المثقف - قراءات نقدية

أثر الاحتلال الأمريكي في الشعر العراقي المعاصر "قراءة نقدية"

rasha ghanimحمل الشعراء الهمَ الوطني في ضمائرهم وعايشوه من خلال انصهارهم في بوتقة المجتمع الأبي الرافضِ للظلم والطغيان، فالشاعر يلقي بنفسه في دائرة النار، حيث لاتطاوعه نفسُهُ على الصمت، فيدخلُ المعتركَ السياسي متسلحًا بقصائده وهذه القصائد تكون مشحونة بقوة عالية من التحريض، والتنكيل بتعرية واقع الطغاة الموحش؛ فالشاعر الذي نحتاج إليه لتوجيه التغيير المنشود يقوم ناهضًا لإخراج الأمة من الفوضى والانهيار والتسيب والتشتت والقهر السياسي والفقر والحرمان، فهذه العوامل مجتمعة تمثل العوائق الحقيقية للتقدم وهي المستهدفة بعملية التغيير .

فالتاريخ العراقي الحديث والمعاصر على وجه الخصوص كان دائم الحضور في الذاكرة الشعرية التي حفلت بالكثير من الأحداث والثورات التي غيرت خارطة البلد السياسية وخارطة العالم العربي عموما، وانعكس صداها واضحا في مجمل النتاج الشعري .

الشاعر العراقي كان كالمرآة لمسرح دامٍ تجري عليه أفظع أنواع الممارسات اللاأخلاقية من سلب وقتل واقتلاعمن جراء ما قام به الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م حتى خروجه منها عام 2011م، فلم يكتف المستعمرالغاصب باستلاب خيراتها لأن مخططه الاستعماري كان أخطرَ من ذلك بكثير، فمنذ بدايةُ الاحتلال الأمريكي للعراق عمل على إثارة الطائفية والعرقية، وإنماء الانتهازية والنفاق في نفوس من لا ضمير لهم، الذين يبيعون وطنهم بثمن بخس مقابل دولارات قليلة، كما ركز المستعمر على تردي الوضع السياسي أكثر عندما أتى بحكام لا يفهمون في السياسة أو إدارة الدولة بقدر ما يتفننون في أساليب الغش والنهب واستغلال السلطة لمصالحهم الخاصة، وعلى الوضع الآخر ارتكبت العصابات الإرهابية المنظمة "داعش وغيرها"، وميلشيات الأحزاب، ورجال الأمن والشرطة أبشعَ الجرائم في حق المواطن العراقي، فنجد أن ملايين العراقيين ممن قصمهم القتل والإرهاب والعنفُ والموت هم ضحايا الحكومة والمعارضة والاحتلال على حد سواء، فكل منهم بطريقته يتفنن في الإذلال والقسوة والتدمير لهم حيث نجد كثرة الانتهاكات المشينة لحق الحياة تجري تحت سمع وبصر الجميع وبمباركتهم.

تتراءى لنا في تلك النماذج الشعرية المنتقاة لشعراء وشواعر العراق في تلك الفترة المعنية للبحث مهمة الذات الشاعرة التي تكشف عن خباياها من الخوف والقلق والضياع والصراعات الكثيرة التي تجتاحها من جراء القهر والدمار وكل أدوات الموت التي يصنعها الآخرون من أجل استلاب الإنسانية ومن أجل إهدار الكرامة العربية، ومن أجل القضاء على كل هوية عربية.

احتوت تلك النماذج الشعرية على مضامين كثيرة منها:

1- الهوية:

الهوية العربية هوية مهترئة تباغت عليها كل أشكال العدوان لإراقتها ولكن سيظل كل عربي ينتمي لعروبته ولأرومته العربية.

