المثقف - قراءات نقدية

نصّ حجر لغرق وشيك .. تجليات القرين عبر كتابة رمزية راقية تتحرّى الجدّة والإضافة

ahmad alshekhawiتفاديا لأيّ من تلكم الإنزلاقات التأويلية الواردة، غير المرغوب فيها والتي من شأنها أن تشتت تركيزنا وتنأى بنا لتحول دون ملامستنا لماهية قصيدة مغرية من هذا الطراز، وحرصا منا على أن تكون هذه المقاربة أقرب إلى فهم المتلقي وإدراكه وفيها لونا زاهيا من نوايا الإرتقاء بذائقته الفنية حسب ما تفرضه حتمية مواكبة إفرازات الأدبيات المعاصرة والتجاوب مع مضامينها الرامية إلى التكريس لأدوار العقلية المتجددة في التعاطي مع الصيرورة الإنسانية انتصارا للضمير ومنظومة الأخلاقيات المحتفية بالنوع البشري والكون في نهاية المطاف .

من بين الحقول الدلالية للفظة" حجر" سوف تقتصر دراستنا ـــ بطبيعة الحال ـــــ على ما فيه إحالة على الحظّ في بعديه السلبي والإيجابي ،حسب ما يستشفّ من العنونة (حجر لغرق وشيك) بإمضاء الأديبة المتألقة أسماء رواشدة .

الحظ ومفاهيمه وكأننا إزاء لعبة شطرنج حامية الوطيس متوهجة أو رقعة لتسكع نرد يتجول بين ضفتي الربح والخسارة، غير آبه لوثيرة الأنفاس وهي ترسم أفقيا وعموديا منحنيات الصراع مع حياة مثقلة بالمفارقات والتناقضات . مما لاشك فيه أن المعضلة أقدس من كل ما ليس يصب في خانة الإعراب عن مدى ثقافتنا تجاه الحياة وفلسفتنا كأضمومة مواقف من سائر الوجود على اختلاف مكوناته . تحديدا ليست فرجة بمعناها القدحي المنبوذ المترتب على النزوات العابرة أو إرضاء الفضول الشكلاني أو هدر الوقت عبر موت لحظي بطيء أو أي من مظاهر تسجيل الحضور خارج نطاق استشعار ثقل المسؤولية ضمن ثنائية الفعل ورد الفعل/ التأثير والتأثر.

فهذا التضاد الدلالي والمكلّل بموقف استشرافي (وشيك) يجعلنا ننساق عبر عملية ذهنية وراء مراوغات كلامية مغيبة لمنحى النص إيجابا باتجاه نجاة رمزية لا تتأتى بسوى الشعر الحقيقي الهادف والجاد و النابع من العمق الإنساني.

وبديهي أن علاقة الحظ الموجب بالنجاة تلازمية تكاملية، والمقصود بهذا الطرح أن كلاّ منهما رهين بالآخر.

وضمنيا ثمة تلميح إلى الماء أبرز أسباب وجود حياة ما أوشبهها . والأرجح أن نوع الماء هنا هو لتفخيم المشهد الرمزي المحيل على الإرتباط بين الجنسين، وهذا يشرع اعتقادنا مباشرة على ثيمة الحب باعتبارها واسطة العقد والجوهرة التي تتصدر المشاعر الآدمية على الإطلاق.

وصاحبة هذه المادة الثرية أسلوبية ولغة وفكرة، والتي نحن بصدد دراستها، تأبى إلا أن تبرح منصة الذوذ عن الأنثى ارتكازا إلى مبادئ وقناعات راسخة، وهذا طبيعي جدا، خصوصا إذا ما قيست المسألة بحجم المعاناة المقترحة داخل هيكل شعري طافح بالتجربة والخبرة الحياتية التي تلغي اعتبارات شدّ مراكز النضج إلى عدد الأيام الأعوام ، بقدر ما تضع الكيف على علو شاهق من كمّ يكاد لا يعني شيئا البثة.

