المثقف - قراءات نقدية

البوح الساخر في "ماذا تحكي أيها البحر؟" للكاتبة المغربية فاطمة الزهراء لمرابط

najia  janna"ماذا تحكي أيها البحر؟" عنوان معبر يوقعنا في حبال القص الهادر كأمواج البحر، الانسيابي كحفيف رياحه ذات النسمات الأنثوية التي تحمل بين جوانحها لغة شعرية ذات دلالات انزياحية، حيث إسناد الكلام إلى البحر، فيكون القارئ فكرة حول القصص التي جلها جاءت بوحا مستمرا، وبالرغم من الذبذبات الشعرية التي نستشعرها إلا أن جل المواضيع تلامس الواقع بكل همومه ومشاكله، وتلامس أيضا ذات الكاتبة برغباتها وأمنياتها وانكساراتها. فالمجموعة القصصية هي الولادة الأولى لفاطمة الزهراء لمرابط، لذلك كان وجعها مضاعفا، ورغبتها أكيدة في طرح قضايا تؤمن بها وتتوخى من خلالها التعبير عن رسائل إنسانية.

تضم المجموعة تسعة عشر قصة قصيرة، جلها اعتمدت تقنية إبداعية متميزة، حيث اعتمدت أسلوبا سهلا محملا بتلميحات لا تخلو من سخرية لاذعة، ووصفا موجزا لا يحمل تفاصيل مملة، تقتفي أثر المعلومة مع سبق الإصرار والترصد فتأتي الحكاية منسجمة انسجاما كليا من البداية حتى النهاية . بعض القصص جاءت كقصيدة نثرية أو كخاطرة تحمل أسلوبا رقيقا ولغة شعرية شفيفة كما في ص 8 " أنت القصيدة" " هذا المساء كان هناك، عبث بالحروف والكلمات، لهفة الشوق، لم تبدد رغبة الصمت والسؤال، لم تمح بقايا الحروف الملتهبة...."،

كما أن استخدامها لبعض العبارات بالدارجة المغربية في بعض النصوص يزيد التعبير تأكيدا وتأثيرا وواقعية، كما في ص 15 "آآآآآآه على زمان الحكرة...." وفي ص 75 " الله يا ربي، بنت وحدة ومسخوطة".

لكن في جل القصص نشتم رائحة البحر، يندثر زبده، وتمحي أحزانه مع المد والجزر فتتملكنا نوستالجيا للطفولة وللشباب حيث الإحساس بالأمان تارة والخيبة تارة أخرى. شأن الكاتبة التي نجدها في كل القصص بجانب البحر أو وسط أمواجه بدون منقذ، دلالة على وضعية المرأة الحائرة، كما توحي صورة الغلاف، بفضاء ضبابي، وكأن السيدة على الشاطئ بخطواتها المتأنية تحمل أسرارا سوف تشاركها مع البحر، أو سوف تسائل أمواجه عن الحلول لمشاكل وأسرار أثقلت كاهلها.

فالكاتبة تنطلق من أحداث واقعية كلها ممزوجة بأحاسيسها المرهفة، الشيء الذي يؤكد طغيان الذكريات والأحلام على المتن السردي، فينطلق الحكي من أعماق الذات لينكأ جراحات القارئ، ويتناوب ضمير المتكلم والغائب في القصص، ورغم استخدام وجوه مقنعة للشخوص، ندرك جيدا أن شخصية الساردة قوية وتطغى على الأحداث. فكل النصوص تحمل وجهين مختلفين ( الإعلان والإضمار) الشيء الذي يزيد الخطاب السردي تنوعا وجمالية.

نبشت الكاتبة عميقا بين هموم المواطن، وأضافت همومه لهمومها، ففضحت معاملات وعادات كثيرة تنخر واقع المجتمع المغربي،

في قصة " انتظار" ص 14 " الرجل القصير يختفي بين المكاتب المتشابهة، ويعود بعد خمس دقائق بورقة صغيرة مزينة بتوقيع أحمر، لون الدم الهارب من وجهه، وهو يتجول كل يوم بين المواطنين ..." أسلوب التلميح يزيد الوصف حدة وجمالية " ادهن السير يسير" تنتقد تفشي الرشاوي والغش والرداءة في الإدارة العمومية حيث ينبئ الوضع بإفاضة الكأس وسط جموع الشعب .

