المثقف - قراءات نقدية

سفير العشق العراقــــي

tarik alrobaieلي درة في شغاف القلب غافية

إن غادرته فماذا بعدها أجدُ

بكيتها قبل أن تنأى وواعجبا

من أدمع كاد منها الثلج يتقد

إذا تهادت تراءى الكون أغنية

وأزهد الخلق في محرابها سجدوا

تحفها أينما حلت ملائكة

لأنها عن بنات الوحي تنفرد ...

أبيات الشعر هذه لم يكتبها جميل بثينة او مجنون ليلى أو اي من شعراء الغزل العذري، ولم يسمع بها أحد من أبناء القرنين الثاني والثالث الهجريين، رغم إننا نلمس فيها بوضوح الخصائص الفنية التي امتاز بها شعر الغزل آنذاك، من وحدة الموضوع، وحرارة العاطفة، وبساطة المفردة الموحية، والمشاعر الفياضة، وجمالية الصورة الشعرية .. إن هذه الأبيات من قصيدة (عاصمة النساء) للشاعر العراقي حامد خضير الشمري الذي ينسج على منوال أسلافه من شعراء العربية الفطاحل دون ان يجعل من نفسه نسخة أخرى منهم . وإن كنا عند قراءتنا لنصوص الشعراء العرب الكبار الأقدمين نقف حيارى أمام كلمة أو عبارة محاولين فك الغموض الذي يتلبسها، باحثين في قواميس اللغة عن تفسير لها يزيح النقاب عن المراد منها، إلإ إننا لن نضطر لذلك عند قراءتنا لحامد الشمري . فأبياته الشعرية تأتي سلسلة عذبة يعانق بعضها البعض بقوة، خالية من التكلف والصنعة ومن غريب الكلام الذي يقطع علينا متعة الإسترسال بالقراءة ونشوة اللذة التي تعترينا . مفرداته بسيطة، ثرية بالدلالات والرؤى، معبأة بحمولة كبيرة من الطاقة الشعرية، والخيال الخصب، والعاطفة المتأججة الصادقة التي نشعر بها في كل بيت من أبيات القصيدة ونتفاعل معها، ولا نجد أنفسنا إزاء ذلك إلا ونحن ننهل من هذا الينبوع العذب الذي يتدفق بمرونة وهدوء لا يقف عند حاجز يصده، او ينحرف بسبب إنعطافة نحوية مفاجئة إن صح التعبير .. وفي هذه الأبيات من قصيدة (شهد البنفسج) نلمس الطابع الوجداني العميق الذي يميز نصوص الشاعر عن سواه، مع وضوح المعاني، وحلاوة الألفاظ وفصاحتها

أدنو فتدنو وكادت فيّ تلتصق

وما حسبت بأنا سوف نفترق

لا تطفئيني دعي الأشواق تصهرني

إني بمائك قبل النار أحترق

إذا تجليت ِ يا أبهى مقدسة ٍ

يخرّ موسى بلا وعي وينصعق ...

وبهذا الإسلوب العذب والشعر المطاوع للغناء وتوظيف الرموز المقدسة واستثمارها بحرفية عالية استطاع الشاعر حامد الشمري أن يتجاوز الخطوط الفاصلة بين النخبة والجمهور البسيط، وأن ينقل تجربته الشعورية الى الجميع بلا مشقة او عناء، لتنساب مفرداته ومعانيها كالنهر الذي يجري يفيض ببركاته على شاطئيه بسخاء . وان كان لكل مبدع أصيل هدف سام يصبو إليه، ويحث الخطى نحوه، ورسالة يبشر بها، فإن الحب هو غاية الشمري ورسالته، وعشق المراة هو الوسيلة للنفاذ الى ذلك الهدف الأسمى، الذي يسعى اليه الشاعر في زمن كثر فيه دعاة الكراهية والبغض، ونفثت فيه أفاعي الدواعش بمختلف أشكالها وألوانها أقذر السموم الطائفية والعنصرية، ونادت بالقبح كشعار لها . فلم يكن الغزل الشمري تعبيرا عن تجربة شعورية منفردة، منعزلة عن الواقع المعاش، بل اصبح سلاحا يشهره بوجه خفافيش الظلام، تلك التي لا تعرف العيش سوى في العتمة والعفن، ولا تجيد سوى القتل وسفك الدماء، ولاتكره شيئا قدر كرهها للنور والحب، ففي كل قصيدة غزل جديدة يكتبها الشاعر ترياق لنا وسم زعاف لهم، وتحد شجاع، وقدرة على مواصلة الحياة، وإصرار على ان نبقى نحب بالرغم من كل شيء . وفي هذه الأبيات من قصيدة (رحيل البنفسج) يعبر الشاعر عن عقيدته في الحب بإعتباره الغاية التي جاءت لأجلها الأديان، والمبدأ الذي بشر به الأنبياء، وقيمة عليا تعتنقها البشرية على مختلف الملل والنحل، متخذا من وصف معشوقته معراجا لغايته الكبرى :

