المثقف - قراءات نقدية

مصيبة بشّار بن بُرد الشاعر

adnan aldhahirكنتُ أتصوّرُ أنَّ المرحوم الدكتور طه حُسين الأديب الناقد والباحث والمؤرّخ هو الشخص الوحيد الحاقد على الشاعر الكفيف بشّار بن بُردْ والكاره له وقد رأيناه وعرفه الجميع متحاملاً كذلك على شاعر عراقي آخر هو المتنبي. كتب عن المتنبي كتاباً معروفاً بعنوان " مع المتنبي " لكنه لم يكتب عن الشاعر الآخر كتاباً خاصاً إنما كتب عنه مقالة أو أكثر ضمّنها كتابه الموسوم " من تأريخ الأدب العربي، المجلد الثاني (1).

كما عرفته في أمور نقد الشعر والشعراء بشكل عام، يقول رأياً ثم يعود فيذكر نقيضه ويبقى كذلك يراوح ويتراوح بين رأيين مختلفين جدّاً. وجدت ذلك في مواقفه من الشاعر العراقي الكوفي أبي الطيّب المتنبي كما أراه اليوم في إنطباعاته النقدية عن الشاعر البصري العراقي بشّار بن بُردْ. ولكي لا أظلم الرجلَ طه حسين ولا أظلم نفسي أنقل مقتطفات مما قال في كتابه آنف الذِكْر عن بشّار بن بُردْ:

(وإنما عرفنا من أمر بشار أكثر مما عرفنا من أمر والبة لأنه كان من الشعراء الممتازين حقاً، ولأنه استطاع أنْ يفرض نفسه على الجيل الذي عاش فيه واستطاع أنْ يفرض نفسه لا لنبوغه في الشعر فحسب، بل لأنه كان فرداً شاذاً بكل ما في الشذوذ من معنى: شاذاً من ناحية حياته المادية، شاذاً من ناحية شكله الجسمي، وشاذاً من ناحية فنه وحياته العقلية. .... فبشار ولد مكفوفاً وكان شديد الذكاء جداً / الصفحة 81 من المصدر السابق).

(... إلى جانب هذا الشذوذ في حياته العقلية والسياسية والدينية كان بشار شاذاً في شخصه المادي فكان ضخم الجثة إلى حد فاحش، وكان الذين يرونه يشبهونه بالجاموس، وكان قبيحاً جهماً غليظ الوجه، وهذا الجسم الضخم الهائل الذي كان يشبه الجاموس، وهذا العقل الثائر وهذه الحرية المتمردة قد أطلق لنفسه الحرية في إرضاء غرائزه وفي إرضاء غرائزه في غير تحفظ ولا احتياط وفي غير تأنق / الصفحة 83).

(... كذلك أصابَ اللهُ بشّاراً بهذه الآفة فسلبه البصر وكان إلى ذلك نابغة في الشعر يكادُ ينعدمُ نظيره في قوة الذكاء وحدّة الذهن ولكنه أساءَ استعمال آفته، كما أساءَ الإنتفاع بذكائه وحدّة ذهنه فأصبح بغيضاً إلى الناس مُذمّماً منهم ثقيلاً عليهم حتى روى الرواة أنَّ عامة أهل البصرة ابتهجوا لموته واستبشروا به، كأنَّ الله قد أزاح عنهم ضُرّاً / الصفحة 86).

قد يبدو عميد الأدب العربي مُنصفاً متزّناً وموضوعياً في كلامه هذا عن الشاعر بشّار بن بُرد لكنَّ المؤاخذات عليه يمكن إجمالها بما يلي:

1ـ إغفاله لذكر المصادر التي اعتمدها في نقل هذه الأقول والمقتبسات ... فسبيله الذي رأينا سبيل بسيط ساذج من قبيل: قيل ... وقالوا ... وسمعنا ... روى الرواة (لم يقلْ مّنْ هم هؤلاء الرواة؟) لذا لا يمكن الثقة بمثل هذه الأقوال لأنها ضعيفة وغير موثّقة.

2ـ تركيزه على الجوانب الخَلْقية والخُلُقية السلبية في الشاعر مع إشادته بنبوغه الشعري وذكائه وحدّة ذهنه فهل يعيب الرجل أنْ يكون ضخم الجثة حتى يلمزه رجل مثل طه حسين ويُشببه بالجاموس؟ أهذا من دأب ومن خلق وشيمة العلماء الباحثين؟ إنه شاعر وليس راقصاً أو مغنيّاً ولا عارض أزياء يا سيّدنا طه حسين. ثم إنك مثله فاقد لنعمة البصر لكنَّ عماك لم يحلْ دون أخذك العلم في جامعات باريس وحصولك على أعلى الشهادات ثم قيامك بالتدريس في الجامعات المصرية لعقود من السنين قبل أنْ تستوزر لوزارة المعارف في مصر.

