المثقف - قراءات نقدية

الأنوثة وفضاء التكوين قراءة في قصيدة بشرى البستاني

manal albustaniماذا يبكيك بُعيدَ عناق الأشجارْ

وهبوب نسيم الواحاتِ

على عرق ينصبب من كتفيكِ

**

ماذا يبكيك بعيد سقوط الثمر الورديِّ

يُطرِّزُ شرفةَ رقصٍ أندلسيْ

في الفجرِ

ويُغمض عند بزوغ الأنهارْ

عينيكِ

**

ماذا يبكيك وقد هبَّ البركانْ

يجتثُّ عروقَ الأرضِ الظمأى

فتدور الأقمارْ

حول إشاراتٍ تطلقها كفاكِ

عبر ضباب التكزينْ

**

ماذا يبكيك وخصرُك بين يديَّ

ونارُ الحبِّ تضيءُ الليلَ السكرانَ

بوجنتكِ الزهراءِ

وقلبي كرةٌ في كفِّ الإعصارْ

**

ماذا يبكيكِ وقد سكن الزلزالْ

واسترختْ فيه غلائلكِ الذهبيةُ

فاح سريرُ النارِ

وأقفل دغلُ الروحْ

شُباكه خلفَ يمام مجروح

**

ماذا يبكيكِ وهذا الشوقُ الضاري في منفاهْ

يحفر فوق الأشجار أساهْ

ويعرِّي قلبَ الريحْ

**

ماذا يبكيكِ وقد هبَّ الشبّو الليليُّ

وأوصدت الأبوابْ.. "

أندلسيات لجروح العراق، 105 – 106 "المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2010 "

 

ان نقطة الانطلاق في تحليل هذه القصيدة تبدأ من هذا التأمل للجملة الاستفهامية " ماذا يبكيك" التي تضمر في مكنوناتها حشدا زاخرا بالألم العميق والمأساوية الوجودية التي لا تفصح عنها القصيدة حتى آخر مقطع، ليظل القارئ معلقا بين إشاراتها المكتنزة بالسلب والإيجاب معا.. فشعرية اسم الاستفهام " ماذا " تكمن في هذا الامتداد للآه الإنسانية المثقلة بالوجع المختبئ في دهاليز الروح المعتمة، فالاستفهام هنا يعبر عن تجربة تحاول من خلالها البستاني الوصول إلى جواب جوهري عن ماهية ما تبحث عنه، لعلها تدعونا إلى تغيير يمتد ويمتد ليتسع الكون الذي تحسّه قد غدا ضيقا على حلم الإنسان المعاصر، كأنها تريد أن يتحول الواقع إلى أسطورة حيث تنثال العطور والألحان ليعمَّ الجمال على الحاضر البائس والقبيح .

يمتاز شعر بشرى البستاني بهذا الانزياح الفريد التي تتسم به لغتها التي تمتزج فيها حوارات الروح مع أزهار الليل والثمر والأشجار والأنهار، مع العذابات الوجودية ومع الآخر امتزاجا حميما يضفي على شعرها هذا التفرد في المعنى والدلالة :

ماذا يبكيك بُعيدَ عناق الأشجار

وهبوب نسيم الواحاتِ

على عرق يتصبَّبُ من كتفيكِ

إن هذا الانزياح يتراسل مع انصهار الرغبة والانسجام بين الحياة الإنسانية والنظام الكوني، فـ "عناق الأشجار " و "هبوب نسيم الواحات" يأخذنا إلى فضاء داخلي من فضاءات الحب المشتعلة، فكأن هذا الحب هو حب درامي مستحيل في طبيعته، إذ يغيب الحبيبان ويحضر ما ينوب عنهما من جمال وخصب وفضاء أخضر واشتباكات حضارية تاريخية ثرة، واحات وأشجار ونسيم حيث تتوهج امتزاجات روحية وجسدية في مشهد عاطفي يتجلى فيه ضياء الحب في سحر فردوسي.

