المثقف - قراءات نقدية

وحي العشق في الديون الشعري (بعيداً عني .. قريباً منكِ) للشاعر الكبير يحيى السماوي

goma abdulahمقدمة: هذه القراءة المستفيضة مختصرة فقط، في تناول المرتكزات الاساسية، في التجربة الابداعية في العلاقة المشتركة، بين الوحي العشق، والتناص الديني، في اطار تفاعلي وثيق الصلة بالمدلولات الظاهرية والباطنية، بما يختص بالمملكة الصوفية الفاضلة، وفي استخدام مهارة وجمال الاستعارة والتشبيه والايحاء، واكتشاف عمق جوهرها، وخطها التناسقي المحاك ببراعة في نسيج الجملة الشعرية ومؤثراتها المتفاعلة والمؤثرة، في الربط الذي يستلهم الاسطورة والموروث الديني (القراني) وتوظيفهما في صياغة الخيال الشعري، بالتكثيف والتلاقي، في لغة السرد الشعري، وهي تتحفنا بتراتيل آياتها واناشيدها العشقية في الوهج الهوى الصوفي، ومن حالة تتألف مكنوناتها من الابهار والاثارة والتشويق، في الرؤى والجمال، وبمهارة فائقة الجودة والخلابة، بما يتلائم مع الرؤية المعاصرة، وهي تتنفس برئة العشق في مملكته الفاضلة، وغايتها ايصال رسالته الصوفية في محراب الجلالة والقدسية الصوفية، في عطر الرومانسية الشفافة، وهي تستند على عملية التناص كمصدر اساسي، لعملية الالهام وخياله والرؤى التي يعتكز عليها، وندرك ان عملية التناص شائكة ومعقدة، قد ترفع من القيمة الشعرية الى الفضاءات العليا من السحر الجمال الشعري ، او قد تنزله الى اسفل الدرجات، ليكون عبء زائد ومشوش بسوء الاستخدام، لذلك تحتاج الى كنز من المعارف والثقافة والفكر، في نظرته الشمولية، من اجل ان تكون هذه الاستشرافات بمثابة ومضات ضوئية، في دعم النسيج والخيال الشعري، وهذه الاشتراطات والامكانيات متوفرة بشكل قدير، من الخزين الهائل الذي يمتلكه الشاعر السماوي، التي تؤهله ان يستخدمها بخبرة ذكية رائعة في عالمه الشعري، وفي هذه المجموعة الشعرية بالذات، والمهارة الاحترافية بان يفيض بها بالجمال، وفي عدة ادوات متنوعة يستخدمها في النسيج والبناء الشعري، ومنها الاستعارة والتشبيه، في اطار فني وتقني من البناء والهندسة الشعرية، لدعم تكوين وصياغة القصيدة، ان هذه القراءة غير معنية في كشف هذه الخلايا وتكويناتها، لانها معنية في تناول، الخط والنسق البياني لتتبع مسار وتفاعلات وحي العشق (صوفائيل) ورسالته الى المملكة العشق ، في عملية شعرية زاخرة من الابهار والدهشة، من اجل تكوين امارة عشقية صوفية فاضلة . وان مسألة الرسل والمبعوثين والمرسلين لتوصيل او لتبليغ رسائلهم، ليس بدعة جديدة وغريبة، فقد اهتمت بها بشكل فعال الحضارات القديمة واساطيرها عامة، ومنها الحضارة الاغريقية واسطورتها، التي تقول، بان الملقب رب الالهة (زيوس) كان له خادم ورسول هو الاله (هيرميس) او (هرمس) وكان يلعب دور الوسيط، بين رب الالهة (زيوس) والالهة الاخرين في توصيل رسائله وتبليغاته . والرسالة الاسلامية ايضاً تشير دور الوحي (جبرائيل) في تبليغ الرسالة السماوية، وهو مبعوث من رب العالمين الى الرسول الكريم، من هذا المنطلق، نكتشف في قاموس الشاعر السماوي العشقي، مفردة عشقية، تحمل اسم (صوفائيل) في المجموعة الشعرية (بعيداً عنكِ .. قريباً منكِ) في استلهام الاسطورة والنص الديني (القرآن) كمحور أساسي، في تجليات الحلم الصوفي في مملكته الفاضلة، وملاك العشق ينقل التراتيل والاناشيد والآيات العشقية من الرومانسية الشفافة ، من القانتة (الزهراء) معبودة الجلال العشقي ومئذنته الضوئية، ومفردة (صوفائيل) هي لفظة اغريقية (سوفا) تعني الحكمة او الحكيم، وتتبعها لفظة اللازمة (ئيل) وهي ملازمة للملائكة . لذلك نفهم من المقصود من المفردة، تعني، حكيم العشق او وحي العشق، وهو المقصود في الديوان الشعري، لذلك ترددت مفردة (صوفائيل) 24 مرة ، وهذا يدل على الاستفادة من النص الديني (القرآن) في التلميح والرمز، في نسيج القصائد المطرزة باطار فني وتقني من الجمال الشعري، في تشابك وثيق، لتتموج في الهوى الصوفي، في وهج الجمال والسحر الشعري، وما تشكل من ميلودرما شعرية رائعة، في نزول الوحي (صوفائيل) من اجل غاية ومعنى ومغزى في رسالة التبيلغ، بكل صدق وامانة، وتتكون المملكة العشقية الصوفية، او الديون الشعري، من قصيدة واحدة موزعة في شكل بناء هندسي مترابط من النسيج الى ثلاثة وثلاثين خرزة، او بالمعنى الادق من ثلاثة وثلاثين آية عشقية، او ثلاثة وثلاثين لوحة شعرية، مرسومة ببراعة رائعة من الجمال، كأنها في رحلة او سفرة عشقية الى المملكة العشق الصوفية الفاضلة، لذلك علينا ان نتبع مسار اوخط هذه الرحلة من بدايتها حتى خاتمتها، وخيوطها المتشابكة في النص الديني .

