المثقف - قراءات نقدية

ضع نفسك حيث يريد لك القدر!!! .. مقالات آخر الحياة

karem merzaمَن يتأمل في شعرأبي نؤاس متعمقاً، يجد لديه قفزات فكرية قد تصل حتى قمة الإعجاز، وأنا لا يهمني من شعره في مقالتي هذه سوى بيتين، أولهما هذا البيت الذي يخاطب فيه الرشيد قائلاً:

وأخفتَ أهل الشركِ حتّى إنّه *** لتخافكّ النطفُ التي لمْ تخلقِ

ولا تتخيل يهمني أمر أهل الشرك، ولا صدر البيت كلّه، ولولا ما يقال إن الشاعر تاب أواخر أيامه، ودليلهم اليسير من شعره الأخير، وإلا فهو أول المشركين ! وإنما الذي يهمني عجز البيت (لتخافك النطف التي لم تخلق)، ويعني بـ (لم تخلق)، أي قبل أن تصبح أفراداً أناساً، وإلا فالنطف مخلوقة، ولا أريدك أن تأخذ عجز البيت بتفكير طبيعي، و رؤية عادية، بل أن تتعمق فيه كثيراً سيان أراد الشاعر ما نذهب إليه أم لم يرد، وهذا لا يعني أن الحقيقة معي، بل سايرني وتأمل مساحات رؤيتي التخيلية، فالشعراء والمفكرون يخططون إلهاماً، ثم يأتي العلماء من بعد و بعد يؤسسون على رؤاهم، ويسيرون خطوة خطوة، والله من وراء القصد ، وهو علاّم الغيوب !!

نعم النطفة محتوم عليها أن تحمل عوامل الخوف في تركيبها الخلوي عقبى الوظائف الحيوية التي تجري فيها، ولا يعلم بها إلا بارئها، وأنا أزعم تخيلاً وفكراً أن النطفة التي تلقح البويضة، وهي من بين ملايين النطف من نظائرها التي تسبح معها، محتوم عليها لا على غيرها، أن تخصبها تلقيحاً، وما سواها من النطف إلا عوامل مساعدة، والتنافس لعبة للترضية !!، أي لو استطاع الباحثون العلميون تسجيل كل الأنشطة الحيوية الخلوية لجميع النطف ( النطفة خلية واحدة) على أجهزة حاسوب متطورة جداً، لحددوا أي نطفة ستصيب الهدف البيضوي، فالقوة المطلقة الخالقة المبدعة (الله) تعلم كل الخفايا بدقة متناهية سواء على مستوى الإخصاب أومراحل الأمشاج والأجنة والأفراد والأنواع، وأنا لا أتكلم من وجهة نظر دينية متوارثة، لذا أثبتت التجارب الإنسانية الفطرية (كل ما مكتوب على الجبين، لابد أن تراه العين)، فخُلِق كل شيء بحسبان، و جاء في القرآن الكريم، سورة ق (16) " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ "، وهكذا يجري الأمر على مستوى الأحياء و الأرض والكون، وربما الأكوان ... وكل الظواهر الطبيعية والحيوية المتعلقة بها، بل حتى تطور العقل الإنساني ليصل بنا إلى غاية نجهل مراميها .. وكل إلى أجل محتوم محتوم، والأنسان نظره قصير قصير، و إن كان بصره يمتد ما بين الخلية - ولا أقول الذرة - حتى الكون والمجرات، وكل شيء نسبي، ونركض ولا ندري، وإن زعمنا أننا أول العارفين، ولكن ننسى أننا غير مدركين !! فما وراء الطبيعة أوسع بملايين، أو ما لانهائي المرات مما في عقولنا، بل ومدى تخيّلنا، ومن هنا انطلق القدماء بعد تأمل وتفكير، هل الإنسان مخيرأم مسير، أم الأمر بين بين؟!! نقف عند هذا الحد كمدخل للفكرة الثانية التي هي غايتنا .ونترك أمر العقائد لأهل الحل والعقد، فالعقل الجمعي العربي تابع، والناس تابعون، ولله في خلقه شؤون !!

إذن الأقدار - ولا أقول القدر الآن - هي التي تتحكم بالإنسان والإنسانية والأرض والكون، ونحن نتكلم على مستوى الإنسان،يقول العبقري الخالد ابن الرومي :

وإذا أتاك من الأمور مقدرٌ   *** وهربت منه فنحوه تتوجهُ

التهرب من القدر(السلبي)، المتشابك مع أقدار الآخرين، محال، وإن فكر الناس عكس ذلك، لذلك كرر ابن الرومي (283 هـ / 896 م) المعنى نفسه، وهو يعالج موتاً، حينما دس إليه ابن فارس اللغوي السم في خشتنانة بأمر من الوزير القاسم بن عبيد الله، والناس يرمون الأسباب على طبيبه المعالج :