هي تؤأم الفردوس إلا إنها

الأحلى لأن الله فيها يسطعُ

نفحٌ من القرآن في نبراتها

وصدىً من الإنجيلِ فيها يُسمعُ

وزبورُ داودٍ وألواح التقى

لمقام موسى من يديها تُرفعُ ..... إلى أن يصل في قوله

والملحدون إذا رأوا آياتِها

شهدوا بان الله حيٌ مبدعُ ....

لا استطيع الإحاطة بكل ما يميز الشاعر العراقي حامد خضير الشمري من خلال هذه المقالة البسيطة، إلا إنني أقول وبحسب قناعتي إنه يمثل النموذج الرائع للشاعر الأصيل الملتزم بمبدأه الإنساني، والمؤمن بان له رسالة يجب ان يوصلها للناس مهما كبر حجم العوائق في طريقه مادام مقتنعا راضيا عن نفسه وعن جوهر رسالته . فهو لا يبحث عن الظهور الإعلامي الزائف والشهرة المؤقتة ومكاسبها المادية وما يصاحب ذلك من بريق خلاب سرعان ما يضمحل وينطفىء بعد مرور قليل من الوقت يضيع معه كل شيء ليصبح نسيا منسيا . إن من الظواهر الأدبية البارزة التي شاعت في مجتمعاتنا العربية في العصر الحديث هي التقليد الممسوخ للغرب، والتجرد من الخصوصية والهوية العربية التي تميزنا عن سوانا الى درجة إننا نقرأ في كثير من الاحيان نماذج شعرية نحسب ان كتًابها نظموها وهم تحت تأثير حالة من الهذيان، فلا نعرف هل ما نقرأه شعر أم طلاسم أم احاجي علينا ان نُجهد عقولنا في فك رموزها . وهنا تبرز أصالة الشمري الذي يغترف من ينابيع اللغة العربية الدافقة، ومن تراث أدبها العريق، فضلا عن إنه ينهل من تراث الامم الأخرى وآدابها دون أن يكون لها سلطان عليه يقتلعه من جذوره البابلية ويجرده من هويته . فهو المترجم الامين القدير الذي لطالما اتحفنا بنصوص عالمية من اللغات الفارسية والروسية والإنكليزية كانت روح كتًابها حية نابضة فيها لم يعتريها عور وإضطراب جراء النقل من لغة الى أخرى . وهو المعبر الصادق عن تجربة وجدانية عاشها وما زال يعيشها حتى اليوم . كل ذلك كان له الأثر الكبير في تميزه بعمق العاطفة، وقوة التأثير في المتلقي، وبخصوبة الخيال، وروعة النظم بعيدا عن التكلف والغموض، مما اعطاه نكهة فريدة وبصمة مفارقة لمن سواه من مبدعي العراق الأصلاء ليس في شعر الغزل فحسب بل في مختلف الأغراض الشعرية الاخرى التي تناولها .

لمحة موجزة: حامد خضير الشمري عضو اتحاد الادباء العراقيين، شاعر ومترجم وصحفي، أمين سر جمعية الرواد الثقافية المستقلة المركز العام – بابل لأربع دورات متتالية، نشر العديد من القصائد والتراجم والمقالات والدراسات في الصحف العراقية والعربية . أصدر (نقوش على كوفية أبي جهل) ديوان شعر، وقصائد حب عالمية مترجم عن اللغة الانكليزية .... قام بترجمة عدة دواوين وقصائد مختارة .. لديه العديد من المؤلفات غير المطبوعة في الشعر والترجمة .

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكري وامتناني وأسمى اعتباري للناقد المبدع الأستاذ طارق الربيعي المحترم على تشريفه لي بهذا المقال الرائع

حامد خضير الشمري
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3031 المصادف: 2014-12-23 00:07:26