1 - نقطة البداية : (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام ثم استوي على العرش) سورة ا لاعراف . ان الله خلق السموات والارض في ستة ايام، وخلق مخلوقات كثيرة لا يعرفها الانسان (ويخلق ما لا تعلمون) وكذلك خلق بني آدم ليكون سيد الارض، من اجل ان يحرث الجمال فيها، بالمقابل فان الحالة المماثلة في مملكة العشق الفاضلة ، خلق قصيدة تمشي على الارض، وتبعث بعطرالرياحين من بستان حروفها الزاهية في العشق والجمال .

ان الإله يعشق الجمال

وأنه

حين انتهى

من خلق كل الكون

في ليال

سواكِ يا حبيبتي قصيدة

تمشي على الارض

فتمشي خلفها

حديقة زهورها الشعر ..

 

وبستان من دفءٍ . ص98

2 - خلق الفصول : (لإ يلاف قريش ايلافهم رحلة الشتاء والصيف) سورة قريش، تقلبات السنة وفصولها ومناخاتها المتغيرة والمتبدلة، تخلق انطباعات مختلفة في نفس العاشق وتكون لها صدى من الواقع الفعلي والمعايشة اليومية، وهو يستذكر مناخات مدينته وتقلباتها وانعكاسها على هواجس القلب، في الندى الناضج بالريحان ، وتخلق حالات من الالهام العشقي في رحيق الهوى الوجداني الخافق

اعرف فصل الصيف في مدينتي

من ندى الناضج من ريحان جيدها

ومن قميصها الرقيق

واعرف الشتاء من وشاحها المخمل ...