بمعنى أنها تجعل من بنات نوعها ضحايا جور الحب المتسربل بنقائص تحليقه الأعرج اعتمادا على جناح واحد فقط، أي كونه ذا صبغة أحادية القطبية، من طرف فقط،يدفع الطرف الثاني ضريبة غياب الآخر وجدانيا.فيما يوضع النوع المضاد في قفص الإتهام بممارسات الجلاد القاسي غليظ الجانب متحجر الأحاسيس الذي لا يعرف الرحمة والشفقة.  

حين تستهل الشاعرة النص بعبارة" أشبه فيرجينيا وولف" التقريرية تلك ،فهي تهدف بذلك إلى مخاطبة الوعي فينا وملامسته كي تستهدف منطقة التبصّر لدينا ، لا الأحاسيس ،وكأنها تعتمد مؤثرات فعالة تغذي فينا قابلية التهيؤ لاستقبال الصورة الخيالية للمشبه به (فيرجينيا وولف) هذه القيمة المتبلورة نوعيتها وندرتها في مدى سرعة الإستغلال أو الإستثمار الناجع والمختلف للوقت وذلك رهين بالتفنن في الكيفية المنتقاة بها حجارة اقتناص الحظ الذي من شأنه ضمان البصمة الخاصة ومن ثم وسم الذاكرة والموروث بشخصية الخلود.

أشبه فرجينيا وولف

لكنّي أهدرت وقتاً أطول

في انتقاء الحجارة

فأوجه الشبه يمكن حصرها في أي مجال؟ مثلا ، إذا ما استثنينا ميدان إدمان الكتابة ، مع الأخد بعين الإعتبار كون فيرجينيا وولف روائية انجليزية نقشت اسمها بماء الذهب في المشهد الأدبي العالمي،عبر مشوار إبداعي زاخر بالتضحية والعطاء انطلاقا من اتشاحه بالطابع التقليدي في البدء(رواية الليل والنهار) فمرورا بما يعرف بالمذهب الحسي أوتيار الشعور(غرفة يعقوب/إلى المنارة/ الأمواج) انتهاء بالطابع التعبيري كما في رواية "أورلاندو" و " الأعوام" و" بين الفصول" فضلا عن اشتغال وولف بالنقد والقصة القصيرة كذلك.

لعل التقاطع يتم عند نقط جموح المخيال كعلامة فارقة ترفع المبدع بشكل أعمّ فوق من سواه ممن همهم كل ما هو عادي ومألوف جدا ،و لا يعكس حقيقة التسامي فوق ما يلغي الفوارق بين الإنسان المكرم بالعقل والطاقات الهائلة الدفينة، وبين الكائنات الأخري التي تنافسه في المناحي المحرّض عليها عن طريق الغريزة والفطرة .

و إذن ... إلى أي حد يمكن التخمين بذهاب أسماء رواشدة وسفرها فكريا إلى ما يشي بتكرار تلكم الرغبة المضغوطة بتوالي حالات حرجة من الكآبة التي تعرضت لها وولف في حياتها، أقعدتها بالنهاية عن إستئناف منجزها الإبداعي، بل وقادتها إلى الإنتحار حسب طقس درامي سوداوي كما تناقلته ولم تزل الذاكرة الإنسانية المتغنية بهكذا مشاعل وشموس وإن أفلت تمكث إنجازاتها خالدة حية لا تموت.

آخر رواية لها " بين الأعمال" المنشورة بعد انتحارها غرقا في نهر لايبعد كثيرا عن مقر إقامتها، وذلك في اليوم الثامن والعرشين من شهر مارس سنة ألف وتسعمائة والواحد والأربعين، وكانت ارتدت معطفا أثقلته بالحجارة واضعة حدا لحياتها كأديبة وروائية وازنة شكل رحيلها خسارة فادحة للبشرية أجمع.