والناس يلحون الطبيب وإنما ***خطأ الطبيب إصابة الأقدارَ

هذا لا يعني عدم مراجعة الأطباء والمشافي، ورمي الدواء، كلاً !! لأن الأطباء والمشافي والدواء والتطور العلمي والتقني هي   من أقدار الدنيا الأخرى الإيجابية على سبيل إطالة أعمار ناسها، ولكن تأمل في عجز البيت (خطأ الطبيب إصابة الأقدار)، الطبيب هو مجموعة أجهزة بأعضائها وأنسجتها وخلاياها، تقوم بوظائفها الحيوية، وفي لحظة ما قد تتخذ قرارا بمشيئة قدر يسيّرها، يعتبره الناس خطأً، ويجده القدر صواباً !! الطبيب ما كان له أن يعمل غير ما عمله، ولو كره اللائمون !!

بالرغم من أن ابن الرومي كان يدرك هذه الحقائق، وثبّتها في شعره الخالد، ولكنه كان أيضاً يخاف من الأقدار السلبية، يتهرب منها، فلا يقذع السلطان في أيامه :

لا أقذع السلطانِ في أيّامــــهِ*** خوفاً لسطوتهِ ومُرِّ عقـــابهِ

وإذا الزمانُ أصابهُ بصروفهِ *** حاذرتُ عودته ووشكَ مثابه

ومدح الوزير القاسم بن عبيد الله بملحمة همزية (216 بيتاً)، بها من التملق والذل والخسف ما بها، ما كان له أن ينظم بعض أبياتها، لولا خوفه من القدر السلبي الذي سيدفع السيد الوزير لإيذائه :

أنا عارٍ من كلِّ شيءٍ سوى فضـْ *** ـلك، لا زلت كسوةً وفضاءَ

سمني الخسف كلّه أقبل الخسْـ ***ـف بشكرٍ، ولا تسمني الجفاءَ

يبدو لي بوضوح كان المسكين عبقرينا الخالد ابن الرومي يشعر بإلهامه وعبقريته ما يدور حوله بالخفاء للتخلص منه ومن لسانه من قبل الوزير وحاشيته، وتوخى أن ينفذ يجلده هرباً من القدر المحتوم، ولكنه وقع في الفخ رغماً، والقدر لا يرحم الضعفاء، ولا يغيّر مساره بالتوسل والخنوع والمجاملة الفارغة، وإنما قد يبتعد عمن يطلبه، ويقتحمه، يقول المتنبي (ت 354 هـ / 965م) :

وقد يترك النفس الذي لا تهابه *** ويخترم النفس التي تتهيبُ    

   ويقول الشاعر الأنكليزي درايتون (عام 1596م ): كثيرا ما يموت الجبناء

Gow ardsdie often

وبعده بثلاث سنوات (1599 م)، قال شكسبير في مسرحيته (يوليوس قيصر)

"الجبناء يموتون عدّة مرات قبل أن يدركهم الموت ":

ودعبل الخزاعي هجا أعظم الخلفاء العباسيين، الرشيد والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، وأكبر رجالات عصره من وزراء كبار وقادة عظام وولاة متسلطين .. وكان يقول: " لي خمسون عاماً أحمل خشبتي على كتفي أدوّر من يصلبني عليها فلا أجد "، وعمر طويلاً ( 148 - 246هـ / 765 - 860 م) .

ومعاصره أبو نؤاس ( 139 - 199هـ / 757 - 813 م، حسب تحقيقي وتدقيقي)، لعب بالدنيا مجوناً ونهتكاً وسكراً وشذوذاً وعربدةً... كما شاء، لا كما شاء أهل زمانه، وقال بيت القصيد الثاني من شعره الذي أستشهد به في مقالتي هذه :

دارت على فتية دار الزمان بهم *** فما يصيبهم إلا بما شاءوا

إذن إصابة القدر وإصابته تلتقيان في نقطة واحدة، بل هو شاء قبل أن يشاء قدره، وبالتالي لماذا التردد؟ ولماذا الخوف؟ ولماذا التملق؟ ولماذا المداراة الكاذبة ؟ ولماذا تقييد الحرية ؟ ولماذا الاهتمام بقيل وقال يبثها ضده رئيس شرطة تابع للخلافة، أو مدير بريدها (الاستخبارات)، ويرددها العقل الجمعي بسذاجة وجهل وحقد، وربما لاظهار التعفف الكاذب، والزهد الرياء ؟ !! وكلّ هذه دوافعها الخوف من القدر السلبي، والقدر السلبي واقع واقع لا محالة، لا يعرف أبا نواس المتهتك اللطيف، ولا ابن الرومي الموسوس الشريف !! طزّ الأول بالدنيا، وطزّت الدنيا بالثاني، وبقى الاثنان خالدين رغم أنف الدهر وناسه، لعلكم تتذكرون، والدنيا دولٌ وتجارب وفناء وخلود، كم من ركلها بقدميه فانقادت له بقاءً سرمديا؟! وكم من تهافت عليها نفاقاً ورياءً وتصنعاً متعففا فسحقته فناءً أبديا؟!! ، المهم أخيراً، وإلى هذا ذهب (غوته - ت 1832 م) الألماني بعد أكثر من ألف عام : " الحكمة هي أن يجعل الإنسان إرادته فيما يريد له القدر حتى إذا أصابه بشيءٍ كان كأنما شاء أن يصيبه القدر .."