تقول بشرى البستاني: (1)

هل رأى حمورابي ما فعلته الدبابات الأمريكية بأسوار بابل..؟

ثار العالم ثورة دونكيشوتية على عشرات الآلاف من القطع الأثرية

النفيسة التي سرقت من متاحف العراق

وناشد المختصون منظمة اليونسكو ومراكز حماية الآثار الحضارية

لكن الدبابات الأمريكية ظلت تخرب أسواربابل

وتهدم شرف قصورها المفتوحة على الأفق،

وظلت الحرية والديمقراطية الأمريكية وقوانين انتهاك حقوق الإنسان

سارية المفعول

تبدأ القصيدة ببنية متوترة تتفاعل فيها الذات الشاعرة مع الحدث وتكسر أفق التوقع فتذهب إلى الماضي تستدعيه و وتستغيث به لأنه كان ماضيا مزهرا بعبق الحضارة وعبرت أداة الاستفهام في البيت الأول "هل" لتؤكد الفاجعة التي حلّت ببلدها الحبيبلقد وظف النص أسلوب الاستفهام بما يحمله من روح درامية مما يدل على انه اشتغل على التوجس والانتظار والحيرة والخوف، وتناوبت الأفعال الماضية رأى- ثار- ناشد ظلت لتثبت حقيقة وقوع الدمار على متاحف العراق وجاء الفعل للمجهول"سُرقت"ليعمق حجم الشعور بطمس الحضارة وبه تطمس الهوية "إذ لا تكف الذات الشاعرة عن فضح الأنظمة التي سارت وتسير في ركاب العدوان والتي تضع حدودا وقيودا ضد إطلاق نداءات الأمة في مواجهة أعدائها.

 

2- الاغتراب:

ثمة علاقة وثيقة بين الغربة والحنين للوطن" فالألم يستدعى اللذة، والغربة تستدعي الحنين، والحاضر يستدعى الماضي.

وأضحى الشعراء "يعبرون عن تبرمهم وضيقهم بالحياة الجديدة التي لم يجدوا فيها عوضًا عن حياتهم التي عاشوها في وطنهم الأصلي، ولذلك نجد نبرة الشجى والحزن بين سطور أشعارهن فتبدأ الذات الشاعرة متوترة من كل ما حولها لأن بلادها في محنة عظيمة فبالرغم من اغترابها عنها لسنوات طويلة ولكنها ما زالت نبضها، وتزداد إثارة للحنين لقومها عندما تجد عدوا غاصبا يقذف بأسلحته الفاتكة على أرضها، وتتصاعد البنية الدلالية لتتوازى مع ماهية المكان فبالرغم من بعده لكنه قابعا في قلبها، حتى مظاهر الحضارة حولها لا تشعر بها في ظل أناس تكتنفهم البرودة في كل شىء .

قالت لميعة عباس من قصيدة إلى أمريكي (2)

حتى الأغاني أخرست لم تنجو من قتلي

وأمرُّها أني سأدفع حق كل قذيفة سقطت على أرضي

قومي وإن غضبت واغتربت عندي خيرة الأقوام

زرهم ولو كان بهم خصاصة تجدهم الكرام

الجار عندهم أخ، وجاركم يبخل بالسلام

يشكو إلى الشرطة لو أزعج في يوم من الأيام

وتقول أيضا في نفس القصيدة: (3)

أريقت دمانا فهل سلم الشرف العربي الرفيع

يا ذكرياتي في العمارة أسمع الصاروخ ينسف ذكرياتي

ماأحلى ذكريات الصبا والشباب فكأنها تجتر ذكرياتها وتتتشبث بماضيها، الذي يصبح نهبا لأحلام اليقظة لديها، فالعمارة مثلت مكانا يصخب بأشياء كثيرة تم فقدانها فهل ستعوض

الذات الشاعرة ما فات، والآن أضحى حاضرا دمويا تتناقض فيه كل صفات الماضي الأصيل ويأتي الفعل"ينسف "ليؤكد على حجم المأساة التي تعيشها العراق فذكريات الشاعرة تتوازى بين جمال الماضي وقبح الحاضر وهي بينهما تتوق بأحلام كثيرة..

عبد الرازق عبد الواحد يقول: (4)

اللهَ يا دَمَ أهلي .. كيفَ أ نصِفه مِن عَثرَتي بَعدَ أن أصبَحتُ مُغترِبا؟!

