المثقف - قراءات نقدية

من الساكورا فالهايكو الى موجة الهايكو العراقي (1)

khalidjawad shbaylلعقود قليلة خلت، لا تُذكر اليابان إلا ويُذكَر تاريخُها العسكري، من الحروب الداخلية القبلية وأشهرها في منتصف القرن الخامس عشر بين عشيرتي الهوسوكاوا والبامانا التي سالت فيها دماء غزيرة والتي رسّخت فنون القتال التقليدية بالاسلحة البيضاء الى حرب المقاطعات؛ وكان الهدف دائما الصراع على كرسي الحكم الذي له ما له من امتياز بما في ذلك الشأن الاعتباري المقدس!

حتى أذا هدأت حمى الحروب الداخلية، ووقفت اليابان على قدميها؛ بدأت سلسلة الحروب الخارجية متجاوزة الجزرالمعزولة الى دول الجوار! الحرب اليابانية الصينية الأولى 1894-1895؛ والحرب اليابانية الروسية 1904-1905؛ والحرب اليابانية الصينية الثانية1937-1945؛ وأخيرا الحرب اليابانية الأمريكية كجزء من الحرب العالمية الثانية حين هاجمت اليابان قاعدة بيرل هاربر في ديسمبر/ك1 1941 ودمرت القاعدة رمز الشموخ العسكري الأمريكي، ولعبت زهرة الساكورا دورا مهما في جميع الحروب وكانت سببا في اندفاع فرق الانتحاريين اليابانيين ضمن معتقد راسخ هو أن المضحِّي بحياته في سبيل اليابان سيسكن روحُه زهرةَ الساكورا! ثم انتقمت أمريكا بجبن بقصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية التي استخدمت لأول مرة في 11 سبتمبر/ أيلول 1945 حيث استسلمت اليابان!

وقد حاولت في كل مرة اليابان أن تُحسّن من سلوكها العسكري بإهداء أشجار الساكورا الى الدول المتحاربة معها، وهكذا دخلت هذه الشجرة المسالمة المحبوبة الى حد القداسة لعبة الحرب والسلم عنوة!! إذ في عام 1912أهدتِ الولاياتِ المتحدة الأمريكية 3000 شجرة وعاودت الكَرّة في عام 1956 ب 3800 أخرى؛ ولتطييب خاطر الصين بعد الحرب أهدتها 2000 شجرة وعاودت الكرة بعد عَقد من الزمن لتهديَها 5000 شجرة وهكذا استمرت بعد الحرب العالمية الثانية التي تمحورت فيها اليابان مع المحور لتهدي الدول المتضررة من احتلالها كتايلندا وماليزيا واندونيسيا لتنتشر هذه الشجرة الجميلة حتى الى الدول الأوربية أيضاً فعندما زرت ستوكهولم في نهاية مارس/آذار وأبريل/ نيسان 2015 كانت أشجار الساكورا المزهرة تسطع بجمالها الآسر في حدائق المدينة الجميلة!

فما الساكورا ياترى؟ وما علاقتها بالهايكو؟

الساكورا Sakura هي شجرة الكرز (حب الملوك) اليابانية وهي من فصيلة اللوزيات كالمشمش والخوخ واللوز والبرقوق/العنجاص.. وهي أي الساكورا تُزهر دون أن تُثمر والهدف من تنميتها هو أزهارُها، التي تتنوع حسب لونها وعبقها فأجملها ذات اللون الأبيض الذي يضرب الى الى الأرجواني الخفيف في وسط الزهرة، والثاني هو اللون الوردي /الأرجواني. تزهر الساكورا في أوائل الربيع الياباني الذي هو شهر شباط/فبراير في أوكيناوا ويبدأ في طوكيو في آذار/مارس وعندما يحل نيسان/ أبريل تكون الطبيعة اليابانية قد اشتعلت بلون الساكورا الجميل وعبقها، وكذلك الحدائق العامة وحدائق المدارس..

ويصادف ازدهارها التام مع بدء العام الدراسي الياباني ومع بدء السنة المالية اليابانية ما يشيع جوا من البهجة والتفاؤل..كل هذا ولا تورق شجرة الساكورا الا بعد أسبوع من سقوط آخر زهرة!!

تطبع هذه الزهرة الحياة اليابانية وتدخل في تفاصيلها، فبالإضافة الى كونها رمز الثقافة والفن الوطنيين فهي موجودة في معظم المنتجات الوطنية من أنسجة وألبسة كالكيمونو وتجدها مطبوعة على القرطاسية والصحون والمنتجات الخزفية وتدخل في الأطعمة كالحلويات والأشربة مثل شاي الساكورا ومواد التجميل والعطور ومغذيات البشرة...الخ.