وفي رسالة انتحارها كتبت تقول لشريك عمرها:

"عزيزي، أنا على يقين بأنني سأجن، ولا أظن بأننا قادرين على الخوض في تلك الأوقات الرهيبة مرة أخرى، كما ولا أظن بأنني سأتعافى هذه المرة. لقد بدأت أسمع أصواتاَ وفقدت قدرتي على التركيز. لذا، سأفعل ما أراه مناسبا. لقد أشعرتني بسعادة عظيمة ولا أظن أن أي احداَ قد شعر بسعادة غامرة كما شعرنا نحن الإثنين سوية إلى أن حل بي هذا المرض الفظيع. لست قادرة على المقاومة بعد الآن وأعلم أنني أفسد حياتك وبدوني ستحظى بحياة أفضل. أنا متأكدة من ذلك، أترى؟ لا أستطيع حتى أن أكتب هذه الرسالة بشكل جيد، لا أستطيع أن أقرأ. جل ما أريد قوله هو أنني أدين لك بسعادتي. لقد كنت جيدا لي وصبوراَ علي. والجميع يعلم ذلك. لو كان بإمكان أحد ما أن ينقذني فسيكون ذلك أنت. فقدت كل شئ عدا يقيني بأنك شخص جيد. لا أستطيع المضي في تخريب حياتك ولا أظن أن أحد شعر بالسعادة كما شعرنا بها"***

ومن ثم فغرق فيرجينيا حقيقة تاريخية موجعة،بينما يتضمن عنوان النص حمولة دلالية متمخضة عما يذكي جذوة فضول وتعطش معرفي من نوع خاص ،في القارئ ويحمله على التنقيب في عوالم الرموز الإنسانية الطافحة بالأسرار والأعاجيب.

هكذا تتضح لنا معالم الوتر الحساس خلف عملية العتاب هذه والمتأسسة على أيديولوجية متجذرة في عمق تاريخ اصطدام النوعين قفزا فوق اعترافات عادلة توجب الإختلاف الفيزيولوجي والسيكولوجي بل وتعتبره ضرورة ذروة في الأهمية والقداسة من أجل حفظ النوع وتكاثره وإحاطته بشتى مقومات تكريمه وتطهيره من غرائز البهيمية والهمجية.

الصعوبة البالغة إذن والأقرب إلى أدغال المستحيل والتواءاته ، هي طرائق انتقاء الحجر باعتبار هكذا سلوكا اعتباطيا له شيفرته المتوقفة في فك طلا سمها على الحظ المبتسم كما أسلفنا (لكني أهدرت وقتا أطول / في انتقاء الحجارة) ومن ثم معانقة شطآن النجاة أخيرا.

لا غرابة في أن يتخلل هذه الوحدة قالب تحفظ صاغته نرجسية معبرة عن لغة الــ "نحن " .ففي إشهار لفظة "لكن" استدعاء وقفة تملّي وغوص في البعيد المطلق ومغامرة جريئة من أجل إزالة أي لبس يحتمل أن يخامر فهمنا و سعيا إلى تبديد أي ضبابية قد تلف طريقة تعاملاتنا مع هكذا إيماءات مفخخة بالغموض والسحر الضمني في آن.

قد يتفق سوادنا الأعظم حول عدم وضع الأصبع البلسمي إذا جاز لنا التعبير، حول الأسئلة المقلقة جدا والمثارة بشأن القيمة الوجودية للزمن والذي من الحمق والسفاهة أن يتم وزنه بالسنين يحدث تعميرها بينما الأصوب والأعقل أن للتجارب ضلوعا مهولا وباعا قياسيا في المسألة .

فهذا الوقت القاطع وكأنه مقصلة بيد جزار تتري جلف ومطيع يفعل ما يؤمر به، إلى متى نتسلم الأمثال المضروبة عنه وله ، على أنها مجرد شعارات قد نلجأ أو لا نلجأ بتاتا إلى جدواها إلا بعد فوات الأوان، معزين أنفسنا بالندم حيث لا نفع للندم على ما يفوتنا ولا طائل يرتجى من ورائه.