يبكي الشاعر دماء الوطن ويحس بالعجز والقهر الشديد نتيجة لاغترابه عن هذا الوطن المهان، فكان خطابا مغتربا ممزوجا بالأسى والحسرة واللوم على هذا الدم المسال دون سبب، ويأتي الاستفهام بالأداة "كيف"للتعجب والدهشة من كل ما يعوق الشاعر في البعد عن وطنه.فما أغلى الوطن، وما أحلى الذكريات على أرضه.

عبد الرازق عبد الواحد يقول: (5)

سبعون عاما وها أنت مرتحل ولستَ تدري لأيِّ الأرض ترتحِلُ !

يا نائيَ الدّار.. كلُّ الأرض موحشة إنْ جئتها لاجئا ضاقتْ بهِ الحِيَلُ ! وكنتَ تملكُ في بغدادَ مَملكة وَدارَ عزٍّ عليها تلتقي المُقلُ وَاليَومَ ها أنتَ ..لا زَهوٌ، ولا رَفلُ وَلا طموحٌ، وَلا شعرٌ، وَلا زَجَلُ تتجلى عداوة الدهر المستمرة للإنسان، فالدهر دائمًا بالمرصاد "يذل بعد العزة، يذهب بالشباب، يبعد عن المكان، يفرق بين الأحباب، وعندما يجتمع الدهر مع الاغتراب يكون الإحساس كالغصة تملىء الحلق وتتكرر أداة النفي"لا"معلنة عن فقد كل أسباب الحياة.فلا طموح ولا زهو ولا شعر ولا زجل فكل ما يطرب النفس وتشتاق لسماعه الآذان لا مكان له على أرض العراق التي أضحت مأتم متواصل ومرثية لا ينقطع نحيبها.

 

3- طفل الحرب

تقول بشرى البستاني من قصيدة لها بعنوان: قال الطفل ماما أكره أمريكا (6)

يا أيها الطفل الذي جاء بلا يد

ولا قدم

ولكن في وجهه قندليين أخضريين

يبتسم

ويسأل القابلة السمراء

عن سر دمعها

عن وجه أمه الذي يشيح عنه نحو طائرة

يتراءى أمامنا مشهدا حزينا لطفل مبتور اليد والقدم ولكنه أوتي من الجمال والفطنة والذكاء الكثير والكثير ونجده يتساءل عن سر انشغال أمه عنه بالطائرة وهو لا يدرك حجم المأساة التي يئن منها الشعب العراقي من استلاب الحرية والكرامة الإنسانية له، ومن هذا العالم المتمدن القاهر بوحشيته، يحاول الطفل جاهدا أن يلجأ إلى أمه لعلها تكون ملاذا ولكن الأم تعزي ولدها من عصر يغتال الإنسانية ويحول كل ملامح الحياة إلى موت، فالقابلة التي يرتبط حضورها بالأنثى وطقوس الولادة وما بها من دلالات الحياة تكون في مواجهة الموت الذي تحيل إليه أمريكا .

تقول بشرى البستاني: (7)

قامت قيامة الصواريخ واختلط اللحم العراقي البرئ

بجحيم الحضارة الأمريكية الغارقة بالدرن ..

اختلطت جثث خمسة وعشرين مليوناً وتسعمائة ألف شهيدة

وشهيد، أطفالاً وصبياناً وفتيانا

وشيوخاً من النساء والرجال

وسالت أعراف الحروب وقوانينها عن مشروعية ضرب

الملاجئ،

لكن أحداً في زمن الحرية لم يستطع أن يجيب ..!

ويستشهد على الأرصفة بائعو خبز الفقراء ..