إن الحب يبدو هنا وكأته حب لا يلامس الأرض، حبٌّ في الغياب له مذاقات ونكهات عذبة تريد الشاعرة أن تنثره على الواقع الذي يتشح بالسواد في سعي منها لنشر معالم الجمال التي تفتقدها في وجودها الملطخ بالدم والسواد . ليل الشعر في هذه القصيدة يزفُّ أجنحته عبر الواحات، ليل الشاعرة هو ليل المعرفة النقية، وليس ليل الخطيئة . إنه ليل تتجسد فيه الرؤى الشعرية التي تخفت فيها الرغبات الحسية القصيرة الأمد والزائلة ؛ ولهذا قالت بُعيدَ بتصغير ظرف الزمان : "ماذا يبكيك بُعيد سقوط الثمر الوردي" وكأن الرغبة الحسية لا تكتمل عندها إلا باكتمال الرغبة الروحية، فالشعر عندها هو هذا الدواء الذي يشفيها من أنيميا الزمن، فليل الإلهام عندها يمتزج باللونين الأبيض والأحمر . إن اللون الوردي يعني السمو وجودا ومعرفة، وإذ تأخذنا إلى الشرفات الأندلسية فإنها توظف الفعل " يطرز" الذي يستحضر الفرح والأعراس ومجالس الطرب والزينة، ويحمل دلالات عميقة ورؤيا تاريخية ازدهرت بها المعرفة التي تنادي بالبهجة الروحية التي تشيعها الأخلاق التي تتنافى مع الشبق المادي، تأخذنا إلى عصر يشكل بالنسبة لها هذا التطريز الجميل المزركش بالألوان عبر لغة مرصعة باللآلئ، تأخذنا إلى الصبابة والوجد والطرب والرقص، تأخذنا لمشهد ممتع للروح والنظر والسمع، فالحياة في ذلك العصر كانت ذات زمنية خفيفة . إن البحث عن الحب والسعادة بحث مشروع، فالأندلس في القصيدة تجسد مهرجانات الفرح والضياء الفكري، فجر الأندلس يجسد فضاءات جديدة ويمثل رقصا إيقاعيا وموسيقى تتنافى مع طبول الحرب التي تدقُّ في عصرنا. إنَّ :

ماذا يبكيك بعيدَ سقوط الثمر الورديِّ

يُطرِّز شرفة رقصٍ أندلسي

في الفجر، ويُغمضُ عند بزوغ الأنهارْ

عينيكِ .

سطور مثقلة بفرح الماضي المضيء يتقطَّر في مخيلة الشاعرة عبر زمنيتها الشعرية التي لا تخضع لقوانين الزمن الرتيبة . نلمح في شعرها نفحاتٍ أسطورية، فهي إذ تأخذنا إلى شرفات الأندلس فإنها تلوِّح لنا بشعلة المعرفة . إن الشاعرة تغني موشحات الرقص المتناغم الذي يلملم أشلاء الفرح التي تبعثرت وتعيد بناءها، تريدنا أن نمسك بالزمن الهارب لتجعل من العالم الإنساني ثنائية ملتحمة عميقة من الروح والمادة، من الغريزة والعقل والروح، تريد أن يكون العالم نموذجا لمعركة تصارع ضد الظلم والاضطهاد. إن "شرفة رقص أندلسي" تشكل صورة جمالية تلغي فيها الشاعرة المسافات والتفرقة وتجعل من المجتمعات الإنسانية صرحا عاليا وتجليات وموسيقى.

إن الشاعرة تستند على جدلية غامضة في البحث عن السعادة، فالشعر والرقص يشكلان منبعا لذيذا للروح التي تبحث عن الجمال .ويتجلى الانزياح في أبهى صورة حين تقول:

"ويغمض عند بزوغ الأنهار عينيكِ"، فكيف تبزغ الأنهار من صميم لذة الحب التي تحبطها أول استفاقة على واقع مرٍّ، لا تبوح القصيدة بأسباب مرارته، أهو رفض لحسية الحب ودعوة لتطهير الجسد، أم رفض لاصطدام اللذة بالقهر والقمع الواقعين على الإنسان في عالم ذكوري استعلائي استغلالي ممنهج للسطوة والإحباط واغتيال الإنسان.

إن الأنهار في شعرها أقمار وهنا تتشكل صورة جمالية حيث تمتزج صورة أرضية "الأنهار" مع صورة سماوية تخفيها لغة الشعر في مكنوناتها السرية فتتكشَّف عن أقمار، إذ توظف المصدر"بزوغ" المُرتبط لغويا بالقمر، للتعبير عن انحرافات العالم نحو حضارة تابعة، هي الحضارة الغربية، مؤكدة أنّ هذه الحضارة لابد زائلة وأن ضياء الحب يظل مشرقا، فليل الحب في شعرها يخضع للنظام الكوني، ولادة، تألق، انطفاء وموت، فالحب في رؤيتها يضفي على الحياة إيقاع التجدد.إنّ الإنسان هو هذا العابر في ليل الحياة، مستحضرة صورة جمالية للقصيدة التي تولد في أحضان الضياء وتنبثق من العتمة الواسعة . إنّ القصيدة تتجلى بصورة مضيئة قوية ترمز إلى التطهر والاشراقات الروحية التي تغمسها في اللذة .