نتقبلها كمعطى مسلم به ، ننشغل بما يحول دون الترجة الحقيقية لقيمة الوقت على نحو صارخ في أعمارنا يحدث التغيرات الملموسة صوب الأفضل والمثالي المعتق بمناقب خيرية أخرى بواسطة التحلي والتزمل بها نتحصل درجات الملائكة التي تمشي في الأسواق والأرض، إلى متى؟

إنها لطامة كبرى حقا وغض الطرف عن مكسب ما فوقه مكسب، أن نصبغ أوقاتنا بالهدر مسهمين في التسليم الإرادي لزهرات أرواحنا إلى نار ملتهمة لاتشبع.

فإحساس أسماء ،هنا، بغلطة الوقت المهدور في ما يعوق الإنتشار الرأسي المتصاعد لمحاولات الإجتهاد والكد إبداعيا باتجاه ما يؤول في الختام إلى تقديم لون من الخدمة إلى البشر كيف ما كان حجمها، تغاضيا عن أبواق الدعاية والترويج إلى التفتيت والعرقية والتشرذم والحدود الجغرافية الضيقة واللون وما إلى ذلك من الأسباب الواهية المتقادمة المتهالكة والمفوتة على الكائن البشري الخير العميم.

هكذا نجد أن الزمن المستهلك أو المستنفذ في طقوس انتقاء الحجارة الشاهدة على الغرق كما في حالة وولف،والوالج في عملية تعطيل لغرق رمزي ، هنا، مثلما تؤرخ له التسمية لحظة ميلاد النص،نجده مبددا ومطعما بأنفاس مزدانة بالأمل مهما تبدت قسوة وخطوب وظروف الحياة، فعيشها حتى آخر رمق لهو ضرب من البسالة وإثبات الذات والتحدي المنبغي أن يحوزه ويستحوذ عليه القانط والمتشائم قبل غيره.

في اعتقاد صاحبة هذه اللوحة الدسمة والغنية بالإيحاءات والظلال المموهة المؤسسة للغة جديدة تلامس بؤر الراهن بكل أطيافه وإشكالاته،ينرسم انتقالا عفويا إلى ثلة من البشر ضاربة بجذورها في بدايات التاريخ، إنها ثلة الشعراء، هؤلاء الغرقي المتفردون في غوصهم إلى قيعان أوطانهم حيث تترسب وتتكلس أغلب المعضلات التي تفتت الكيان البشري وتعصف بالأحلام البريئة والملامح الطفولية للمواطنة التي ترتقي بهالة الإنتماء.

النكهة المعسولة لا يتجاوز ترعرعها سن الصغر لترتطم بمرايا النضج والبلوغ المنغص حال تشرع أعين الوعي على الكبار المتكالبين على مصالح هذه الأوطان ، كخفافيش في امتصاص الدماء واستنزاف الموارد المتنوعة دون شعوب مستضعفة مهانة ممن وجودهم مرتبط بحدود جغرافية لا أقل ولا أكثر.

تميز هذه الثلة لامحالة،منبثق من كونهم ألهموا إمكانات ترجمة الدموع وزخم من الأعراض النفسية كالقلق والشك والألم إلخ... إلى ثمار إيجابية يجنى نفعها مع صلا حية دائمة تخترق الزمان والمكان.

 

هكذا فقط يكتب الشعر..

من الأعماق

تنبعثُ الكلمةُ

مدفوعةً بشهقات غرقى

ذهبوا ليبحثوا عن دموعهم

في القاع

 

إن استحضار لفظة"حجر" هنا وتكرارها في الوحدة المفتتحة بها السباعية ، للإشارة إلى القسوة كصفة منبوذة لا تليق بالرجل حتى،فما بالك بشاعرة مرهفة الأحاسيس ، ترى في الكلمة سلاحا يفوق الدموع حيال مجابهة الإنتهاكات والخروقات العابثة بمصائر أنثى كطرف حساس في معادلة غرامية عدم اتزانها يعزى إلى غياب المحبوب.

والنقلة الفوضوية هذه والواشية بكوننا بصدد نص شذري محيل على انشطار وجداني وحالة نفسية مغرقة في المعاناة،يسجل أروع تجليات التمهيد لولوج عملية توحد بالقرين لا سمو في صياغة أبعادها إبداعيا بجنس أدبي آخر بخلاف الشعر.

