المثقف - قراءات نقدية

الحكيم والجدل التاريخي بين الشرق والغرب

رواية عصفور من الشرق، للكاتب توفيق توفيق الحكيم صدرت عام 1938 ترجمت ونشرت بالفرنسية عام 1946 طبعة أولى، ونشرت الطبعة الثانية في باريس عام 1960، وعلى الرغم من أنها تصنف في إطار أدب الرحلات إلا أن الجدل التاريخي بين الشرق والغرب والعلاقة بينهم يمثل السياق العام للرواية.

تتجلى رؤية الحكيم في طرح العلاقة بين الجانبين من خلال محسن بطل الرواية الذى ذهب الى فرنسا ولا نعرف لماذا سافر؟ إلا انه غرق فى التأمل ترسيخا عميقا لروحانيه الشرق فى مقابل الغرب المادى .

وقد برع المؤلف فى ذلك من خلال المحاورات القائمه بين البطل واصدقاءه الفرنسيين هذا من جهة ورغبته الملحه فى تفسير كل الاشياء حوله فى فلسفه تصل الى عمق المعانى وجوهراها من جهة اخرى فكان حبه الى سوزى الفرنسيه الجميله التى تختلف شكلا وموضوعا عن البنات الشرقيات ، فمقاييس الجمال مختلفة والطبائع متباينة، ليس هذا فقط وإنما نمط الحب ذاته مختلف بينه وبينها فهو يتمنى أن يراها يراقب سلوكياتها يتجزر في أعماقه إلى وحده فلسفيه تصل إلى وهده سحيقة وإلى أغوار حدودها غاية في البعد ،وهي لا ترى في الأشياء إلا السلوك البسيط القريب المادي لا ترى من الحياة سوى تلك المنفعة المباشرة التي تحقق لها مصلحتها ومتعتها.

ابحر البطل فى ميتافزيقا الحب وسلوكيات غاية فى الكلاسيكيه فحين ارسل اليها ببغاء علمه كيف ينطق كلمه أحبك كان يقر ضعفه الذي بداخله ويؤكد خجله وعدم القدرة على البوح وتردده اللامنطقى.

ولا يملك من الجراءة ما يوجهه به تلك العلاقة ويمكن لهذا السبب من بين أسباب أخرى، تركته سوزي بعد أسبوعيْن فقط من تعارفهما. الأنكى إنها ندمت على القصاصة التي بعثتها له وهو ذاته كرهها ولا ادى إذا كان كرهها فعلا ؟أم كره ضعفه! فحين انتهت تلك العلاقة أمطرها بوابل من حقد لا مثيل له لم ينقذه من ذاته المكره إلا رباعيات الخيام التي وقعت عيناه عليها فنزلت على قلبه بردا وسلاما ليؤكد في رقه بالغه معنى الروحانية والصفاء العاطفى بل انطوى هذا السلوك فى تفسيره الى مدى أرحب من تلك النظره فيلحظ فى ذلك أدب جميل وسلوك روحانى ورقى فى الحب والمشاعر بعكس ما كانت عليه حبيبته الجميله التى ترى الحياة أسهل مما يمكن ان نغوص فى ما وراء الافكار والمعانى ونظريتها عفويه ان جاز التعبير وسلوكها جزاء من تربيتها فلا تدعى اثما حين تسخر من وقفته المستمرة تحت منزلها فكان محسن مثلاً ينتظر تحت الشبابيك عسى أن يلمح محبوبته.

يقول عن نفسه: «أجمل لحظاتي ساعة أقف أمامها أنتظر، وأنا أعلم أنها لن تلقي إليّ بكلمة تسرّ خاطري. مرّة واحدة نبذت لي عفواً بنظرة وقالت لي :«أما تزال واقفاً ها هنا؟ أي مخلوقٍ أنتَ؟» وفى هذا فهو يستدعى من الذاكره صورة عمّه اليوزباشي سليم في قهوة الحاج شحاتة في حيّ السيدة زينب.

كان اليوزباشي ينتظر لساعات طويلة شاخصاً إلى دار محبوبته سنيّة، آملاً أن يلمح لون ثوبها الحريري الأخضر خلف «المشربية» ويقوم بحجز غرفه فى فندق ليكون قريب منها . لقد جسد المؤلف عمق النظره الروحانيه للشرقى الاصيل حيث محسن الذى لم تبهره اضواء الغرب بقدر ما تأمل فى حبيبته وكانه يريد ان يطوع ثقافتها لفلسفته الروحانيه بدليل انه كان دائما وابدا يرى فى الشرق الحلم والامل والامان والطمأنينة.

و يرى فى الغرب النفعيه والماديه والمصلحة حتى بدى ذلك واضحا بشكل عام ايضا حينما تحدث عن امريكا التى يكرهها ويراها موضع سخطه واشمئزازه : «يخيّل لي يا أندريه، أن هؤلاء الأمريكان قوم خُلِقوا من الإسمنت المسلّح، لا روح فيهم، ولا ذوق، ولا ماضٍ.

