المثقف - قراءات نقدية

الأداء التمثيلي في مسرحية الختام ضمن المهرجان المسرحي العراقي

sarmad sarmadiعند قراءة الأداء التمثيلي في مسرحية الممثلة شذى سالم والممثل خالد أحمد مصطفى ومجموعة أخرى من الممثلين، والتي عرضت في ختام المهرجان المسرحي العراقي الأول ضد الإرهاب بتاريخ 15-06-2015م، نستذكر بعض الأساسيات في فن التمثيل من على خشبة المسرح، والتي لم تزل ترن في قاعات الدرس والتمرينات على حد سواء، تصدح بها بكل إخلاص حناجر أستاذ لفن المسرح هنا ومخرج مسرحي هناك، وتسترجع ذاكرة المتلقي عادة الخبرات النظرية والعملية، أي ما قد يسد ثغرة فنية في عمل يتم تلقيه، خاصة ان كان يدفع المتلقي ليتفق مع الفيلسوف غوته في تمنيه ان تكون خشبة المسرح اشبه بحبل السيرك، حتى لا يتجرأ احد ان يخطو فوقها دون ان يمتلك القدرة فعلا، وعلى حد قول جوته هذا قد نعي حقيقة كون الموهبة والرغبة لا تقدم شيء دونما القدرة.

قد يكون من الصعب ان يحاول كل من ممثلي هذه المسرحية مغادرة شخصيات قدموها سابقا، شخصية المرأة التي تنتظر زوجها الأسير، وشخصية العراقي الأصيل ذو غطاء الرأس البغدادي التقليدي الثمل دوما لعدم قدرته على مواجهة الواقع المتردي، فلا يوجد مبرر واضح لهذا الأداء المتواضع الذي قدمه الممثل خالد مصطفى والممثلة شذى سالم في مسرحية ختام المهرجان المسرحي ضد الإرهاب، الا تلك الثقة الغير مجدية بتقبل المتلقي العراقي للأنماط المصدرة على مر النتاجات التعبوية الحكومية او المتوافقة مع الخطاب الحكومي، دليل ذلك الضعف البالغ الأثر على المستوى الفني للممثل، والقوة المنشود وقعها في المتلقي للنص الذي كان اشبه بالبيان الرسمي، حيث لم يولي الممثل بالا إلى اهمية واسطة نقل الرسالة واثرها السلبي في مثالنا الحالي على الرسالة ذاتها، ناهيك عن ازاحة ما للمسرح من خصوصية فنية في درجة من الخطورة بمكان بحيث دفعت من ادركها من الأنظمة الدكتاتورية ان يحد منها بشكل او بآخر، فما كان مشهد بداية المسرحية الخجول على المستوى الفني الا توأمة لشكل الاخراج في عروض التسعينيات من القرن العشرين في العراق، وقتما اضطر الفنان المسرحي ان يخفي صرخته، لدرجة ان لم يعد من السهل على المتلقي ان يعرف من يمثله ومن يمثل عليه، أثناء أزمة الهوية المجتمعية المعاصرة.

تعد الحاجة إلى الشعور بالرضا عن الممثل الذي يقدم لنا شخصية يقوم بأداء دورها في مسرحية، هي الأساس في مهنة الممثل الذي يعتاش من خلال مهنته كانسان يملك عملا، قد يتربح يوما وقد يخسر، لكنه عمله الذي يحترفه ولا يوجد لديه مصدر آخر يعول به اسرته، فقد نحترمه لصنعته يوما لكننا قد لا نتقبل ما يقدمه، وهذا حال كل عمل، خاضع للعرض والطلب، الا ان المسرح في العراق يخضع لمعادلة مختلفة تماما، فمن يعتاش على مهنته في التمثيل يصنف ضمن المسرح التجاري، وهذا النوع من المغضوب عليهم إعلاميا ونقديا وأكاديميا، فهم توارثوا تهمة الإسفاف وتخريب الذوق العام وما إلى ذلك من تهم حسب توجه الحكومات التي تسلطت على ثقافة المجتمع العراقي، ذات السياسات التي تسمح لهذا النوع بالانتشار في وقت محدد ولغايات مصلحية محددة، كما انتشر إبان فترة الثمانينيات بشكل مخزي، لدرجة ان ساهم في كتم كل أصوات الحزن الموجهة للتوابيت المحمولة على سيارات التاكسي، قادمة من جبهة الموت لأجل ادامة حكم طاغية لا اكثر !، أي نعم، ان هنالك هامش من الاستقلال في الرأي عند المثقف العراقي عند قراءة هذا النوع من المسرح، لكن هذا الرأي يجل من قيمة الشعر المكتوب باللهجة العامية وبنفس الوقت يحط من قدر ولا يلي بالا للعرض المسرحي الناطق بنفس اللهجة، وكأن جمهور هذا المسرح وكوادره خارج موضوع الجدل الثقافي، وعلى الصعيد الفني لا نجد ما يمكن اعتباره اعتدالا في الرأي نحو هذا جمع الممثلين الذين يعتاشون على مهنتهم، حينما يتم الإعلاء من شأن المسرح المضاد، افتراضا، والذي لا يعتاش ممثليه على فنهم، والذي هو اقل حضورا في ذاكرة المواطن العراقي، لكنه بنفس الوقت يحتل المساحة الأكبر إعلاميا ونقديا وأكاديميا على صعيد الفن والثقافة بشكل عام.