ابحث عمن ينخر السفينة ليعبر بها الى الطرف الأخر

لكن الصمت يراود مقل الكلام وتهوي الصواريخ

عصفها في أعماق الليل يدوي:

اقتلعوا أسس بابل

امسكوا أطفالها واضربوا بهم الصخرة

طفلة تعدو، تلاحقها الشظية،

يدخل السرد الأثيم

والأرض " نيدابا " الغلال

يبلور النص الشعري آلام الأطفال بصورة مكثفة عند الحديث عن الطفل فهو أمل الحياة فجر حياتها الصادق، دوحها المثمر، وفي ظل ذلك تشعر الذات الشاعرة بأنها في مجتمع يجعل المرأة بحاجة لكل شيء...الحب والحماية والأمان ..ولا تجد من هذا شيء ..فتلعن النفط والبلاد التي لا تعرف استغلال ثرواتالوطن وتترك أبناؤه متألما يشكو الفقر والعوز واللاأمان ويزيد في إمعانه وتجبره بقتل الطفولة البريئة الذين انتهكت حقوقهم واغتيلت براءتهم، وجاء الفعل اقتلعوا ليؤكد على انتزاع البراءة من كل مكان،

 

تقول وفاء عبد الرازق: (8)

لا تغلقوا أبوابكم شجيّ ٌصوتي في خيباتِ القلب وجميلٌ وجهي في عيونِ أولاد الحارة الذين رأيتهم بما ليسوا بحاجةٍ إليه سيصبحون مجرّد دويّ . حقولها دلتا "العراق"

تثور الذات الشاعرة وتعلو نبرة صوتها، التي تحمل جسد أنثى وعطفة أم بما ينال الطفولة البريئة وجاء لفظ"أولاد الحارة"ليؤكد ما عاناه الأطفال من فقر مدقع في ظل جحيم الاحتلال.

تقول بشرى البستاني: (9)

امرأة مبتورة الساعد تعدو ..

تبحث عن طفلها بين الانقاض

يحاولون ايقاف نزفها فتصرخ:

لا أريد يدي، بل أريد ولدي

 

تقوم الذات الشاعرة بتكثيف الوعي الأنثوي الذي يتأثر بكل ما يحيطه ويعبر عنه بالكتابة ؛لأنه في وسط هذه الأجواء القاتمة تسكن الأنثى وتراقب بحذر كل ما يجول حولها فالحديث عن قصة إنسانية لأمراة مبتورة تشعر بالضياع لفقدانها ولدها، وعكاذها في الحياةفجاء التعبير بالنفي"لا أريد يدي"مشبعا لكل ما تحتقنه أنفسنا من جراء ما يحدث من انتهاكات للطفولة البريئة.

تقول بشرى البستاني: (10)

يفتح الطفل ذو السنوات الأربع عينيه ذعرا

وبكبرياء الطفولة يموت

انهضي أيتها الارض

كي يتسنى لهذه الرعشة أن تقرع أعمدة الوجود

انهضي………

واستلقي بين سواعد امرأة ورجل يقتصان من القتلة

وبحكمة الأصابع يعيدان تشكيل الكون ..

انهضي

 

 

وعندما نتأمل الأحداث المشينة التي عاشها الأطفال في العراق ندرك أن المحتل لم تكن بغيته البحث عن أسلحة الدمار الشامل أو الاستيلاء على النفط بقدر ما يقتلع البلد من جذوره ولا يتسنى له ذلك إلا بالقضاء على الأطفال وقتلهم وهو لا يعرف لماذا يموت فالقابعون على الأرض لا حراك لهم فهل ستقوم الأرض بهذا الدوي والحراك المنتظر، فجاء فعل الأمر"انهضي"لتلتحم وتعانق كل الموجودات والعناصر المحيطة بها.

عبد الرازق عبد الواحد (11)

ولم تزَلْ كلُّ أثوابِ الصِّغارِ بها شيءٌ يقطرُ دم الأردان مُنسرِبا؟ أكلُّ شيءٍ لدى الأطفال فيهِ دَمٌ وفيهِ جرحٌ لِحَدِّ الآن ما قطبا؟

تصدر الذات الشاعرة خطابا احتجاجيا في زمن تنتهك فيه الطفولة لأن هدف المحتل الأول هو قتل الطفولة وجاء الفعل المضارع"يقطر"ا يوحي بملازمة الدم لكل مكان على أرض العراق ويأتي الاستفهام ليقرر حالة الأطفال البائسين الذين يسلبون أرواحهم دون أي مبرر.

