وتتابع الفقرات.

ولا يوجد جديد في هذا المجال، لقد كان منذ بواكيره يميل لطرف واحد من المعادلة.

إنه يزدري المضمون الفاسد لهذه المرحلة ويدعو للامبالاة وللانطواء على الذات والاهتمام بعالم خيالي تصنعه بيديك. وعن ذلك يقول الراوي لزنيله في نهاية الرواية: دعنا بلا أدب بلا دين بلا ثقافة. ويضيف مباشرة لتبرير أسبابه: عموما آدميتنا ناقصة (ص٢٤٧).

و لمزيد من التوضيح أرى أن برهان الخطيب، في كل رواياته، يلعب بالشكل والأسلوب.

- إما أنه يحول الخيال لمونولوج داخلي بلا فواصل ولا نقاط، بمعنى من غير محطات استراحة كما في (ضباب في الظهيرة). حيث المونولوجات تتفرع وتلتقي دون تقسيمها لمناظر ولا مشاهد على الطريقة المعروفة في بناء الرواية.

- أو أنه يرسم لوحات منفصلة ضمن إطار واحد وهو ما يسميه باسم قصص رواية. وهنا تجتمع الأضداد في تصنيف غريب وعجيب، فالتكثيف يتجاور مع التفصيل والإسهاب. وضغط وتقليص الحجم يترادف مع تكبير المساحة. ويتآكل جنس فني بأدوات جنس معاكس، ليتركنا في النهاية أمام نوع باسم مركب. وهذا هو حال (أخبار آخر الهجرات).

و لئن رأى بعض النقاد أن لهذا الأسلوب خلفيات من أيام (ألف ليلة وليلة) لا أرى سببا واحدا لذلك. فالخيال الشعبي في ألف ليلة للترفيه وليس لتقديم العظات. إنه أسلوب غير تربوي وغير هادف. بينما آخر الهجرات تتعامل مع مثقفين ونماذج من النخبة. أو مع خبرات بحاجة لوعي وانتباه.

إن صلة القرابة بين أعمال برهان الخطيب والحكائيات، برأيي، لا تزيد عن الصفر.

فقارئه يحتاج لشحذ كامل عدته وعتاده ليفهم المغزى. بعكس السير والملاحم التي يفهمها حتى المنوم مغناطيسيا.

و بالمقارنة إنه في الرواية الجديدة (التي نسميها anti novel ومنها أعمال كلود سيمون وميشيل بوتور) تتطور الأشكال مع مستوى نضوج الشخصيات.

و كذلك يلتزم عنصرا المباغتة وتغريب الذوق (الحساسية الفنية وليس عصر أو عصف الذهن) بحدود الضرورة. فهو تغريب شكلاني ويتوقف عند عتبات الديكور. ولا يلمس معنى الرواية من الداخل. إنه (اكسسوارات) كما ورد على لسان الشخصية رقم ١(ص١٣٩).

لقد كانت الرواية الجديدة تحذف أحد الأدوات ولكن لا تلغي كل القواعد جملة وتفصيلا. فهي أحيانا تضحي بالحوار وتعتمد على المتابعة والنظر. وأحيانا تلغي وحدة المشهد الروائي وتقسمه لعدة مناظر متداخلة.

أما برهان الخطيب فإنه يبدل بذرة الفكرة. ويطالب المعاني بأن تستجيب لقاموسه اللغوي. كما لو أنه شاعر ويجوز له ما لا يجوز لغيره. فقد كان كما ورد على لسان رافد، واحد من ثلاثة أشخاص أساسيين في الرواية، (يموسق أفكاره، ص 68).

و لكن إذا كانت الضرورة في القصائد تبرر للشاعر عدم الالتزام بحركات الإعراب (بنية اللغة بتعبير شومسكي) فهي تفرض عليه بالمقابل قيود وقوانين البحور ونظام ترتيب الأصوات.

و هذه مشكلة لا حل لها. أن تبسط من طرف وتتعهد ببناء العراقيل والحواجز من طرف آخر.

وإن الامتثال لضرورة وإهمال غيرها هو المدخل لعالم برهان الخطيب ولا سيما في روايته الأخيرة (الحكاية من الداخل)*.