ما كان الشاعر إلاّ مرآة حيّة ناطقة عكست مزاج وطبيعة عصره ولم يخلق شيئاً من عنده .. فإذا جهر بالزندقة وعبادة النار وتفضيل هذه على الطين وإذا لاطَ وزنى فإنما كان يمارس ما كان يمارسه غيره سواء في زمانه أو في الأزمنة التي سبقته والمرء ابن زمانه. المجوسية والمانوية والزنى وإتيان الشهوة من الذكران (اللواط) كلها كانت أموراً مألوفة وشائعة في جزيرة العرب قبل الإسلام واستمرت وإنْ ضَعفت حتى يومنا هذا يا طه حسين وقد ذكرها القرآن (عدا المانوية) في أكثر من موقع وسورة كما يعلم الجميع. هل أذكّرك سيّدي طه حسين، وقد درستً في باريس، أنَّ الشاعر الفرنسي بول فاليري كان رجلاً لوطياً وكان عاشقاً للشاعر الآخر الشاب رامبو؟ هل أسقط النقّاد هذين الشاعرين وهل نبزوهما ولمزوهما وشهّروا بهما وعيّروهما بما كانا فيه؟ لا أعرف مقدار حظ طه حسين من الشعر والشعراء الفرنسيين وهل كان جيّد الإطلاع عليهما؟

المهم ... موضوعنا بشّار بن برد.

سوف لن أغوص عميقاً فيما قال طه حسين في شعر وشاعرية إبن برد، ولي في هذا الشأن رأي نشرته قبل سنين حينما تعرّضتُ لمواقف هذا الرجل من أبي الطيب المتنبي وأبي العلاء المِعرّي خلاصته أنه غير متمكن بل وضعيف جداً فيما يخص تحليل ونقد الشعر رغم نبوغه في الأدب عامة وتأريخ الأدب خاصةً. لذا لم أُدهش من ذكره لبعض شعر بشار وإعجابه الكبير وإشادته المُفرطة به كأنه لا يدري أنَّ هذه الأشعار بالذات لا يمكن وضعها إلاّ في مستويات متوسطة أو حتى دون المتوسطة من حيث الجودة وقوة الشاعرية. هذا شأنٌ آخر له مكانه الخاص وزمانه الخاص ومقامه الخاص.

الآن ... ما هو (ربّاط الكلام أو ربّاط الحجي)؟ سؤال في محله وسأوفيه الكثير من حقه.

ربّاط ومثير الكلام هذا ما قرأت أخيراً في كتاب البيان والتبيين للجاحظ (2) من أخبار تخص صاحبنا الشاعر بشّار بن بُرد، الجاموسة الزنديق عابد النار المجوسي ! لقد فوجئتُ، نعم، فوجئتُ، أنَّ شعراء معاصرين لبشار بن بُرد كانوا قد حملوا عليه وأساءوا إليه وعيّروه بعاهته التي أُبتليَ بها منذ ولادته ثم عرّجوا فذكروا اخوته لأمّه بكلام غير لائق. يقول البيان والتبيين إنَّ بشّاراً كان موالياً وربما صديقاً للمعتزلي المعروف واصل بن عطاء لكنه انقلب عليه وتركه وهجاه بشعره. نقرأ ما كتب الجاحظ في البيان والتبيين

(وكان بشار كثير المديح لواصل بن عطاء قبل أنْ يدين بشّار بالرجعة ويكفّر جميع الأمّة ... الصفحة 36 ....)

(فلما انقلب عليهم بشّار ومقاتله لهم بادية هجوه ونفوه، فما زال غائباً حتى مات عمرو بن عبيد وقال صفوان الأنصاري يدافع عن واصل بن عطاء ويُكبرُ قدره:

متى كان غزّالٌ له يا ابنَ حوشبٍ

غُلامٌ كعَمْروٍ أو كعيسى بنِ حاضرِ

ولما قام بشار بعُذر إبليس في أنَّ النارَ خيرٌ من الأرض وذكر واصلاً بما ذكر قال صفوان:

زعمتَ بأنَّ النارَ أكرمُ عُنصراً

وفي الأرض تحيا بالحجارةِ والزندِ

 

وتُخلقُ في أرحامها وأرومها

أعاجيبُ لا تُحصى بخطٍّ ولا عقدِ

 

وفي القعرِ من لُجِّ البحارِ منافعٌ

من اللؤلؤِ المكنونِ والعنبرِالوردِ

 

وفي قُلل الأجبالِ خلفَ مُقطّمٍ

زَبْرجدُ أملاكُ الورى ساعةَ الحشدِ

 

وفي الحَرّةِ الرجلاءِ تُلقى معادنٌ

لهنَّ مغاراتٌ تبجّسُ بالنقدِ

 