إنّ الفعل "هبّ" يعني ثار وهاج، كأن نقول هبت الرياح، أوهبّ النسيم، لكن الشاعرة حولته تحويلا إبداعيا إذ قالت "هب البركان"، إنّ البركان يقودنا إلى دلالات خفية ترمز بها الشاعرة إلى صورة من صور الجمال الإبداعي لاْنّ القصيدة تخلق فيها حالة من حالات التأجج الوجداني والتوهج الجمالي والجلجلة والرهبة التي تناقض فعل البركان الطبيعي المخرب،إنها حالة متفردة تتنافى مع بركان الشر الذي اجتاح عالمنا المعاصر وحوله إلى صورة سوداء قاتمة وغازات سامة ورماد وقذائف وجمرات،تعبر الشاعرة عن شقوق نفسية وكسور متراكمة وخسف للروح الإنسانية التي انطمرت تحت أنقاض الحروب وأرهقتها أصوات القنابل والمدافع الثقيلة والصواريخ والحمم العدوانية المشحونة بالحقد على رونق الروح الإنسانية، معبرة عن كل ذلك بالأرض الظمأى، مؤكدة أن الظمأ هو الإشكالية الكبرى التي يعيشها الإنسان المعاصر، ظمأ متجذر في كل شيء، في منظومات الحياة العامة والخاصة معا، فهي إذ تقول" يجتث عروق الأرض الظمأى "، فلأنّ مهمة القصيدة في طرح أسئلتها الثرية مهمةٌ ثورية كونية وجودية تروي في روحها هذا الظمأ الغوير إلى الحب والتجليات المعرفية وكشف أسرار اللا مرئي.إنّ الشاعرة تضفي على الأنوثة هذه القوة الخلاقة فكأنها سر من أسرار الله والخلق وتجعلها صورة من تراكمات الضياء، إن كفي المرأة صورة للتجليات المكنونة الأسرار والفيض النوري الدائم:

فتدور الأقمار..

حول إشارات تطلقها كفاكِ ..

عبر ضباب التكوين!

إنّ الشاعرة تبكي هذا الهباء العدمي الذي تستحضره كلمة "التكوين"، موازيا حضوريا لما تبكيه من عذابات لم تفصح عنها، إنّ مخيلة الإنسان المعاصر قد ارتبطت بالنار والعتمة والغبار،إنها تبكي الدمار والقتل والفتك بالإنسان وتبكي الخطر الدائم المحدق به، إنّ غياب الجمال عن العالم يشكل في لغتها غيابا وجوديا موجعا لا تجد منه خلاصا   إلاّ في حضن القصيدة.إنّ كلمة "التكوين" تشكل في القصيدة بذرة التجلي التي تخلق الهندسة الكونية مشكلة بناء روحيا يدور في مدارات الضياء والجمال والقوة والحكمة في مرحلة من أخطر مراحل التاريخ الذي أحدثت في الروح خرابا وعلى الأرض دمارا.

إنّ البستاني إذ تقول" وقلبي كرة في كف الإعصار"

إنّ القلب هنا رمز شمسي للأنثى فهي القلب الكوني وهي فعل الإبداع في المجتمعات الإنسانية،   إ نّ قلب الأنثى قلب يضخ الحب في الجسد الإنساني الاجتماعي وهو الجزء الأكثر حرارة وهو مركبة الروح التي تسير إلى الإمام، وهو الحياة بكل ما يتدفق منها من مشاعر وجدانية تغذي الروح وترتقي بها نحو السمو، وقد وظفت الشاعرة الإعصار في القصيدة رمزاً للقوة السلطوية الهوجاء والهبوط المضني الذي جعل من الإنسان لعبة بيد السلطة، إنّ الشاعرة تعبر عن رؤيتها للحاضر الإنساني المأزوم والمجهول. إنّ القصيدة هي الترقب الدقيق للروح التي تلهث وتتلهف للامساك بومضة الفكرة التي تخلق الإبداع وتحقق الانسجام المتناغم بين الروح والمادة، فالشاعرة تدور في فضاءات الزمن الإبداعي الشعرية متحركةً، تتنقل في كل لحظة من صورة إلى صورة بشكلٍ يُشعرها بالحياة والفاعلية، فالقصيدة تحتويها بهذه الفرحة المفاجئة، فرحة الفوز المضيء، إنّ الإبداع في رؤيتها ينزع إلى الاهتمام بالإنسان،بجوهر الإنسان وليس بالمادة وحدها.