بشرى البستاني من قصيدة"هذا العصر لا يتسع لحبي" (12)

أغمض عينيّ فأبصر الأطفال مكدسين على الأرصفة ِ وتحت الأنقاضْ.. جثثا من ورود بيضاءَ….بنفسجية ْ…. مفتحةً عيونهم ومفردي السواعدْ… لا نعوشَ تحملهمْ… لا قبورَ تواريهم ْ… وتحت أنقاض البيوت حجرٌ يصرخ ْ تحت أنقاض البيوت أنينٌ يتدلي وعلى أجنحة الريح عالقٌ دمع ُالنساء بتراب الأماني

تتأزم الأحداث أكثر وأكثر عند الذات الشاعرة التي تركن إلى تكرار البنى التركيبية ذات الجوهر والمعنى الواحد ولكن بتشكيلات لفظية متعددة ويأتى التكرر للنفي مؤكدا بشاعة الموت الذي تفوح رائحته في كل مكان، ورائحة العفن التي تزكم الأنوف، فالموت لا يفرق بين أحد، جثث هنا وهناك، ودموع النساء تعالق تراب الأماني فليس هناك شىء على الأرض إلا ودنسه المستعمر الغاصب.

 

4- الفوضى السياسية:

شعر خزعل الماجدي وقصيدة" كلما ظهر بطل (13)

هذه هي الحصيلة:

المجرمون في الشوارع

الأبرياء في السجون

والعلماء في المنفى

هذه هي بغداد.

يزخم النص الشعري بتكثيف عوامل الفوضى التي جلبها المستعمر عندما حلّ على الأرض فقد أضحت بغداد لا بغداد، لا مدينة، لا دولة، لا رجال، لا نساء، لا أطفال، فالعلماء في المنفى، والأبرياء في السجون والمنافقون في الشواع يتناثرون في الأرض لأجل بيع بلادهم وبني وطنهم بثمن بخس وتكرار اسم الإشارة "هذا"جسد ولازم الحدث الامتناهي .

يقول عبد الرازق عبد الواحد (14)

فكيف تجرؤ با أهلي بنادقكم على بنيكم ولا تندى لكم مقل؟

وكيف تسفح يا أهلي خناجركم دما بنيكم ولا ينتابها شلل؟

وكيف يا أهلنا نالوا مروءتكم فأوقعوا بينكم من بعد وما اتخذلوا؟

يا أهلنا ليس في حرب العِدا خلل بل قتلكم بعضكم بعضا هو الخلل

وتتآذر البنى الاستفهامية وتكرارها لتؤكد على الفتن التي اشتعلت بين العراقيين بعضهم بعضا فقد أضاء المحتل الغاصب فتيلة الفتنة وخرج، فهل من حل للخروج من هذه الإشكالية التي تتوافق مع ما يريده المستعمر للبلاد.

تقول بشرى البستاني: (15) خذي يا سماء الجريمة ما تبقى،

خذيه، افتحي أفواههم

وصبي فيها أطنان النفط والكبريت والزئبق والذهب

وصهاريج العذاب الذي لن تنطفئ ابداً

فقد أخطات السماء اذ وضعت كل هذه الكنوز في ارض العرب،

أخطأت

 

الذات الشاعرة لا تجد ملجأ إلا بمناجاة السماء ولكن ليست كأي سماء فهي السماء الشاهدة على جرائم المستعمر الغاصب فهل يقنع بكل ثروات ومدخرات العراق التي أخطأت الأرض بوضعها لديها، فأتى الفعل أخطأت لتكثيف كل أنواع المعاناة التي عايشها الفرد العراقي.

 

5- الخوف

تقول بشرى البستاني: (16)

في الخارج يقف جنرالات ٌحاملون بنادق ْ على أوجههم أقنعةٌ سوداءُ وصفراء ْ في أحزمتهم تتكدس صفوف الرصاصِ ِ ورمانات العلقم ْ.. أتلقت مذعورة فلا أجد غير الرجال ِ مدججين بخرائط الحروب ِ ..