إذا فتحت صدر الواحد منهم وجدت في موضع القلب «دولار» إنهم يأتون إلى هذا العالم القديم حاسبين أنهم بالذهب يستطيعون أن يشتروا لأنفسهم ذوقاً، ولبلادهم ماضياً ويرى انهم سماسرة والدولار هو السيد وهو الاله الذى تخضع له جميع الرقاب ويستمر الحكيم فى تأكيد هذا الملمح الذى تقوم عليه بنيه الرواية من خلال محاورات ونقاشات محسن مع صديقه اندريه فقد كان محسن مازال منقوعا بالمطر بلا اكتراث ها هو الآن يقف أمام تمثال الشاعر «دي موسيه».

قال اندريه قبل كلّ كلام، أنجُ بي وبنفسك من هذا المطر، ليس هذا وقت النظر إلى التماثيل بل هذا وقته، تأمّلْ يا أندريه، هذه الدموع في عيني الشاعر، لو لم يكنْ هذا الشاعر من رخام لولّى الساعة هارباً هو وعروسه إلى أقرب قهوة، وتركاك وحدك وسط هذه المياه، هذا هو الشرق، وهذا هو الغرب، في نظر الحكيم ، أو هذا ما يوحي به الحوار. هل سيتفاعلان، وتتمخض عنهما صياغة ثالثة يفطن أندريه إلى فم محسن وهو يلفظ نواة فصاح به: تأكل بلحاً! نعم: وفى شوارع باريس، آه أيها العصفور القادم من الشرق! في مصر نسمّيه «عجوة» هذا النوع من البلح. إني أتخيّل نفسي الآن في ميدان المسجد، بحيّ السيدة زينب! وأتخيّل هذه النافورة... قد يجمل القول إن شخصية محسن على الرغم مما يبدو عليها من تفكّك وسذاجة، فإنه كان واعياً. سياسيا واقتصاديا.

لم يترك الحكيم فرصه فى الرواية لاتعبر عن تجسيد النظرة الروحانية للشرق من خلال حوارات محسن كما ذكرنا ففى احد المرات كان محسن يصف لأندريه وزوجته جرمين كيف كان يراقب بائعة تذاكر لساعات، مضفياً عليها صوراً خيالية لا علاقة لها البتّة بما كانت تقوم به تلك الفتاة.

رغم أنها تبتسم للزبائن، غنيّهم وفقيرهم، إلا أنّ«ما من أحد يعرف سرّ قلبها» كما يقول محسن. ولكنْ ما علاقة قلبها ببيع التذاكر؟ هل لا بدّ لمحسن وإضرابه من أنثنة المرأة، إن صحّ التعبير. تساءلتْ جرمين زوجة أندريه أهذه المرأة في باريس؟ أم في كتاب ألف ليلة وليلة ويتساءل أندريه وهذا الشباك أين هو؟ في أيّ قصرٍ سحري ، يجيب محسن بهدوء:«في شباك التذاكر». هذه صفات بعض العقليّات الشرقية التي تركن للصدف.

ومن صفاتها الأخرى العيش في الأحلام. يقول محسن :«إنّ من السهل على عقليّتي الشرقيّة البسيطة أنْ تعيش في الأحلام، كما تعيش في الحقائق، وإنها لتأبى أن تؤمن بانهيار الأشياء بمثل هذه السرعة».

والاختلاف الوحيد الذي طرأ على محسن في الغربة، هو حبّه العميق للموسيقى الغربية الكلاسيكية ربما لإن الموسيقى هي الآصرة الأقوى بينه وبين بئيته الجديدة؟ هل لأنها لغة تجريدية؟ أم لأنّها لغة روحية، تصعد بالإنسان من سماء إلى سماء؟ أعلى فأعلى.

وعلى أية حال يبقى السؤال المهم والملح لماذا كانت هذه النظره فى ادب الحكيم ولم تختصر فقط على ادب الرحلات ان جاز التصنيف ويكون استعراض المكان والبيئة والأشخاص والسلوكيات والعادات والتقاليد والقوانين هو الملمح الرئيسى، إلا ان الحكيم اخدنا فى اغوار سحيقة فى متاهات فلسفيه وجدل تاريخى فى طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب والسؤال كان لماذا ؟

والاجابة سهلة وميسورة فرواية عصفور من الشرق تدور أحداثها قبيل الحرب العالمية الثانية وترسم أحوال فرنسا بدقة؛ البطالة والفقر المدقع، والعمال عبيد القرن العشرين تسخرهم المصانع للعمل طيلة اليوم من أجل لقمة لا تغني من جوع، انهيار العملة الفرنسية وتدني سعر الفرنك وهجمة السائح الأمريكي المتلذذ بالفقر الفرنسي وإشعال سجائرهم بأوراق العملة إمعانا في إذلال الفرنسيين..