من الذهبِ الإبريزِ والفضةِ التي

تروقُ وتُصبي ذا القناعةِ والزُهدِ

 

وكلُّ فِلزٍّ من نَحاسٍ وآنكٍ

ومن زئبقٍ حيٍّ ونُوشاذرٍ سِندي

 

وفيها زرانيخٌ ومَكْرٌ ومَرتَكٌ

ومن مَرقَشيثاغيرِ كابٍ ولا مَكدي

 

وفيها ضروبُ القارِ والشبِّ والمها

وأصنافُ كبريتٍ مُطاولةُ الوّقدِ

 

ومن إثمدٍ جَونٍ وكِلسٍ وفِضّةٍ

ومن توتياءٍ في معادنهِ هندي

 

وكلُّ يواقيتُ الأنامِ وحَليها

من الأرضِ والأحجارِ فاخرةِ المجدِ

 

وبعد هذا العرض الكيميائي الفاخر والنادر يتعرض الشاعر لبشار بن بُرد الأعمى المسكين المغلوب على أمره فيؤذيه بذكر عاهته الطبيعية وما أصاب أخويه لأمّه من عيوب خَلْقية فيقول في نفس هذه القصيدة:

 

فيا ابنَ حليفِ الطينِ واللومِ والمعى

وأبعدَ خلقِ اللهِ من طُرُقِ الرُشدِ

 

أتهجو أبا بكرٍ وتخلعُ بعدهُ

عليّاً وتعزو كلَّ ذاكَ إلى بُردِ

 

رجعتَ إلى الأمصارِ من بعدِ واصلٍ

وكنتَ شريداً في التهائمِ والنُجدِ

 

أتجعلُ ليلى الناعظيّةَ نِحلةً

وكلَّ عريقٍ في التناسخِ والردِّ

 

تواثّبَ أقماراً وأنتَ مُشوّهٌ

وأقربُ خلقِ اللهِ إلى القردِ

 

لقد ولدتْ أمُّ الأُكيمهِ أعرجاً

وآخرَ مقطوعَ القفا ناقصَ العَضدِ

 

وَلَدتِ خُلداً وذيخاً في تشتّمهِ

وبعدُ خُزَراً يشّتدُ في الصُعُدِ

 

ثلاثةٌ من ثلاثٍ فُرّقوا فٍرقاً

فاعرفْ بذلكَ عِرقَ الخالِ في الولدِ

(الخُلد ضربٌ من الجرذان يولدُ أعمى والذيخ ذَكَر الضباع وهو أعرج، والخُزَر ذَكر الأرانب وهو قصير اليدين لا يلحقه كلبٌ في الصُعُد / الصفحة 41).

هذا بعض ما قال الشاعر صفوان الأنصاري قبل طه حسين بقرون وقرون في شاعرنا بشّار بن بُرد. وفيما يخص البيت الأخير نجد الشرح التالي: وكانوا ثلاثة مختلفي الآباء والأم واحدة وكلهم وُلِدَ زمناً ولذلك قال بعضُ مَنْ يهجوهُ:

إذا دعاهُ الخالُ أقعى ونَكَصْ

وهُجنةُ الإقرافِ فيهِ بالحِصصْ

(الإقراف: الهجنة من قبل الأب، عنيَ أنه لئيم الأم والأب / شرح في حاشية الصفحة 41).

كان هذا نصيب الشاعر بشّار بن بُرْدْ من بعض معاصريه وعارفيه وشائنيه وقد هاجموه بشراسة لأنه انقلب على صاحبه السابق المعتزلي المعروف واصل بن عطاء وعيّره ونبزه فما بال أستاذنا وعميد الأدب العربي وهو مبتلى بذات العاهة التي أُبتلي بها بشار وما أسباب تحامله عليه وهو رجل أكاديمي وموسوعي ومتمكن جداً من لغته وأساليبه في التحليل والتفسير؟

إنها بالفعل مصيبة بل مصيبتان ولعنتان أحاقتا بهذا الشاعر إبن بُرد إحداهما عراقية بصراوية قديمة والأخرى مصرية قاهرية بنت القرن العشرين فمن يُنصف المظلوم ومن يأخذ بثأره ... مَنْ؟

 

د. عدنان الظاهر

.................

الهوامش:

1ـ طه حسين / من تاريخ الأدب العربي المجلد الثاني، الطبعة الرابعة، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان . العصر العبّاسي الأول (القرن الثاني) الصفحات 85 ـ 107

2ـ البيان والتبييّن تأليف أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الطبعة الأولى، القاهرة، مكتبة إبن سينا للنشر والتوزيع. الجزء الأول الصفحات 37 ـ 41 .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3242 المصادف: 2015-07-22 10:35:26