المثقف - قراءات نقدية

ازدواجية العشق في ديوان "حروف للعشق والوطن " للشاعر المغربي المصطفى سامح

najia  jannaخضعت القصيدة العربية لعدة تجارب عبر العصور، فتطور جوهرها شكلا ومضمونا، خصوصا بعد الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث استطاعت أن تنوع أساليبها التعبيرية وتخلصت من قيود كبلت حريتها وانطلاقها، فبحث الشعراء على صيغ جديدة تفجر في ذهن ووجدان المتلقي أبعادا تأويلية،، وتحفز وعيه ولاوعيه، فلجأ إلى توظيف الرمز والصورة الشعرية في بعدها الحداثي العميق .

والديوان الذي بين أيدينا، والمعنون "حروف للعشق والوطن" لامس بعضا من خصائص القصيدة المعاصرة، فبالرغم من خصوصيته الرومنسية التي أضفت على أغلب القصائد صفة الدرامية، حيث وظف مفردات توحي بالحزن والألم، إلا أنه رسم لوحات تشكيلية تتميز بكثافة لونية متنوعة،محملة برموز لها مدلولاتها ومعانيها المتوارية، تحكي عن الحالة الوجدانية للشاعرالمصطفى سامح، عن معاناته الذاتية وما يكابده من نار العشق والهوى، وتلامس العمق الإنساني في كل أبعاده. كما توضح قصيدة

" همسات خارج النص"

 

أضاجع تلك الأحلام العازبة

في كنف الليل الخفي

فتفضحني الذاكرة

وخيوط الصباح

أبني لك ...ولي

قصورا...

بأوهام...

وآهات...

وخيبات...

 

تبقى اللوحة التشكيلة تنبني على الصورة الشعرية المعبرة، وتزيدها نقط الحذف تشويقا للمعنى المحذوف . ويبقى الإيقاع القصير السريع من أهم سمات الشعر الحر بحيث تتغير إيقاعاته تبعا للدفقة الشعورية.

ولكن غزليات الشاعر ليست كلها حسرة وألما بل نلمس في بعض المقاطع أملا وتفاؤلا، كما في قصيدة " عميق جدا هذا الحب" حيث يقول:

 

ستظل قطرة المودة

سلسبيلا بيننا

بين فؤادين ...أغواهما الهوى

أتعبهما الجوى

حب ...بلوعة هذا الغياب اكتوى

ستظل ملامس النعيم

من تلك الأنامل

تدك الهموم

ساحرة، دائما، وأبدا

تبدد ما كدر صفو الحياة

من غيوم.

 

كما أن الغزل أيضا حضر في الهم الوطني، فالبرغم من التغني بحبه لوطنه وعشقه الكبير له إلا أنه يرى أنه مهدد في مصالحه ومقدساته، حيث انقلبت الموازين واختلط الحابل بالنابل، كما نجد في قصيدة " ولوطني حسرة ورثاء"، حيث وظف التعبير المباشر والصريح حيث قال :

 

وفاتك كانت حقا مؤلمة

جيث صار الشيخ

ذاك الشيح...ذي الحسب والنسب عاهرا

وصارت العاهرات يفتين، بلا علم

في شعائر حبك أحلامك العائمة

 

أيضا لامس الشاعر الهم القومي وشارك أصوات الشعراء التي تعالت في رثاء الربيع العربي، بعد أن تغنت بالثورة العربية ومجدتها، ولكن الشاعر في قصيدة " لن تقهر القاهرة" دفعه الأمل والإيمان بقدرة الشعوب إلى رسم خيوط التفاؤل على لسان القاهرة حيث يقول:

 

بعنفوان

وتحد

سأتخطى عتبات المرحلة

وبكفي الأعزلين

أفك خيوط المهزلة

.....

فغدا لناظره قريب

وبعزم

أبنائي البررة

أفك خيوط اللغز

وكل ألغاز المسألة

 

وككل الشعراء الذين يحملون هم الكتابة ووجعها، يبوح بتوتره النفسي حيال هذا القلم النازف الذي همه الأول هو فضح نوايا الغادرين وترجمة آهات المحرومين، يقول في قصيدة  " فجر...وقلم..وأشياء أخرى"

 

ارو أنين اليتامى

ترجم آهات الضائعين

بلغ رسالات السماء

وافضح همزات الخائنين

بين دفتي ذي الكتاب

 

تظل التجربة الأولى دائما تحمل تعثرات بين طياتها، فرغم وقوع بعض القصائد في الأسلوب الإخباري التقريري، إلا أن تلقائية الشاعر وحنانه المتدفق وحزنه الشفاف جعله يبوح ببعض أسراره ويصور أفكاره بلوحات فنية وبواقعية متحررة خالية من كل الأصباغ الزائفة، فجاء خطابه الشعري رغم غرقه في بحر الغزل يذوب رقة ويتسم بالعفة والخلق الرفيع .
 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3034 المصادف: 2014-12-25 23:50:06