إنّ الشعر في رؤية الفيلسوف الفرنسي جون كلود بانسون ليس ألعابا نارية لمجازات فعلية،وليس نتاجا لنص يتضمن صيغا جمالية دون أن يولد فينا نيران واشتعالات أخلاقية. فالشاعرة إذ تقول "فاح سرير النار"، فإنَّ النار هنا ليست نار الحب بل هي نار الفكرة، إنّ المثال الذي تبحث عنه الشاعرة هو فتنة الجمال الأخلاقي والعفة الروحية الطاغية التي تتفوق على جمال المسرات والملذات الزائلة، فالشعر هنا انتصار على الظلم والعنف،انتصار على التشوش والتخلخل وعلى ظواهر تثير فينا الهلع والغموض، واللبس والحيرة، فعصرنا عصر اختلاط ذهني وخَبل وارتباك وأمم تتمزق، عصر تشابكت فيه الصلاحيات، عصر الانحطاط والجشع السلطوي والأذى على صعيد الأحزاب والأنظمة التي لا تحترم القيم السماوية والإنسانية، فهي إذ تقول: " فاح سرير النار/وأقفل دغل الروح/شباكه خلف يمام مجروح " فهي تعبر عن روح الإنسان التي تبكي ؛ لأن اليمام لا يبكي، لكن روح الشاعرة تبكي عصرا افتض بكارة روح الإنسان النقي ومزق فيه الشعور بالسلام والأمان، عصر ذبلت فيه أغصان الزيتون فهو عصر طوفان يليه طوفان . إن الشاعرة تبكي الإنسان المجروح والضياء المبقع بالدم، وتبكي الأرض المنتهكة ؛ لأن الدغل في القصيدة جاء رمزا للعذرية الروحية،إنها تبكي عتمة الروح التي غاب عنها الضياء الإلهي بغياب القيم ؛ والدغل أيضا رمز للعلم الذي تكمن وظيفته الحقيقية في الارتقاء بالإنسان وإسعاده وتوليد الدفء والسلام في روحه .

جاءت الأشجار رمزا للقصيدة التي تشكل بالنسبة للشاعرة الأم الكونية ذات البهاء والنقاء المضيء، وهي الديمومة والوجود . إنّ الشجرة هي قامة الإنسان التي تمتد إلى عنان السماء، و القصيدة شجرة دائمة الخضرة لأنها شجرة الفكر، وهي الفاعلية الدائمة والضوء المتحرك الممتد نحو أزمان ستأتي، وهي الندى السماوي والثمر، وهي الصومعة . والقصيدة عندها تشكل أغصان حب وعناق، حب كوني ومعرفي، وهي شجرة التاريخ الإنساني والنفسي التي تحمل ثمر الزمن للقادمين، ومع القصيدة تورق روحها وتزهر وتثمر،، وهي الأصدقاء، وهي الشراب الذي يروي عطشها ويبدد الجوع المعرفي، وهي الأسطورة التي تغذي روحها بالقيم والحياة الراقية، وفي القصيدة تروي الشاعرة بكاءها في صميم الاستفهام:

ماذا يبكيك،

وهذا الشوق الضاري في منفاه،

يحفر فوق الأشجار أساه ...

ويُعرّي قلب الريح

إن القصيدة بالنسبة لها تشكل فردوسا ضائعا طُرد منه الإنسان ثم عاد إليه بالخيال وبالفنون، فالأشجار في رؤية كاستون باشلار ليست ببساطة ظلا يحمي من الشمس، وهي ليست قبة تحمي من المطر، إنها شجرة كونية .إنّ القصيدة تغذي في الشاعرة قيما رفيعة تُغْنيها عن كل مفقود، ولكنها في الوقت ذاته تدوِّن كل مفقود لها وفي صميمها، والقصيدة هي هذه الشجرة التي غاصت في عمق جذورها أحزان تنوء بالروح التي جرحتها ريح الشر منذ العصور الغابرة حنى وقتنا الحاضر.

إن القصيدة أنتجت صورا حقيقية ومؤثرة تخفي رؤيا مستقبلية للمصير الإنساني الموجع في عصر يمكن أن نسميه عصر التفسخ والتفكك، والقصيدة ومضة زمنية جميلة، ومسكنا كونيا يحمي الشاعرة والشاعر من أي احتلال أو غزو أو اجتياح، فأرض الواقع هي روح الإنسان الذي مزقته الحروب، والقصيدة هي بحث عن الهوية التي تحفظ للشاعرة تماسكها وتبدد اغتراباتها، وليس عن مواريث وتقاليد مضت، بل هي بحث عن جوهر الإنسان الذي هو بناء الله المتناسق الجميل، والقصيدة هي صورة أصلية للحمية والحماية والأمان والأمومة والعائلة.