هذه الرؤية الحكيمة الواعية المدركة لخفايا الوجود وسر الخلق تزيد بشكل هائل من تصميم الإنسان، وتشدّ عزيمته، وتحقق حريته، وتسجل اسمه في عالم الخلود، وللحياة المنافقة أضيق الحدود !!!

 

كريم مرزة الأسدي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

رائع هذا البحث هنا يا صديقي كدأبك دائما تأتي بالنفائس والجمان لتقدمه في اوان من بلور .. أحييك وادعو لك بالصحة والعافية وسلامة النظر ايها العملاق .. أتمنى أنك انجزت مشوارك في عمان .. لم اسمع عنك بعد لقائنا !

حمودي الكناني
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب الكبير صديقي العزيز الأستاذ حمودي الكناني المحترم
السلام عليكم والرحمة ، رمضان كريم
شكرا على مرورك الكريم ، وأريحيتك وطيبك ، نعم أنهت مشروعي في عمان والنجف ، وصدرت أربعة مؤلفات أخرى من عمان غبر الأربعة التي أهديتها إليك وللأستاذ جهاد ، واثنان من النجف أحدهما استنساخا والآخر الهاشميات جديدا ولكن للحز الشديد ، ولأن رمضان دخل علينا حببت أن أكون قرب عائلتي والمتعلقين ، وسيتكلف ابن أختي وغيره بالتوزيع على المؤسسات والمكتبات والجامعات العراقية احتراماتي ومحبتي لصديقي العزيز

كريم مرزة الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب والباحث الكبير
رمضان كريم
كدأبكم في تحليل روائع الادب بالنظرة المعاصرة , التي تملك الخبرة والكفاءة الكبيرة في مجال شؤون الادب والحياة . وهذا العمل المبدع الرائع لا يختصر فقط على النقد الاكاديمي , وانما بالتحليل وتشخيص في مواطن الابيات الشعرية وبعدها الحياتي , وقد ميزتم بفواصل واضحة , من يبتغي الشيماء والكبرياء وعزة النفس , ومن يبيعها بثمن زهيد بحثاً عن مجد زائف . وحقاً ان الجبناء يموتون عدة مرات قبل ان يدركهم الموت , بينما الذين جباههم عالية , يتعاركون مع القدر والموت, بشيماء عالية
اتمنى لكم الصحة والعافية والعمر الطويل

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العزيز الكاتب الكبير الأستاذ جمغة عبد الله المحترم
السلام عليكم والرحمة ، رمضان كريم
أشكرك جدا على المرور الكريم ، والتقييم الثمين ، والوعي المثقف الإنساني والوطني لما يجري في منطقتنا العربية من مآس مريرة مخطط لها منذ أمد بعيد للإطاحة بالأمة وتراثها وآثارها وحضارتها وحاضرها وماضيها وأفذاذها ، وللأسف الشديد بآيادٍ وأموال عربية ، والدواعش خير دليل ، ما لنا إلا أقلامنا وفكرنا ولنسجل للجيل الحاضر والآجيال القادمة ما تعاني الأمة من مؤامرات دنيئة ، تقبل صديقي العزيز خالص مودتي واحتراماتي

كريم مرزة الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بالشاعر والباحث استاذنا الكبير كريم مرزة الأسدي
ودا ودا وشوقا

كعادتك في مقالاتك الجميلة , المفيدة , الممتعة تتحفنا بالمعلومة والتحليل والراي وهذا لي غريبا
على باحث كبير مثلك .
في هذه المقالة إشارة جوهرية تكشف ان الشاعر والفنان يحرث أرضا بكرا ثم يأتي العالم
ويكمل المشوار الذي كان فيه الشاعر أو الفنان طليعيا ورائدا وسبّاقا .
ليتنا نسمع ما هي أخبار نشاطاتك الأخيرة وخاصة في غيابك الأخير .
دمت في صحة وبحث وإبداع استاذي العزيز .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الشاعر الناقد الكبير الأستاذ جمال مصطفى المحترم
السلام عليكم والرحمة ، ىمضان كريم
أشسكرك جدا على مرور الكريم وأريحيتك وطيبك المعهود ، والله نشرت مقالة تحت عنوان ( حصاد الأيام وأيام الحصاد ، سبعة مؤلفات جديدة ، وثلاثة إعادة طبع ) في كل المواقع ، لعلك كنت في رحلة غياب ، مع محبتي وتقديري واحترامي لصديقي العزيز

كريم مرزة الأسدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3215 المصادف: 2015-06-25 00:23:58