إنه يغض الطرف كليا عن التسلسل أو حتى التبادل في (الحبكة وبناء الشخصيات والحوار) ويستعيض عنه بتمكين الجو العام ولا سيما الحالة النفسية.

(الحكاية من الداخل) إعادة كتابة سيرية - واستنجاد بالذاكرة وبماضي الكاتب نفسه – وإحياء لعمله السابق(ضباب في الظهيرة). فنفس الشخصيات تعود للظهور على مسرح الأحداث، ولكن بتوقيت مختلف، ونفس المونولوج المتداخل يتكرر ليتابع مع أبطال تلك الرواية إنما من زاوية مختلفة.

لقد كانت الحركة عمودية في العمل السابق وتعكس الجو النفسي المدلهم للشخصيات التي تعيش في أتون الداخل وصراعاته وجحيمه. بينما هي في هذا العمل أفقية تصف عذاب المهاجرين في غربتهم. وانعكاس ذلك على الطبيعة والمناظر الخارجية التي تبدو مكفهرة ويغلب عليها الشقاء والشك.

و باعتبار أن مزاج الشخصيات الأساسية متشابه، وهم رافد وأنيس وخلدون، بالإضافة للراوي الذي حمل اسم برهان الخطيب نفسه، أو لقب أبو حسن، نستطيع القول: هناك نوع من المونولوجية في الموضوع وليس في الحوار فقط. وأعتقد أنه يفعل ذلك عمدا. تقول نسرين (المرأة الوحيدة التي ندخل في الرواية لمخدعها): إنه في كل أعماله يختفى وراء أبطال الحكاية ويفرض عليهم رأيه (بالحرف الواحد: يلبسهم آراءه - ص١٤٢)، وفعلا لا تختلف كلمات الحوار بين شخص وآخر، وكذلك هو حال الخصال النفسية. إن هذه الشخصيات ترسم دائرة واحدة حول نفسها. ليكتمل الحصار من الداخل والخارج. حتى أنه لا يمكن أن تعلم ما هو الفرق بالضبط بين رافد وبرهان الخطيب. إنهما يتحركان على محيط هذه الدائرة التي تحمل شيئا من ماضي الكاتب ومن مسيرته وتجربته الشخصية دون أن يكون هو بالذات.

وهو حال هذه الرواية على وجه الإجمال. إنها تحمل شيئا من مضمون (ضباب في الظهيرة) على مستوى الشخصيات والأفكار. ولكن مع تفاصيل لا تجدها إلا في (الجنائن المغلقة)، التي تتكلم عن أزمة الكاتب مع دار التقدم في موسكو ثم انتقاله إلى دار رادوغا وأخيرا هجرته إلى دمشق وضياعه وبؤسه في أحيائها الشعبية الفقيرة.

و هكذا تتحول الحبكة لمونولوج متشائم ومقبض للنفس، وتصبح الشخصيات أشبه بأطياف أو خيال ظل. أصلا هي لا تقدم عنها أية تفاصيل نوعية. حتى أننا لا نعرف شيئا عن مكان سكناها. ولا الزي الذي ترتديه. وكذلك لو لا النذر اليسير من المعلومات عن وسط موسكو لما كان هناك تفسير ولا تحليل للمكان.

و تزيد هذه المعضلة لو علمنا أن مكان الصوت الداخلي الذي يجلجل في أسماعنا هو ثلاث عواصم كوزموبوليتانية، هي ميتروبول بغداد، واستوكهولم وموسكو.

إنه باستثناء إشارات سريعة لتقلب الفصول في استوكهولم لا توجد إشارة واحدة تدل على اهتمام الكاتب بها. وباستثناء ذكر عابر لنهر دجلة وشارع وسط المدينة لم تترك لنا الرواية علامة واحدة تميز بغداد، عاصمة الرشيد. بالرغم من تنوع ووفرة الأحفورات.

و مثل هذا القفز من فوق التضاريس، إن دل على شيء، يدل على هموم ذاتية. أقله على تفسير ذاتي لمجريات الأحداث.

تتألف الرواية، إذا، من تأملات ووجهات نظر. وذلك بلغة كونية لا تنتمي لخط تفكير أو إيديولوجيا. حتى أنها في النهاية يمكن اعتبارها تبشيرا بموت الإيديولوجيا وتحويلها لفراغ. أو لسأم وغثيان بلغة سارتر وعبث وفوضى وتمرد بلغة كامو.