لا بيت هناك ولا أسرة.. عصر العبيد عاد من جديد.. سيقفز إلى ذهنك هذا السؤال على الفور: كيف استطاعوا في هذا الزمن الوجيز تجاوز المحنة فيما غرقنا نحن؟و الاجابة أن بديلهم هو استعمارالدول النامية الضعيفة،

و من ثم فأن تلك الفترة هي التي قويت فيها شوكه النضال الوطنى ضد المستعمر الاجنبى، وقد أراد الحكيم ان يقاتل فى ساحة اخرى غير ساحة الفداء الجسدى فأختار ساحة يتقن فيها فن المبارزه ويحترف فيها الاداء الجيد والصبر على الجدل والمناهدة فكانت ساحة الأدب، فأراد من خلال تلك الرواية ان يعبر عن أفضلية الشرق في مقابل الغرب وأن يفطن الغرب ذاته الى مساوءه وعيوبه ،

 

وانه برغم كبوه هذا الشرق المتعثر الرازح تحت نيرا الاستعمار ووطئه الاستعباد إلا انه قادر على الاحتفاظ بسماته وقسماته وخصوصيته التى تتجلى فى روحانيته وعقائده، فأيضا لم ينسى المؤلف ان يذكرنا دائما برغبة البطل فى العوده الى الشرق والعوده الى حى السيده زينب والى هذا الطهر النابع من قداسه سماويه ووعى ايمانى عميق .ومن هنا فأن الحكيم حين اختار ساحة اخرى للدفاع عن الوطن كان يدرك تلك الحقائق فى ذاته ومن ثم امتلك ادواته فضلا على ان الباعث الاساسى

فى ذلك هى تلك الروح التى تشبعت فى تلك الفترة بالنضال واتسمت بالمقاومة وفى تقديرى انها رواية اذا جاز لنا التصنيف فأنها تخضع الى اداب المقاومة وتتجلى عبقرية المؤلف فى اختيار فرنسا فعلى الرغم من أن مصر احتلالها انجليزى إلا ان اختياره لفرنسا له بعدين مهمين أولهما أنه يرسخ مفهوم الغرب فى اطار كلى والثانى أنه لا يفرق بين مصر واى بلد عربى اخر تخضع لاستعمار وكأن الغرب سلوك واحد والمقاومه المصريه العربية نسيج واحد،،،

و لا أجمل من أن يفهم الغربي الحقيقي طبيعة الشرق ليس عن شخصنه ولا غرور ولكن لا أن الروح أبقى والأصالة ممتدة ،فهذا هو صديق محسن الروسي يقول آه يا أوروبا القاسية.. منحت الناس صفيحًا وزجاجًا ومعدنًا وبعض الراحة في أمور معاشهم ولكنها سلبتهم الشاعرية وصفاء الروح.. أعطتهم سرعة الانتقال وحرمتهم ثروة النفس التي تنمو عند اتصالها بالطبيعة.. و”العلم” تلك الماسة المتألقة، لم تضعها أوروبا في قمة عمامتها لتشع نورا وجمالا بل وضعتها في سن مخرطة تقطع بها شرايين الروح، لقد تفهم حقيقة الشرق الطيب الروحاني على الرغم من أنّه لم يرَ الشرق، يحلم بالشمس، يريد أن يذهب إلى المنبع: «دعني، أيّها الشاب سنذهب إلى الشرق، أريد أن أرى جبل الزيتون، وأنْ أشرب من ماء النيل وماء الفرات وماء زمزم ...»، فيجيبه محسن: «وتترك هذه البلاد.. وهذه الحضارة.. وتترك بيتهوفن... وهوذا رسول للمحبة والسلام، خليق أن يرفع مجد الغرب أبد الآبدين وأن يطهّر الإنسانية وأن ينير القلوب».

هكذا يحلم صديق محسن وهكذا تمنى لكن مغزى اخر فى مأساة الشرق التليدة هى استرجاع تلك الشخصيه الروحانية والأمل فى عودتها لأنها فقدت بعض بريقها ورونقها فالشرقى المفتون بتلك الذكريات والخيالات والإبداعات الشرقية وتفردها بخصوصية الروح والدين والعقيدة والايمان والطمأنينة والسعادة والأمل والنور والحلم الى اخر هذه المرادفات والصفات يتمنى لو أن هذه المعانى تعود الى قوتها قبل فوات الاوان وقبل أن يأتي يوم لا يستطيع فيه الشرق العودة الى أصوله وأصالته فيكون بذلك خسر شخصيته وتميزه وحياته.

أن كل أدبيات تلك الفترة كانت تستمد قوتها وعزمها من الظرف التاريخى الذى تعيشه فكان النضال بكل أطيافه ومستوياته هو المسيطر على العقول والاذهان فخرج علينا الحكيم بروايته هذه وأطل علينا يحيى حقى بروايته قنديل أم هاشم فى عام 1939 ليرسخ مفهوم التغير ايمانا منه بأحقية الشرق فى التقدم والتطور مع الاحتفاظ بسماته وقسماته التى تميز أخلاقياته وسلوكياته ،ولكى ندرك حقيقة ما كتب من روايات عربية فى تلك الفترة علينا ان نفهم ونستوعب ونقرأ التاريخ .

 

د. عماد الكاشف

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3096 المصادف: 2015-02-25 23:57:04