والربيع من سرب الفرشات التي

تحوم حول ثغرها المخضل بالرحيق

واعرف الخريف

من انحسار الورد

في بستانها الشفيف . ص72

 

3 - التبليغ والنبوءة : (أقرأ بأسم ربك الذي خلق) سورة العلق . من جسامة وعظم المهمة الصعبة، في استلام امر التبليغ والنبوءة، والمسؤولية في نشر رسالة التبليغ، انها لحظات تاريخية حاسمة، تبعث على الرهبة والجلال، التي تجتاح الروح وتجعلها في حالة يثرى لها من الاضطراب والارتباك النفسي من جلالة الابهار، ونتذكر حالة الرسول الكريم حين نزل عليه الوحي . وكيف اجتاحته تيارات من الهلع والخوف وارتجاف وخفقان القلب، انها حالة مماثلة، حين نزل وحي العشق (صوفائيل) وهو يحمل رسالة التبليغ . وكيف كان التأثير النفسي من رهبة وجلال الرسالة

ذعرت روحي ..

تساءلت : هل الساعة حانت ؟

فتشاهدت . .

وكبرت ..

وحوقلت ...

وبسملت ...

فصوفائيل لا يكذب ...

صوفائيل مبعوث التي اكرمها الله

فكانت كعبة العشق

وناموس النقاء . ص86

4 - التبشير بالرسالة : (أيها المدثر . قم فانذر . وربك فكبر . وثيابك فطهر) سورة المدثر . التبشير يحتاج فعل وعمل ونشاط ونفخ في الروح من جديد، لتكون على مستوى المسؤولية، في التبشير بالرساله، بان تكون نذيرللمرائين وبشيراً للمؤمنين، وليس الركود والتدثر في فراش النوم

فانفخي

من روحك الصوفية بجثماني

لاحياء من جديد

وابعثني للمرائين نذيراً ...

وبشيراً للمحبين

بعشقٍ

يجعل الارض فراديس

وكل الدهر عيد ! . ص57

5 - المعلقات العشرة : التي كتبت بماء الذهب، وعلقت على استار الكعبة، بانها اجمل ما قيل في الشعر، ولكن في منظور العاشق الذي يهيم بجلالة المرأة العاشقة، الذي يسبح في الجمال والتفضيل، وطلما يرى الاشياء في هالة معبودة ، يشعر بانه هناك خطأ تاريخي قد ارتكب، لان (عيناك اولى المعلقات / لكن الذين ابحروا في البحث / قد خانهم الخيال ...) هذا مكمن الخطأ التاريخي في المعلقات العشر، لان اميرته القانتة (الزهراء) لم تكن في مقدمة المعلقات، وهذا يدل على الفتنة والسحر في جلالة المرأة العاشقة

قد أخطأ التاريخ

حين قال :

ان معلقات عشر ...

كن

من اجمل ما قيل من الشعر

وما يقال ..

علقن في الكعبة يا أميرتي

أجيال . ص96

6 - هناك حالات لا يمكن من اطالة الشرح فيها ، وانما اترك الى الديوان الشعري يعرضها بروعتها الجمالية الخلابة وهي .

أ - الطمع والجشع والانانية في شراهة الاستحواذ على الاموال ولاينفقونها في سبيل الله (والذين يكتنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) سورة التوبة

فما الذي يطلبه العصفور

من مملكة البستان

غير النبع

والعنقود ..

والبيدر ؟

ايقنع العصفور ان يستبدل

الابريز ..

والفضة . .

والياقوت ..

والجوهر

بغصنه الاخضر . ص119

ب . التحذير من الغمز واللمز والنميمة (يايها الذين آمنوا لايسخر قوم من عسى ان يكونوا خيراً منهم ....... ولا تلمزوا انفسكم وتتنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق) سورة الحجرات

تبلغك الضوئية العشق

السلام

وتقول احذر من :

الغمز . .

او اللمز ..

او الهمز

اذا تكتب شعراً

فالذي يغمز

او يلمز

او يهمز من طاهرة الثوب لئيم

وانا فردوسي الناسك لا يدخله

المارق ....

والاثمِ .، ص122

ج - او التحذير من الوسواس الخناس (قل اعوذ برب الناس اله الناس من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس) سورة الناس .

اضحى كالنخل السومري اليوم :

شاص التمر فيه ....

وبدلت اخلاقها الاعذاق ....

لان الطا ئين عليه أرجاس أبالسة ..