إن نص "القصيدة" تضمن سبعة محاور، والرقم (7) في القصيدة هو رمز الكمال والوحدة، والقصيدة هي الأنثى التي تجد فيها الشاعرة ديمومتها ويجد الشاعر فيها فردوسه الأنثوي الذي يسعى للوصول إليه، وهي اللغة التعبيرية الكاملة . والرقم (7) هو رقم كوني مقدس، فالقصيدة هي الليل والنهار، وهي الفضاء الداخلي والخارجي، وهي الأعياد، وهي الشمس والقمر في أوج تألقهما، وفي القصيدة يسكن الألم الجسدي والرغبات العنيفة والصدمات الانفعالية والتوترات، وهي الوعي الغريزي الذكي، والعقل الذي يجعل بشرى البستاني تعيش في انسجام مع اللاوعي الذي يقودها دوما إلى دمج اللغة بالفعل .

إن الشاعرة تدعونا إلى الوعي بقيمة الحياة التي تقود فاعليتنا إلى السلوك النبيل الذي يؤدي بنا إلى السعادة في هذه الدنيا وفي الحياة السرمدية، فالقصيدة أرض عذراء لا تطأها قدم بربرية معتدية، وهي الإيمان والأمل والعفة، وهي الاعتدال في الأهواء والشهوات، وهي السلَّم القوي المتماسك الذي يمنحها التوازن، والقصيدة حياة وحركة تجعل من الشاعرة جسدا علويا، وهي العودة إلى القيم التي نادت بها الأديان السماوية، والقصيدة هي الفضائل السبعة الإيمان، الأمل، الرحمة، الحكمة، الاعتدال في الأهواء والشهوات وهي القوة والعدالة، والقصيدة هي ملكة الليل عند بشرى البستاني، إنها هذا الشبو الليلي الذي يفوح عطره ضياء يبدد عتمة العالم، وهي إذ توصد الأبواب فإنها تفتحها مشرعة لضياء القصيدة بعيدا عن وحشة العالم الخارجي وعن العناكب وحشرة المن التي التفت على أغصان الروح وامتصت عصارة النور والفرح، والقصيدة هي البؤرة العميقة الغور في روح الشاعرة، وهي حقيقتها المطلقة التي بها تتجلى خصائصها المميزة وأصالتها، وهي ما يكوِّن ذاتها ويميزها من الآخرين .

إن بشرى البستاني إذ توصد الأبواب الخارجية، فلأن العالم المعاصر بتناقضاته الهائلة ما بين رفاه تقني هائل ووحشة روحية قاتمة قد حجب عنها الضياء في إشاعته القتل والتدمير ومؤامرات الشر والمكيدة السياسية التي تسحق الكون.

إن لغتها لغة متفردة في النسج والدلالة، لغة معتمة كتومة تلفها العفة، لغة عصية على البث، لكنها حين تتكشَّف للقراءة المتأنية تنبثق ضياء بجمل استفهامية تبثُّ أسئلة وجودية سريةً ملتاعة عبر لوحات تمتزج فيها اللوعات والمواجد، وتسكنها نفحات صوفية وعاطفية وفلسفية تدعونا فيها إلى الخروج من هذه العتمة الثقيلة إلى فلسفة الضياء والجمال والحقيقة المطلقة والصدق، والى بناء عالم جديد وإنسان جديد يتصدى للقوى السلطوية الغاشمة التي اغتالت الإنسان وتواصل اغتياله بيد غاشمة.  

وأخيرا يبقى هذا الإبهام واللبس والحيرة التي تغلف الخطاب فمن المخاطِب ومن الموجه إليه الخطاب، القصيدة تخاطب الشاعرة أم الحبيب، تجريد الشاعرة لذاتها وانسلاخها عنها، أم العكس. إنّ هذا البوح الشعري الغامض هو سمة من سمات الشعر المكتنز الذي يرتبط بالنفس وبالكون ومكنوناته العصية على الفهم وهو أيضا هذا الغموض الذي يغلف العالم السياسي المتخفي في سرير المكيدة والإثم والكذب والخداع والشراهة والجشع والكراهية والفتنة والبدع والزنا الذي يحكم العالم بهذا التخفي المريب مما يجعل لوعة الشاعرة والإنسان والشعر في اشتعال دائم.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2992 المصادف: 2014-11-14 01:17:28