تترقب الذات الشاعرة الموقف الخارجي وما يحدث من جرائم بالشارع العراقي تنتهك كل معاني الإنسانية وتأتي لقظة"مذعورة"ببث الخوف والرهبة في كل مكان من خلال بنى متوترة تتآذر مع كل معطيات التشكيل التركيبي للخطاب الشعري المكثف بأوجاع وآلام العراقيين.

شعر خزعل الماجدي من ديوانه فيلم طويل جدا (17)

لماذا تقفُ وحيدا باتجاه الجسر؟

لماذا لا تعبر نحو الكرخ؟

المقاهي أغلقت أبوابَها

والمكتباتُ فارغةٌ

والباعةُ منشغلون عنك

لماذا لا تعبر الجسرَ وتهرب؟

أحضرتُ جواز سفركَ

وأحضرتُ حقيبة السفر

اهرب قبل فوات الأوان

سيبيحون دمَك بعد كتابكَ الأخير

اهربْ.

نجد زخما ثريا بكثير من المشاهد كأنها فيلم وثائقي ولكن بطريقة شعرية فمنذ دخول الإنجَليز إلى بغداد تبدأ قصة الفيلم حتى ظهور التصدعات الكارثية في البلاد لتنتهي بالحروب والدمار والحصار والخراب ثم "بعد العرض" تظهر نصوص الإنذار والوعيد، وهي أمور تشير إلى أن الفيلم بدأ مجددا داخل صالة العرض بين المتفرجين بعد أن نزل أبطال الفيلم إلى الصالة .. وكأن الفلم بدأ بداية جديدة تتحسر على ما لحق بالعراق من دمار شامل لم يكن ماديا فقط، بل معنويا أيضا ويتصدر النص الشعري" بأداة الاستفهام"لماذا "ليوقظ فينا الحياة بعد أن أضحى كل شىء عندنا موات، وتتجلى البنية التكرارية في الفعل "اهرب"لتسند إليها بنى متوترة من القلق والخوف .

 

6- الموت والضياع والاستسلام والخنوع:

تقول بشرى البستاني: (18)

إنهم قتلة الحضارة يا سيدتي …

لا جيش، لا شرطة، لا أمن، ولا مؤسسات

إستراتيجية الاحتلال حلت الجيش والشرطة والأمن والمؤسسات،

إستراتيجية الاحتلال فككت وجود الدولة

حطمت أعمدتها ..

ملايين الرجال في الشوارع عاطلون، لا رواتب، لا تقاعد، لا ضمان

كل شيء يتهاوى.

تكشف الذات الشاعرة عن المعاناةا لتي عاشها أهل العراق من جراء الاحتلال وكانت أكثر تضررا المرأة التي اختزلت كل مشاعر القلق على مجتمعها الذي ينهار، وأسرتها اتي قتلت أو شردت فقد أفسد العدو كل شىء قي الحياة فلم يبق إلا التشتت والضياع وتتكرر أداة النفي "لا" لتجسد حجم الإحساس بالفقدان، والتناثر فكل شىء تحول إلى أشلاء مبعثرة، فقد آلت كل مؤسسات الدولة للسقوط، وأيقن الجميع أن مصيرهم إلى الهاوية. وتأتي الأفعال الماضية "حطمت- وفككت"لتؤول إلى نفس المصير في ظل منظومة فاسدة رسمت ملامح الموت في كل شىء.

تقول بشرى البستاني (19)

دبابات السلب تدور في حجرات المشفى يقتنصُ الامريكيُّ غطاء الموتى يعدو في الردهات وعبر النار المرضى تنهض في مفترق الطرق الليلية أشباحُ القتلى .. نُهبت في غبش الفجر مقابرهم وارتجت تحت عويل الريح جروحٌ ما زالت تنزف في أحشاء الليل

تتحول كل البنى الدلالية في النص لتتآذر مع خطاب الموت الذي لم يرحم الموتى بعد موتهم بل تمادى في إمعانه بالظلم وجبروته وكأنه سيوصلهم الجحيم بيده وكأن دعوة إكرام الميت دفنه أصبحت أمنية في زمن المذبحة لأنه ترخص فيه كل شىء حتى الموتى بعد استلاب أرواحهم، وتأتي الأفعال المضارعة"يقتنص- يعدو- تنهض"لتوحي بحاضر قاتم ينزف دما في ظل أنظمة مهترئة فاسدة.