فالمزهرية المادية كما يصطلح عليها الجميع، بنقرة خفيفة قد تنكسر وتتحطم، غير أنها مجازا هنا اكتسبت بالإضافة إلى قلب الشاعرة قسوة زائدة مضاعفة تخطت صلابة ومتانة أشياء كثيرة ، والسبب فراغهما من ورود القرين. بيد أنهما يتكسران بالنهاية، فيما يعدّ توصيفهما بالأشياء الكثيرة من باب الأهمية القصوى التي يكتسيانها ومنزلتهما الراقية لدى الشاعرة ، وبلا غيا لا علاقة للكم ولا دخل له في هذه الصياغة الدمثة.

 

أشياء كثيرة كسرتها

و أنا أختبر مدى قسوتها..

المزهرية الفارغة من ورودك

و قلبي

 

مطالبة القلب المنكسر ،بصيرورة النبض، مع توظيف آلية تعبيرية متسمة بالشمولية الدالة على التعظيم والإجلال(أيها) لا تنم عن روح انهزامية مستسلمة عاجزة عن تحمل أدنى الصدمات، بحيث لا يأس مع الحياة،بل إن هذه المطالبة أتت في سياقها كلون خطابي متشبع بما مفاده الصمود والتحدي حتى الرمق الأخير.

الشاعرة،هنا، مقتنعة تماما بخوض تجربة الألم وإن في أقل وأبسط صوره (الشوكة) مادام بالإمكان عن طريق هكذا سلوك إثبات مدى حجم الوله المخصص للمشوق/ القرين . الوله المدمن و المختزل داخل قلب ممزق بخيانة الطرف الثاني في المعادلة له ، أي لقلب الشاعرة.

 

أيها القلب لا تتوقف

عن الخفقان..

أريد أن أرمي الإبرة تلو الإبرة فيك

ولا أسمع رنّتها..

بل وإمعانا في هذا النمط من الممارسات والتمرينات الروحية المشدودة إلى فعل جلد الذات، تعبر صاحبة النص عن رغبتها في مراكمة منسوب التوجع إنشادا لمرحلة نهائية وخطيرة يحصل فيها فقدان الإحساس بالألم (أريد أن أرمي الإبرة تلو الإبرة فيك / ولا أسمع رنتها) ومن ثم الموت العاطفي الرمزي الممكن من إلغاء الهامة الهلامية للمتسبب بهذه المعاناة وبالتالي نسفه كصورة مثالية لها سلطتها السلبية على المخيال.

 

أخبرني

و أعدك أن أصدّقك..

أنّ قلبي المليء بالثقوب

برجُ حمام.

 

إن المسكوت عنه المنطوي عليه بياض ما وراء مفردة( أخبرني) كمفتتح لخامس وحدات النص والمحدود بأداة العطف (و) ،يحمل كما هائلا من الأجوبة وفق ما تشي به بقية أسطر هذه الوحدة الشعرية.

وإذن... هو تطلع هستيري إلى ما يشبه التقرير الإخباري المقبول في كل الأحوال برغم تيبسه وجفافه وخلوه المطلق من أي ملمح للمشاعر الجياشة الدافئة.

فالوعد بتصديق تحول القلب إلى برج حمام،يظل مشروطا ورهن ما سوف يخبر به القرين . ومجازا تترع هذا المشهد إيحاءات متناغمة مع عملية التماهي في الشموخ السرمدي المنبغي لقلب شاعرة تحسب البوح أقدس من كونه بمثابة متنفس وشطحات تفلت وزئبقية كلامية تستعيد بها توازنها الذات .

القلب المليء بالثقوب السانحة بتسرب الآلام وهي لعبة كذب على الذات تقترح التخفيف من حدة استشعار مضاضة المعاناة.

 

في غيابك

يُخيل لي أنّ عقربَ الدقائق

ساطورٌ

يقطّع الوقتَ

وقلبي

 

هنا تطرح إشكالية من نوع آخر، فيها من التلاعب بخيوط اللعبة الإبداعية الشيء الكثير،مما يدل على تمكن المبدعة من أدواتها وتطويعها للغة حسب ما تقتضيه الحاجة إلى نقل الإحساس مغلفا بالفكرة ذات المغزى العميق والبعد الثاقب.