وما هو مهم هو تأثير الربيع المتمثل بهذه الزهرة على الأدب والفن وعلى وجه التخصيص الشعر والموسيقى والرسم. حيث تعم المهرجانات الشعرية والموسيقية واللوحات الراقصة والتي يرددها ويشارك فيها قطاعات واسعة من الشعب ونخب الثقافة منظمةً كأحسن ما يكون التنظيم في الحدائق وأحضان الطبيعة حتى تكوَّن لونٌ غنائي موسيقي يحمل اسم الساكورا، التي تشكل طقوساً احتفالية مصحوبة بشرب شاي الساكورا، وقد اشتهرت منها أغنية ميلودية راقصة ذاعت شهرتها لا في اليابان وحسب بل في أوربا حتى غدت سفيرة اليابان الى العالم تحت اسم "ساكورا ساكورا" التي أصبحت ضمن المناهج التعليمية اليابانية مذ أنْ غنّاها طلاب كوتو في أكاديمية طوكيو للموسيقى* عام 1888:

ساكورا ساكورا

في الحقول والقرى

على امتداد مرمى البصر

أضباب هو ذا أم سحاب؟

عبق ضائع في شمس الصباح

الأشجار تشتعل زهورا

***

ساكورا ساكورا

عبر سماء الربيع

على امتداد مرمى البصر

أضباب هو ذا أم سحاب؟

عبق ضائع في الهواء

هلمَّ الآن هلمَّ الآن

لنرَ ماذا بعد!

أثرت موسيقى الساكورا وألهمت الموسيقار الإيطالي الكبير غياكومو بوجيني (1858-1924) في أوبرا مدام بترفلاي " السيدة الفراشة" في بعض من مقاطعها.

وتأثر بها أيضاً كات ستيفنس (يوسف إسلام)

وليس أخيرا مطرب الروك بون جوفي..

ولعب الربيع الياباني والمتمثل بالساكورا دورا مهما في الفن التشكيلي الياباني والذي انتقل الى أوربا بعد مدة طويلة من الحصار الثقافي عن طريق المعارض اليابانية التي أدهشت التشكيليين الأوربيين ومنها معرض الرسوم اليابانية باريس والذي أثرّ تأثيرا كبيراً في الانطباعيين المقيمين في فرنسا وألهمت تقنيته الرسام الكبير فان كوخ الذي تركت فيه أسلوبه المميز اعتباراً من عام 1886، وأطلق على هذه المرحلة مرحلة التأثير الياباني حتى أنه رسم ثلاث لوحات يابانية.. وذلك موضوع آخر!

 

خالد جواد شبيل

.....................

*لسماع الأغنية:

www.youtube.com/watch?v=chawADnoFDng

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

جمييييل يا ساكورا يا أستاذ خالد .. ولاستكمال المقال أتمنى عليك ارفاقه بصورة للشجرة والزهرة

اســــــعد الراشـــــد
This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور أسعد الراشد
تحيات
نعم لدي صور الساركوزا المزدهرة صورتها بنفسي، كثير من المواقع لا تقبل الصور ولكنني سأرسله لك شخصيا؛ وشكراً للمثقف/خالد
محبتي واحترامي وشكراً لك وشكرا للمثقف/خالد

خالد جواد شبيل
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ والصديق الحميم خالد جواد
بأريج أزهار الساكورا التي تعبق برائحة المحبة والسلام أهديك التحية والسلام
إن حضورك على صفحة المثقف ينصفنا وإن غيابك عنا يكلفنا عناء البحث عما هو جميل وممتع يهبنا قلمك المبدع لنا مقالتك هذه تؤكد ذلك فقد جعلتني أركب متن الرياح لأطير محلقا فوق جنة لم يرد ذكرها في المقدسات من الكتب السماوية واسم زهرتها المقدسة والتي أوصلت لي اريج عطرها البهيج ولونها البهي والذي انتقل إلى وجدان الفنانين والموسيقيين لتوحي لهم أجمل الألحان واروع القصائد واللوحات فالنتضرع لليابانيين ليرسلوا لنا ما يغطي أرض العراق أرض الحروب المستديمة على مر العهود وتطفيء أوارها ويعود الناس كما عاد اليابانيون للسلم والبناء والأعمار ويتغنوا بزهرة الساكورا المقدسة في ساحاتهم ومدارسهم وحفلاتهم بدلا من اناشيد الحرب وترانيم العزاء والبكاء على ماض لا نفع منه , أنني قد ارسلت لك رسالة ردا على إيملك الذي وصلني بشأن قصيدة ال-هايكو وجوابي كان شافيا ووافيا فعسى أن تجده وبهذا الشأن اسمح لي استاذنا الغالي أن استقطع مقاطع من القصيدة الواردة في مقالتك لأضمها إلى قصيدة هايكو جديدة أعدها للنشر في المثقف وليطلع عليها أكبر عدد من محبي شعر ال- هايكو ودمت لأصدقائك وضاء على الدوام وإننا على جمر انتظار الجديد أيها الأستاذ الفريد