تقول بشرى البستاني (20)

دبابات الغزو تدور تسائلني الأسلحة العزلاء عن السرّ وأسألها عن نبض الفجر

تبني الشاعرة أفق الحوار مع أسلحة لا حراك فيها كأنها تستنطقها محاولة إضفاء الحياة عليها واختراق الصمت الجاثم وتحدي الموت و السكون وجاءت الأفعال المضارعة (تسائلني- وأسألها) لملازمة هذا الحدث الإجرامي من الغزو والاقتلاع كأن آلة الموت تدور في كل مناحي المكان.

 

مظفر النواب يقول[21)

...إيه الأساطيل لا ترهبوها

قفوا لو عراة كما لو خلقتم

وسدوا المنافذ في وجهها

والقرى والسواحل والأرصفة

انسفوا ما استطعتم إليه الوصول

من الأجنبي المجازف واستبشروا العاصفة

مرحبا أيها العاصفة..

مرحبا...مرحبا...مرحبا أيها العاصفة

مرحبا أيها العاصفة...

ارقوا أطقم القمع من خلفكم

فالأساطيل والقمع شيء يكمل شيئا

كما يتنامى الكساد على عملة تالفة

بالدبابيس والصمغ هذي الدمى الوطنية واقفة

قربا النار منها

لا تخدعوا إنها تتغير

لا يتغير منها سوى الأغلفة

في ظل بنية دلالية مشحونة بالإرادة والتحدي تتبارى ذات الشاعر معلنة التصدي لكل عدو غاشم وتكثر الصور الاستعارية "مرحبا أيتها العاصفة- ارقوا أطقم القمعحيثالاستعارة هي اللغة الطبيعية للحالات المتوترة وللاثارة، لأنّها تمكن الإنسان بعنف مركز من التعبير عن الارتفاع في مستوى الموقف العنيف الذي يثيره هذا المشهد العظيم بإرساء سفن العدو وسيطرتها على كل شىء ويساعدها الكثير من الخونة على مزيد من البغي ولكن ستظل إرادة الإنسان تأبى الضيم وستنتصر يوما لإنسانيتها وجاءت أفعال الأمر"قفوا- سدوا- انسفوا لتهيئة الرغبة لإعادة هيكلة الحياة من جديد دون خنوع واستسلام.ويعلو صوت الشاعر في تكرار كلمة" مرحبا للتأكيد على كل ما سبق .

خزعل الماجدي (22)

يقول:

سأبكي بلاداً نُهبت بساتينُها وقراها

سأبكي شوارعَها وساكنيها

سأبكي على رفِّ مكياجها الفارغِ

سأبكي على كحلةٍ شاحبة

سأبكي على رملِ أنبذةٍ ودخانٍ

سأبكي على شهوةٍ عاطلة

سأبكي على لسانٍ مثقوبٍ

سأبكي، على الكون، متشحاً بسوادِ الهزائمِ

سأبكي لكي أفتنَ الزهورَ

سأبكي لكي أشتهي الموتَ

لا ينفعُ هذا العصر سوى البكاء.

تبكي الذات الشاعرة بحرارة وحرقة وتكرر القعل "سأبكي " فما لها غير البكاء؛ لأن العراق تنزف دما، العراق تحتضر، العراق وآه وآه يا جنة من غير بستان كم تشتهي الأنفس التنزه ببساتينك، وشوارعك، والسمر مع محبيك، ويأتي استعمال ضمير المتكلم في قوله" سأبكي" هنا يشيع فاعلية في النص كونه الضمير الأكثر حميمية وحرارة فضلاً عن أن الشاعر لا يتحدث عن نفسه فقط ولا يحيا لها أو ينقل إحساساتها فحسب وإنما ينقل مع معاناته معاناة الآخرين ويصور بقلمه كل ما يمكن أن يخطرفي النفس البشرية من أحاسيس وصراعات تنشد الموت بدليلا عن الحياة .