في غياب الحبيب تنقلب عقارب الساعة إلى ساطور يقطع الوقت بحد ذاته وكذلك قلب الحبيبة. إنها مسألة فلسفية وجودية، يضيء لنا البعض من جوانبها التأمل الدقيق في هذه اللوحة الشعرية المتكئة على آلية السهل الممتنع.

كما أسلفنا نحن بصدد الحديث عن مستويات الحضور القوي للقرين كظل أو انعكاس للشخص المتسبب بمعاناة الذات الشاعرة،والمثير للدهشة و الإنبهار هنا هو أن الأمر برمته يتخطى حدود كونه مجرد انطباعات ذهنية أفضت إلى توترات نفسية وقلق باطني واضطرابات ارتقت بالكلام إلى هذه العالمية والقمة والقيمة الرمزية الإستثنائية .

فمستوى الغياب من حيث هو بوابة إلى عالم الأطلال وإيقاف الزمن في لحظة ما تطبع الذاكرة بما يفيد عدم الإنسجام والتوافق مع مكونات محيطية /الواقع المر،أو بما يفيد التقيد بقواعد التكيف مع مناخ المأساة،مأساة القطيعة والهجر ومكابدة الهوى وفق معادلة غرامية مختلة ينقصها الطرف الذكوري.

وهنا إحدى تجليات القرين كمحفز عضوي مساعد على امتصاص صدمة الغياب المفبركة بطبيعة الحال والمسخرة لخدمة الفكرة الأم المتمحور حولها النص ككل.

تقريب الأذهان من تجربة عاطفية يصعب التكهن بملامح أبطالها في حيزهم وحراكهم وفق دورة تتسارع فيها وثيرة بث الخواطر والهواجس. بحيث يتبادر إلى الأذهان أحيانا بأن المحبوب هنا من فصيلة آدمية، وأحيانا أخرى هما وقضية،أو موطنا ما وقس على ذلك تأويلات مختلفة. فتركيبيا نهتدي وببساطة إلى التعارض السطحي بين الحجر والغرق الوشيك، لكن ما يمليه إعمال البصيرة يقر بالعكس.

الحجر يجرّ إلى القسوة كمستوى لتجلّ القرين،وكأن الشاعرة تود استعارة القسوة من الحجر لمجابهة واقعها وبالتالي تخطي محنتها،مادام كل شيء من حولها أقسى مما يمكن تخيله.

فيما تختتم السباعية بمستوى تجلّ ثالث متمثل في الوحدة وقد فاضت عن كأسها لدرجة سقي كلا الطرفين .

    

إبقى

لديّ قهوة و أغنية لآرمسترونغ

و من الوحدة

ما يكفي لكلينا

 

اختياريا إذن وطواعية تتعايش الذات المجلودة مع راهنها ،من خلال التسلي بقهوة وأغنية كغذاء روحي. مع العلم أن الألفاظ منتقاة بعناية بغية توظيفها على نحو يتماشى تماما مع الطقوس الخاصة لاستنفاذ الطاقة اللازمة لميلاد نص تدشنه لغة جديدة و الممتاحة من بعض الرموز/فيرجينيا وأمسترونغ .

كما أن تبعيض الوحدة أو تجزيئها (ومن الوحدة / ما يكفي لكلينا) مع الإشارة إلى كون ذلك كاف للذات الشاعرة والقرين ، يختزل دلالة معينة كمينة في التلميح إلى صورة سيريالية للتوحدّ مع القرين ، ما ينم عن جنوح بعض الأقلام الشابة والواعدة إلى تقنيات عالمية في فضح المكنون ،والإنفتاح على تجارب أجنبية تحتفي بانتسابها الفلكلوري إلى شجرة الإنسانية إجمالا.

 

أحمد الشيخاوي/شاعر مغربي

11/05/2015

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3171 المصادف: 2015-05-12 06:18:30