لطفي شفيق سعيد
This comment was minimized by the moderator on the site

أرقّ تحيات المساء للناقد المبدع والأديث الثر
خالد شبيل
افتقدناك كثيراً وافتقدنا كتاباتك الدهشة سواء في جديد موضوعاتها أو في طريقة طرحك لها ، تلك الطريقة الشائقة
جمال مصطفي ، د. بشرى البستاني ، إلياس جاسم مدالو وسعد جاسم هم آخر مَن نشروا الهايكو في موقعيْ المثقف والنور وهم مَن قرأتُ لهم الهايكو ومعذرة لبقية الشاعرات والشعراء من الذين يؤسفني أني لم أقرأ لهم هذا اللون الشعري بعدُ
ودمت بوهج... وإقامة طيبة أتمنى لك حيث كنتَ

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

خالد جواد شبيل الناقد الجاد
وداً ودا

لقد احتفينا باليابان ياصديقي أبا الوليد هنا على صفحات المثقف وذلك بكتابة الهايكو والترجمة
لبعض نماذجه وما زلنا نحاول وأنت تعرف اننا لا نكتب هايكو بمواصفاته اليابانية بل جهد
المستطاع وهو اننا اتخذنا الهايكو الأوربي والهايكو الياباني المترجم الى اللغات الأوربية انموذجا
وكل ّ ٌ حسب فهمه وذائقته , وستجد في باب الهايكو هنا في المثقف نماذج لمسعانا وكذلك ستجد
ترجمات أيضا .
نتمنى أن تدلو بدلوك فكل حديث في الهايكو يطربنا ويزيدنا معرفة بالهايكو وأهل الهايكو
كما أثريتنا أنت مشكورا بمقالك المفيد والممتع هذا .
دمت في صحة ونقد وإبداع

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الفنان - وقبلهما- المناضل الإنسان لطفي شفيق سعيد
سرني جدا أن تروق لك الساكورا حاضنة الهايكو الذي تحبه وتمارسه، ستكون لي وقفة مع ما جادت به قريحتك المعطاء..ما كتبته عن الساكورا هو مدخل للموضوع، وجدته ضرورياً، واختصرته الى حيث يلزم الأختصار مع المحافظة على روحه، رغم انقطاعي كنت متابعاً ما كتبتَه وما كتبه زملاؤك الشعراء..ستكونون ضمن موضوعي المتسلسل..
أبا فراس لك شكري ومحبتي متمنيا لك الازدهار الساكوري! وشكراً للمثقف/خالد

خالد جواد شبيل
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر العذب والإنسان المرهف سامي العامري
أحييك ملوِّحا بغصن ساكورا الأبيض العبق، شاكراً لك حروفك التي افتقدتها منذ زمن..لطفٌ منك أن تذكر زملاءك الشعراء والشواعر ممن كتب الهايكو؛ ولكن يا صديقي هل مارستَ طقوس الهايكو الشعرية؟ فخبرني..أجدد عقد محبة على كأس شاي الساكورا أو على كأس ساكي فتخيَّر؛ شكرا للمثقف وأهله/خالد

خالد جواد شبيل
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المتألق دائماً شعراً ونثر جمال مصطفى
محبتي وشوقي لحروفك وأنا متابعك في ما يجود به يراعك.. لقد انشغلت واستنزف السفر وصغائر الحياة اليومية الكثير من وقتي الذي اخصصه للقراءة والكتابة..نعم ستكون لي وقفات مع الهايكو وفرسانه وأنت منهم.. أجدد لك محبتي واحترامي ولك مني زهرات نضرات من الساكورا وللمثقف منها نصيب/خالد

خالد جواد شبيل
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3194 المصادف: 2015-06-04 11:06:02