المثقف - قراءات نقدية

تشيخوف وبرنارد شو

كلاهما (تشيخوف وبرنارد شو) ولدا في القرن التاسع عشر، وكلاهما توفيا في القرن العشرين، الا ان برناردشو ولد عام 1856، اي قبل 4 سنوات من ولادة تشيخوف، وتوفي عام 1950، اي بعد وفاة تشيخوف ب 46 سنة، ولا توجد في الوثائق والدراسات الادبية حول تشيخوف ما يشير الى ان الاديب الروسي قد اطلع على ابداع برنارد شو بشكل عام، او على دوره في عالم الادب المسرحي اثناء حياته، اما بردنارد شو فعلى العكس تماما، اذ انه قد اطلع – وبعمق – على نتاجات تشيخوف وادبه المسرحي بالذات واهميته في هذا المجال الابداعي ودوره المتميز فيه، بل وقد انعكس هذا الاطلاع حتى على نتاجات برنارد شو المسرحية اللاحقة بشكل دقيق و مباشر، وتتناول الدراسات الروسية في مجال الادب المقارن بين تشيخوف وبرناردشو هذه العلاقات بين الاديبين المسرحيين الكبيرين، وهذا ما سنحاول – بشكل عام - التطرق اليه في هذه المقالة الوجيزة والتحدث عن هذا الموضوع الطريف والممتع حقا والذي لم يسبق للباحثين العرب – حسب معلوماتنا المتواضعة – ان تناولوه في بحوثهم وكتاباتهم بشكل واسع ومعمق، رغم ان الكاتبين يعدان من اشهر المؤلفين المسرحيين لدى القراء العرب عموما .