أما قصة " لعنة" ص 23 فتحمل بين طياتها انتقادا لاذعا لوضعية الثقافة والمثقف بالمغرب، والواقع المتدني للملتقيات الأدبية، حيث تصور واقع المبدعين المبتدئين واندهاشهم وخيبة أملهم أمام من يعتبرون أنفسهم أوصياء على الأدب، في حين لا يملكون من الإبداع سوى حقيبة مهترئة وبيرية، يلهتون وراء مصالحهم الشخصية وفتات الموائد، " تلعن في صمت، الحروف التي جعلتها تقف أمام رجل بائس لا يفقه في الكتابة سوى انتقاداته التافهة، ثم يحمل حقيبته المهترئة ويرحل بعيدا في انتظار لقاء آخر " ص 24 " ما الجدوى من السفر لساعات وساعات ..؟ والوقوف لدقائق أمام الميكروفون، أمام الكاميرا، تتساءل في أعماقها، وهي تتأمل الوجوه المنصتة، الوجوه المتجهمة، المتبرمة، الأنامل العابثة بأزرار الأجهزة المحمولة" ص: 25 " لم جئت إلى هنا ؟ ألتكوني صفراء مثل هؤلاء، ستعودين خاوية الوفاض كما جئت، ستلملمين شظايا حروفك اليتيمة، وتحمين شهادة كرتونية مع أوراقك المنسية".

في ص 69 القصة "التباس " أيضا تفضح بعض التصرفات الدنيئة لبعض المحسوبين على الثقافة والصحافة، بحيث يتعرض مبدع مبتدئ لسرقة عمله الأدبي من طرف كاتبة مشهورة في ص 70-71 " آه ما أحلى الشهرة.

...

قال وهو يتقدم بروايتها الأخيرة.

...هل يمكنك الاطلاع على نصوصي المتواضعة، إنها منشورة على صفحتي بالفايس بوك.

...

هذا الصباح كانت هناك، تبتسم، تبستم له وحده، ذكرى اللقاء العابر لا يزال حلما يداعب خياله، لم يحتس القهوة السوداء كعادته، بل تمتع برشفات من عصير البرتقال، فرحا بجديد كاتبته الغالية، وعلى حروف الجريدة تجمدت عيناه، يا لسخرية القدر، إنها قصته القصيرة..." قفلة القصة ختمت باندهاش القارئ من الحقيقة الصادمة لواقع الساحة الأدبية .

في قصة " أمواج" ص 33، توظف أسلوب الإسقاط، والحوار الداخلي الذي يبدو عاديا مع الجدار، يأخذنا إلى زمن الطفولة، حيث الكاتبة تستمتع بحكايات أبيها، بشغبها،لعبها ورسوماتها، وفي نفس الآن تستشعر حزن الجدار وتوظف همومه لصالح نفسيتها البئيسة، قصة تعبر عن ذات الكاتبة الحزينة التي تسعى للتخلص من كآبتها، وتبدأ من خلال موهبتها ( الرسم) في ص 39 "

- صباحك مشرق أيها الجدار العظيم ..؟

ألقيت التحية وأنا ألتفت حولي، وكأني أخشى أن يسمعني أحد المارة فيتهمني بالجنون...

وأين هي العظمة؟؟

رد الجدار منكسرا

-أنت عظيم، ألا تنظر على شموخك، انظر إلي ألا تتذكرني؟؟ كنت طفلة قبل سنوات، وها أنذا أغادر الثلاثين، هل تعلم كم هو عمرك؟ والجدران بعدك أصابها الفناء منذ زمن طويل.

نبرة الحزن والانكسار تغلف صوته...

طرحت القاصة عدة قضايا جريئة تهم المرأة، وعرضت بعضا من خبايا الأنثى وهواجسها على الخصوص، وما يتعلق بها نفسيا وجسديا واجتماعيا واقتصاديا، بحيث أعطت لعناوين النصوص دلالات، إيحائية :ك " أيام الباكور" ص75 و"شمعة" ص 83 و"أبواب مفتوحة "ص 87 " ثرثرة" ص 103 و" برج الهوى" ص 109 و"عبور" ص 113 و" تلك الشقراء " ص 119، وبذلك جاء الكتاب محملا بأبعاد إنسانية .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3101 المصادف: 2015-03-03 12:36:09