خزعل الماجدي وقصيدته شباك النار (23)

مات مؤرخوكِ يا بغداد ونشفت دموعك،

أنتِ هائمة مثل أرملةٍ عاشقةٍ. عشاقك انتحروا

ومسّهم سحرٌ وسقطوا في شباك النار.

وتظل المعاناة والمأساة تجثم على ذات الشاعر عندما تتحول بلاده إلى رماد من الجثث التي لا حصر لها، فقد طال الموت كل شىء في الحياة حتى الأحياء منهم فقد مسهم السحر واالفعل"مسهم" يوحي بالتخبط، وقتامة الموقف، ولكن في ظل حديث الموت يقاوم الشاعر الموت بالحب في أنسنة بغداد كامرأة عاشقة معبرا ببنية دلالية يتصدرها ضمير المخاطب"أنت لبث روح التفاؤل والأمل فالناس يرحلون والأماكن تظل باقية .

1- برهن البحث أن الشعر في هذه الفترة كان مرآة لكل الأحداث الجارية حيث عبّرت فيه الذات الشاعرة عن قلق المرحلة وتداعيتها، فاستطاعت بوعي دقيق أن تفرد لنا مواطن الداء وتشخص عوامل القهر القامعة من قتل وتشريد وتعذيب .

2- عبّر القصيد عن الواقع المعاش وعن اللحظة الراهنة فكان معبرا عن المرحلة.

3- حمل الشاعر العراقي هموم وطنه ومحنته الغائرة فكان شعره كسمفونية حزينة عزفت على أوتارالقلوب.

 

..................

(1) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003، ص11.

(2) لميعة عباس من قصيدة إلى أمريكي ألقتها ضمن أمسية شعرية، 2010.

(3) لميعة عباس من قصيدة إلى أمريكي ألقتها ضمن أمسية شعرية، 2010.

(4) عبد الرازق عبد الواحد، قصيدة قالت لي الارض كتبت 2008.

(5) عبد الرازق عبد الواحد، قصيدة يا نائي الدار كتبت 2004.

(6) بشرى البستاني، ديوان مواجع باء –عين، عمان، مجدلاوي للنشر والتوزيع، ط1، 2011، ص 11.

(7) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003، ص35.

(8) وفاء عبد الرازق، من ديوان مذكرات طفل الحرب، 2008.

(9) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003، ص32.

(10) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003، ص34.

(11) عبد الرازق عبد الواحدمن قصيدة قالت لي الارض، كتبت 2008.

 

(12) بشرى البستاني، من قصيدة هذا العصر لا يتسع لحبي ضمن الأعمال الشعرية 2010، ص 322.

(13) خزعل الماجدي وقصيدته، كلما ظهر بطل، 2008.

(14) عبد الرازق عبد الواحد، قصيدة يا نائي الدار كتبت 2004.

(15) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003، ص22.

(16) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003.

(17) خزعل الماجدي، ديوانه فيلم طويل جدا لعام 2008 .

(18) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003.

(19) بشرى البستاني:أندلسيات لجروح العراق 2003.

(20) بشرى البستاني:أندلسيات لجروح العراق 2003.

(21) مظفر النواب، الأعمال الشعرية الكاملة، لندن، دار قنبر، ط1، 1996وقصيدة الأساطيل، ط .د.ت، ص23

(22) خزعل الماجدي، ديوانه فيلم طويل جدا لعام 2008 .

(23) خزعل الماجدي وقصيدته بركان النار، 2008.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

صديقتي الجميلة الناقدة الدكتورة رشا غانم

تحياتي لجهدك المبذول في متابعة الشعر العراقي الذي عاش معاناة المواجهة الحضارية بين قوة عدوانية استعلائية تسعى لهيمنة استلابية غير مشروعة ، وأخرى نبيلة تسعى للحفاظ على هويتها وكرامة انسانها ..

اتمنى ارسال ايميلك لارسل لك دواويني الجديدة على الاقل الكترونيا
تقبلي شكري وخالص اعتزازي
dejla1988@yahoo.com

بشرى البستاني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3135 المصادف: 2015-04-06 00:45:37