لقد كانت المثل والقيم، بنظر أبطال الرواية، لعنة تصب نقمتها عليهم. أو أنها كابوس يفكك الإنسان من الداخل ويحرمه من حرية شرطه الوجودي.. أن يعيش في العالم وكأنه هو جوهر الحياة وليس إحدى ثمارها.

إن عدم تكامل هذه الرواية مع العمل التمهيدي (ضباب في الظهيرة) يدل على موقف فلسفي للكاتب من الماضي.. فهو لا ينظر له كنوع من التعاقب ولكن كظاهرة مضمونها الأفول. لقد تحولت الخبرات السابقة إلى ما يشبه الحفرة أو القبر. ولذلك كان محكوما عليها بمصير واحد، وهو الفناء. أقله الغياب.

و على ما أرى إن الشخصيات نفسها عادت من الماضي الميت والمجدب، ولكن بمضمون مختلف. لقد حملت على ظهرها أثر التجربة مع الوجود المنهك. وبالتالي هي لم تتقدم بالعمر فقط ولكن لحق بها القنوط ودخلت بسن اليأس. لقد كانت تبدو مثل أفراد من جمعية المحاربين القدماء. تقتات على مجد وبطولات الأيام السالفة. وبالأخص في الغرام العنيف وقصص الحب والتجارب الجنسية.

لقد كانت شخصيات مشحونة بالليبيدو، ورغباتها أشبه بسيوف مسلولة من أغمادها. إنها من سلالة الغلام القتيل طرفة بن العبد، تبادر الحياة بما تمتلكه يمناها.

و لكن هنا لها صورة رجل من غير شوارب. فحل مريض وخجول. دون جوان في إجازة. يكاد لا يعرف شيئا عن مكامن الحياء والعيب في المرأة. ناهيك عن المخادع. فنادرا ما يرد في هذه الرواية اسم غرفة نوم، أو فراش، أو عضو من أعضاء التابو. وكأنها تبدأ من النهاية المرعبة والآسنة لبطل رواية (نهم)، أولى أعمال المرحوم شكيب الجابري ابن حلب ومؤسس الرواية الفنية في سوريا.

و قد اقترن ذلك مع مراجعة شاملة لكل لحظة من لحظات الماضي المندثر.

لقد اختارت الرواية الصعود بالمركب الصعب الذي يسميه جلال صادق العظم النقد الذاتي. وهذا لا يتضمن نقد التجربة الشخصية فقط، ولكن كل الجو المنتج للذات.. الخطاب السياسي وبنيته.

و لقد أدى ذلك لتقويض البنية السابقة، وليس لترميمها (كما اختار بهاء الطاهر أن يفعل في روايته نقطة النور).

فلغة المونولوج انتقلت من اليأس واللاجدوى والتمرد والغضب إلى لهجة مختزلة، بين تراكيبها فراغات، ويخيم عليها يأس مطبق مع سخرية مريرة. أصلا يختصر برهان الخطيب جدوى روايته بهدف واحد وهو: هجاء القدر الساخر (كما يقول ص- 55) والاقتصاص منه.

أما التراكيب والجمل فقد كانت تتعاون ضد الوضع الوجودي الغامض بشيء من الجهاد الألسني. وأنا أقصد ما أقول بالحرف الواحد. لقد وضع برهان الخطيب كل قدراته الفنية ليس لبناء الشخصيات، ولكن لتطويع أفكارها ومنطقها بإيقاع صوتي.

و تطلب منه ذلك التخلي عن كثير من الوسائل المساعدة والمفصلية كحروف العطف وأسماء الوصل والنقاط والفواصل. وكانت النتيجة تراكيب من أسماء وأفعال أساسية فقط.

و كأنه أراد الانتقال من مجال سريالية الصور والمشاهد لسريالية اللغة والتعابير.

إن الفن السريالي كما نعلم يبدل من موضع الأشياء وتسلسلها، ليعيد تشكيل العالم لا كما نراه ولكن كما نشعر به أو نعقله.