النقطة الاولى والاساسية في هذه المقالة والتي تستوجب التوقف تفصيلا عندها في هذا المجال هي مسرحية برنارد شو (بيت القلوب المحطمة) (جاءت في بعض الترجمات العربية ب - منزل القلوب المحطمة)، و قد كتبها برنارد شو عام 1917 و صدرت عام 1919، وهي مسرحية كوميدية مشهورة عالميا، ونتوقف عندها بالذات لان النقد الادبي الروسي يربطها وبشكل واضح ودقيق بالتأثير المباشر لمسرح تشيخوف وبنيته على مسرح برنارد شو، وقد أشار برنارد شو نفسه في العنوان الثانوي لتلك المسرحية الى انها – (فنتازيا على الطريقة الروسية حول موضوعات انكليزية)، بل يوجد قول لبرناردشو نفسه في الذكرى الاربعين لوفاة تشيخوف يذكر فيه – من جملة ما يذكر - بانه (.. كتب مسرحيته بيت القلوب المحطمة تحت تاثير تشيخوف)، ويرى النقاد الروس ان هذه المسرحية تذكٌر فعلا بمسرحية تشيخوف – (بستان الكرز) بشكل او بآخر من حيث رمزيتها، اذ انها تتناول ايضا، مثل مسرحية تشيخوف، مصير البلاد في بداية مرحلة جديدة تختلف نوعيا وجوهريا وجذريا عن المرحلة التي مضت، ف (البيت – الباخرة) في مسرحية برنارد شو هو رمز لانكلترا التي خرجت من الحرب العالمية الاولى، اي رمز للبيت الذي لم يكن هناك من يمتلكه او يديره او يوجهه في ذلك الزمن الجديد، وهو يذكٌر – بالتالي - ببستان الكرز عند تشيخوف، والذي كان يرمز الى روسيا نفسها، التي كان يجري بيعها وتقسيمها في بداية قرن جديد يختلف ايضا نوعيا وجذريا عن القرن الذي مضى، وعدا ذلك، فان مسرحية برنارد شو الكوميدية تلك كانت مليئة بالحوارات المتشابكة جدا حول احداث حياتية تخلق تلك الاجواء الفنتازية – حسب العنوان الثانوي للمسرحية – والتي تذكرنا فعلا بالاجواء الروسية الغريبة جدا. وهناك في النقد الادبي الروسي الكثير من الدراسات التفصيلية حول المقارنة بين هاتين المسرحيتين بالذات بما فيها أطاريح جامعية عديدة، بل ان هذا الموضوع يدخل حتى في منهج بعض المدارس الثانوية لتوسيع افق المعرفة للتلاميذ واعدادهم لاحقا للتخصص في دراسات العلوم الانسانية، وقد اطلعت على كتيب تفصيلي خاص أعدته احدى مدرسات الادب الروسي في الصف العاشر في تلك المدارس حول هذه المقارنة بين مسرحية تشيخوف بستان الكرز ومسرحية برنارد شو بيت القلوب المحطمة، وما الذي يجب على مدرس الادب في هذا الصف ان يركٌز عليه في شرحه للتلاميذ بشأن هذا الموضوع والمقارنة بين الافكار والشخصيات ..الخ، ولا مجال هنا طبعا للحديث التفصيلي عن كل هذه النقاط، الا ان النقد الادبي العربي لم يتحدث عن ذلك الارتباط لهذه المسرحية بالادب الروسي بشكل محدد وواضح، على الرغم من اننا نجد بعض الاشارات البسيطة حول ذلك هنا وهناك ليس الا، مثل ما كتبته ندى زين الدين في الموسوعة العربية، الصادرة بدمشق (الفقرة الخاصة ب جورج برنارد شو) ما يأتي حول هذه المسرحية - (.. ويتضح من خلال المسرحية تأثر شو بأنطون تشيخوف وليف تولستوي ..)، ولكنها لم تبين اين انعكس هذا التأثر، ولم توضح كيف استخلصت ذلك الاستنتاج الكبير والمهم فعلا، وربما لا تسمح طبيعة الكتابة التعريفية المركٌزة والمضغوطة – ان صحٌ التعبير - في الموسوعات عامة الاستطراد في هذا المجال واعطاء تفصيلات حوله، ولكن الاشارة الى هذه القضية الكبيرة كانت تقتضي – مع ذلك – اضافة جملة او جملتين في الاقل لتوضيحها والا فانها تفقد معناها، اما الصحفي والناقد الادبي المعروف الاستاذ ابراهيم العريض فقد كتب مقالة طويلة عن هذه المسرحية في جريدة الحياة اللندنية بتاريخ 6 آب / اغسطس عام 2014 وتحت عنوان – (بيت القلوب المحطمة لجورج برناردشو – خرافات المجتمع الانكليزي وأكاذيبه)، وهي مقالة رائعة كما هو الحال في كل ما يكتب الاستاذ العريض، ولكنه لم يذكر هناك بتاتا موضوع تأثير تشيخوف او الادب الروسي بشكل عام على برنارد شو حول اجواء هذه المسرحية وافكارها، بل اني اندهشت لان هذا الكاتب المتميز بدراساته العميقة حول الاداب الاجنبية عموما والادب الروسي بشكل خاص (انظر مقالتنا بعنوان – ابراهيم العريض والادب الروسي) لم يتوقف حتى عند العنوان الثانوي الذي كتبه برنارد شو نفسه لهذه المسرحية و هو انها - فنتازيا على الطريقة الروسية حول موضوعات انكليزية، كما اشرنا اعلاه، وبالتالي لم يوضح لنا لماذا كتب برنارد شو هذا العنوان الثانوي لمسرحيته وما الذي اراد ان يقوله عبر ذلك، اذ لا يمكن ان يكتب المؤلف المسرحي - وباهمية ومستوى برنارد شو - هذا العنوان الثانوي لمسرحيته عبثا ودون دلالات محددة ودقيقة ترتبط بذلك فعلا.

هناك نقاط اخرى طبعا في اطار هذا الموضوع، واهمها عناصر التشابه والاختلافات بين المسرحيات ذات الفصل الواحد التي كتبها تشيخوف وبرنارد شو، و تناولها النقد الادبي الروسي في القرن العشرين وقد اطلعت على بحث معمق صدر عام 2005 حول ذلك في المجلة العلمية لجامعة فولغوغراد الحكومية تناولت فيه الباحثة فاسيلييفا وبالتفصيل كل هذه المسرحيات ذات الفصل الواحد مع مقارنة تفصيلية بينهم من حيث الموضوعات والاسلوب الكوميدي والشخصيات..الخ، وبشكل عام، فان النقد الادبي الروسي يولي اهمية كبيرة جدا للنتاجات الابداعية لجورج برنارد شو ومقارنتها بنتاجات الادباء الروس، وهو موضوع كبير في علم الادب المقارن و يستحق الدراسة والتأمل بلا شك .

 

أ.د. ضياء نافع

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3059 المصادف: 2015-01-20 02:12:01