وابكاها الذي ابكى الحمامة

حين حاول ان يطال بياضها

ببعض سخام !! . ص142

د - بعث الارواح (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل امواتاً، بل احياء عند ربهم يرزقون) سورة آل عمران

فأميتيني شهيداً ..

واخلقيني من جديد !

ناسك القلب .....

شفيفاً .....

طاهر الاردان أحلاماً

وانفض عن شجري !

الذابل واليابس ص91

ح - الندم والتوبة : (من يعمل سوءاً او يظلم نفسه، ثم يستغفر الله، يجد الله غفوراً رحيماً) سورة سورة النحل .

أبو نؤاس قرر التوبة

هشم الكؤوس كلها

وحطم الدنان ...

والزقاق ...

والقراب

صار اذا مر أمام حانة

يفر مذعوراً

الى واحته الزهراء ص147

 

ز - التبشير بالجنة : (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار) سورة البقرة

أجاب : هذي جنة الذين يأمون بالعفاف

والصدق

وينهون عن الرياء والطيش

التي يدخلها لن يعرف الاحزان

فاخلع أمسك الاثيم وأدخل آمناً

دخلت

فالقطاف كان التين والزيتون

والمياه سلسبيل ص 188

7 - ختام الرسالة : (ما كان محمد أبا أحد من رجلكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين) سورة الاحزاب . ونصل الى خاتمة رسالة التبليغ، او في ختام السفرة العشقية الى مملكة الهوى الصوفية، في اكمال رسالة التبشير والنبوءة، ولم يبقِ إلا الاعلان الصريح بشكل مباشر، وتخاطبه المعبودة القانتة (الزهراء) باسمه الصريح، بانه خاتم انبياء العشق، فانطلق يا (يحيى السماوي) برسلة التبشير في العشق المقدس

يا يحيى السماوي

الشهيد الحي

والحي الشهيد

وخاتم العشاق في عصرٍ

يضج خناً وغياً

اليوم قد أكملت سفرك

فانطلق برسالة العشق المقدس

كن رسولي في الهوى

حين يعاد الاعتبار

لعقل " قيس بن الملوح "

و" الشريد السومري "

ويستعيد عفافهَ

الوجدُ ....

التهيم . .

يستحيل العشق خبزاً للقلوب

فلا يعود الحزن سيماء المحيا ص44

 

جمعة عبدالله

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

جمعة عبد الله : محبتي ومحبتي ومحبتي أخي الناقد القدير ، وبيدر نبض من حقول قلبي ، امتنانا لتقليدك صدري وشعري بوسام دراستك الثرة سيدي .

كنتُ أظنني أول مَنْ استخدم " صوفائيل " ولم أكن أعرف أنّ لها وجودا في الميثيولوجيا الإغريقية ، فقد شبق لي أن قمت بنحت كلمتَيْ " عشقائيل " و " مجدائيل " مستثمرا ظاهرة النحت في اللغة العربية التي برع فيها الأقدمون كنحتهم " الحوقلة والبسملة والحمدلة " ـ أما الان فقد أضفتَ لي معلومة جديدة لم أكن أعرفها .
دراستك ياصديقي قنديل جديد سيسهم في إضاءة طريقي وأنا أغذ النبض نحو مدينة العشق الفاضلة ، كما ستضيء مفازات مجموعتي " بعيدا عني .. قريبا منك " لدارسيها ، فلك مني شكر الكهف للقنديل ، وامتنان السفينة للفنار الضوئي .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الكبير
ان السباحة في بحركم الشعري , هي في منتهى جمالية الرياضة الروحية والفكرية , بهذا الثراء المنعش الذي يخلب الوجدان , ونهكة ذوق الشعر الحر المعاصر , واقول لم تتركوا موقع الرواد فارغ دون ريادة , وها انتم تتسلقون على قمة الريادة بمهارة عالية .
اغتذر عن الخطأ في التسمية ( بعيداً عنكِ ... قريباً منكِ ) والعنوان يشير الى الصواب ( بعيداًعني ... قريباً منكِ)
تحياتي بالصحة والموفقية والعمر المديد

جمعة عبدالله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3201 المصادف: 2015-06-11 00:50:59