أما (الحكاية من الداخل) فتبدل من مواقع المفردات في الجملة حسب الترادف الصوتي. وذلك لنعقل العالم الذي نستمع لهديره وضوضائه في أذهاننا.

إنها سيرورة صوت نفسية، تحول الصورة إلى إيقاع.

و أنا مدين لكم هنا بأمثلة:

يقول الراوي: شيء يتحرك تحت سطح حتى عند قمة ص 42.

و يقول: ساحة عرضات فسيحة ص 42.

يقول أيضا: حياة طلبة تنتهي تبدأ المهنة ص 46.

و يرد على لسان رافد قوله: باطنه ظاهره يناوش حقيقة في غياب (ص 68).

و تقول تامي (شخصية ثانوية في الرواية): صحيح لا مفر من نسيان وسيلة في الأقل لنهزم القدر الساخر (ص55).

و يمكنني قراءة الجملة الأخيرة بلغتي العربية كما يلي: صحيح لا مفر من النسيان. فهو وسيلة نهزم بها القدر الساخر.

و غني عن القول أن الندرة هي الظاهرة الأساسية في هذه الجمل. أين حرف العطف وأداة التعريف. ولماذا هذا التأخير للفعل وتقديم الفاعل؟ ولماذا يصر الكاتب على تجاهل الجمل الفعلية والتركيز على الجمل الإسمية. ثم ما سر استعمال حتى كحرف عطف مع أننا لا نفعل ذلك من عهود. وما لغز جمع عرض بصيغة عرضات. هذا كله غيض من فيض.

ناهيك عن عدم التزام الصفة بحالة الاسم الموصوف في الجمع والإفراد.

إنها مشاكلة لغوية تضع النص على خط النار. وتفتح الباب أمام مساءلات تدل على الأزمة الذاتية لحكاية الكاتب مع فنه وماضيه.

إن مثل هذا الأسلوب ينقل الرواية من المشافهة المفترضة (افتراض أننا نستمع لحكواتي) إلى التدوين (تسجيل الأفكار على الورق وبعزلة عن جمهور المستمعين).

و حتى التدوين يبدو وكأنه حالة سباحة حرة في فضاء اللغة. فالمفردات تلتقي بترتيب مختلف وكأنها تعمل من فوق شرط التمكين (الوعي والاستيقاظ).

لقد كان كسر القانون هو مطلب من مطالب الحركة السريالية. وفي بيانات أندريه بروتون كلام مسهب عن الكتابة وأنت تحت تأثير المهدئات للتعبير عن الدمار النفسي والخراب الموحش الذي لحق بالبشرية.

و الكتابة في حالة غشاوة تؤدي لإزاحة المعاني. ولكن عند برهان الخطيب المعاني مستقرة وواضحة. ولا تعاني من لبس، إنما الإزاحة هي في الأصوات والألفاظ. ولا أستطيع أن أفكر باسم كاتب آخر يصر على هذا الأسلوب، اللهم إلا جمال الغيطاني وروايته (شطح المدينة) ..

ماذا يريد برهان الخطيب بالضبط من وراء ذلك؟!!..

ربما يعتقد أن الأساليب المعروفة هي نتيجة تفكير ميكانيكي (تقليد وجمود) كما قال بالحرف الواحد على لسان الراوي (ص 47)، ولذلك يفترض بنا كما أضاف لاحقا: أن نستلهم أفكارنا وأساليبنا من الانفجار الكوني وضياع المادة في الفراغ.

وإن هذا يلقي علينا عبء التعامل مع النظام (قانون الأب الأوديبي الذي يشبه بدوره دور الوحي) على أنه مجرد تحولات (ص 47).

أو كما يقول لرفيق عمره خلدون: إنها صورتنا بالمرآة، وهي صورة نختارها بإرادتنا (ص١١٤). بمعنى أنها قد لا تكون حقيقية. بل إنها تدحض الواقع وتكمل اللامعقول والغرابة، سمة تحولاتنا في هذا العصر (ص١١٤)..

 

تشرين الأول ٢٠١٤

....................

* الحكاية من الداخل. رواية من المتوقع صدورها في العام القادم. وارقام الصفحات تشير للمخطوط وليس للنسخة المطبوعة.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2979 المصادف: 2014-11-01 14:00:14