تعد القدرة على انجاز رؤية فنية من خلال اداء الممثل هي المحصلة النهائية التي تصل بالممثل إلى جادة الخبرة، يراها سانفورد ميسنر أربعون عاما، وتحاول ستيلا ادلر ان تركزها في قوة التخيل لدى الممثل، الا ان هذه الآراء و ان جاءت على ألسنه أشهر منظري التمثيل في القرن العشرين، قد تكون ابعد ما يكون عن واقع الممثل المسرحي العراقي، الذي لم يسعى بالشكل المعروف عالميا إلى تطوير قدراته من خلال الالتحاق بكل مدرسة جديدة في فن التمثيل، بل اكتفى اما على صعيد دراسته الأكاديمية، والتي ان لم يكل القارىء يعرف، يكون الجزء العملي من الدراسة فيها حصريا في مرحلة البلوم في المعهد او البكلوريوس في الكلية، او من خلال العمل في مهنة التمثيل ضمن دائرة السينما والمسرح او النقابات والفرق الفنية المنتشرة في العراق، وغالبا ما تكون هذه الخبرة اكاديميا اوعمليا.. تراكمية، أي انه يكرس ما تعلمه، يعيد ما ابدع فيه، ودليل ذلك انتشار نمط شخصية الممثل جاسم شرف في مسرحية بيت الطين في كل النتاجات الكوميدية التي احتوت شخصية الريفي البسيط او الشرطي الأبسط، على ما في التكرار من بعض الرتوش المعاصرة، بالتالي يمكن ان نخلص إلى خطأ شائع حول قدرة الممثل بكونها بالنسبة للممثل العراقي، اتكال على ادوار سابقة، اكتفاء بالقدرة على مواجهة المتلقي، التبجح بالقدرة على الالقاء دون اخطاء نحوية وكانها محاضرة في الشعر العربي، وما على المتلقي الا التصفيق شاكرا هذا الفضل والكرم الفني.

بالطبع، لا يمكن الفصل بين اداء الممثل خالد مصطفى في مسرحية الختام المذكورة قيد القراءة، وما بين طبيعة الأدوار التي قام بتشخيصها سابقا، ونقصد هنا بالذات الأدوار المسرحية في ما يعرف بالمسرح الجاد أي الناطق بالفصحى، ولنكتفي بذكر دلالة بسيطة، صوتية، فصوته لم يتغير أبدا، وكأنه يمثل من خلال التغيير الطبيعي الذي يحدث لجسده بفعل تقدم السن، ولكننا هنا نطمح بالكثير ان قلنا ذلك فعلا، من ممثل لم يهبنا في هذا العرض الفصيح الا القليل جدا، فالعرض الفصيح جاد كما هو معروف في الوسط المسرحي !، وكأن الناطق باللهجة العامية العراقية ليس من المسرح في شيء، وبالتالي تعتبر مسرحية في انتظار جودو التي عرضت في بداية الستينيات من تمثيل الممثل سامي عبد الحميد ليست بالجادة، فقط لكونها عرضت باللهجة العامية!.

في الدقيقة الأولى لأداء الممثل في هذا العرض المسرحي نجد الشخصية التي يؤديها خالد مصطفى تتمحور حول كون الغرض منها هو إعطاء بعض الراحة للشاعرة-الممثلة شذى سالم حيث لم يكن هنالك ما يوقف سيل النص في إلقاءها الشعري الصرف، وهنا الشعر والشاعرة، ونحن نناقش أداء ممثلة لا يأتي بالمعنى الايجابي، بل انها اختارت ان تؤدي كالشاعرة في الوقت الذي يجب ان تكون ممثلة !، والدليل ان الممثل خالد مصطفى تم وضعه في موقف بحث تجلس.. نعم تجلس الشاعرة التي هي الممثلة شذى سالم لكي ترتاح من تعب اكثر من عشرين دقيقة كانت فيها تقف على خشبة المسرح تحاول الفكاك من منطقة وسط الوسط واسفل الوسط من على الخشبة ولم تستطع لأن هذا هو معنى التمثيل بالنسبة لها، ان تكون واقفة وبمواجهة مع الجمهور طيلة هذا الوقت تلقي الصفحات تلو الجمل والكلمات دونما أي سبب يدعو لبعض التعدي على حدود منطقة اسفل الوسط.. الا اذا كان لمنطقة وسط الوسط، وبمواجهة الجمهور وذات نبرات الالقاء الشعري ايضا، طبيعي ان تكون بحاجة إلى راحة، وكأس ماء ربما، لكنها اكتفت بالجلوس في اللحظة لتي ظهر فيها الممثل خالد مصطفى، لتثبت حاجتها للراحة، وبنفس الوقت تترك منصة (الشعر.. أي خشبة المسرح !).. المنطقة المفضلة من على خشبة المسرح، للشاعر، الممثل، الذي ظهر الآن، هذا ناهيك عن ظهور ممثل اخر القى شعره- حواره وهو واقف في عمق المسرح في ذات العرض، وكأن الجميع اتفقوا على ان التمثيل من على خشبة المسرح، هو الوقوف عليها فقط ومواجهة الجمهور وإلقاء الحوار كالشاعر ! ، وهذا صحيح فقط.. في زمن ارسطو واضع كتاب فن الشعر!.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3219 المصادف: 2015-06-29 01:22:44