المثقف - قراءات نقدية

السياسة والإبداع .. قراءة في مرويات بتول البستاني

manal albustaniيأخذنا عنوان المرويات "يوم جرى ما جرى"* إلى بؤرة الحدث وإلى الجرح العميق في روح الإنسان العراقي ضحية المفارقات والمكيدة، إذ تتجلى ماهية الحقد الدفين والعدوان الأمريكي المتواصل عليه وعلى شعبه / الحضارة الأم / حضارة وادي الرافدين، هناك حيث عزفت أنامل الإنسان الألحان الأولى الخالدة للحب على قيثارة أور قبل6000 آلاف سنة، الحضارة التي نحت مبدعوها الثور المجنح المبتسم، وخطت الألواح وزيّنت الجدران بالنقوش والزخارف، تلك الحضارة العريقة التي نشأت على ضفاف نهري دجلة والفرات وعلمت الإنسان القراءة والكتابة واخترعت العجلة، حيث نشأت على هذه الأرض أعظم المدن رقياً وهي سومر وبابل وآشور وأور وأكد وغيرها، مدن ذات هوية عراقية أصيلة، تأسس عليها أول مجتمع له ببنيته العميقة ونظامه السياسي والاجتماعي والقانوني والثقافي والأخلاقي، حضارة ترنُّ في الروح وفي كتب التاريخ القديم والمعاصر والمستقبل .

تأخذنا بتول البستاني في مروياتها الشعرية إلى الماضي الذي بناه الأجداد، إلى الرقي والتطور الذي له تأثيره الأسمى على مسيرة البشرية، تأخذنا أيضا إلى الفجيعة والمأساة الكبرى في التاريخ المعاصر، وما ألمّ بالعراق من مصائب على الأصعدة كلها بعد الغزو الأمريكي له بكل الأساليب التي تفضح ضغينة أمريكية على التراث والفن والجمال والأصالة .

تروي بتول البستاني التي شهدت وشهدنا معها شراسة الاحتلال الأمريكي في مرثاة تبكي الموصل الحدباء / أم الربيعين وهي ترى الدبابة الأمريكية تزعق ليلاً ونهاراً في شوارعنا المطرزة بالنور والفن، وتدوس على الأثر الخالد، وهي إذ لا تذكر اسم أمريكا فلأن جسامة الحدث التاريخي غني عن التعريف بفاعلة الجريمة الأكثر فداحةً من جريمة قابيل الذي قتل البراءة حسدا من عند نفسه، وهي إذ تقول " بدت سوآتنا " فإنها تمارس النقد الذاتي كوسيلة فاعلة للتعبير عن سوأة فئة من الرعاع والغوغاء العراقيين الذين بثتهم أمريكا للتخريب، وتدعونا إلى إصلاح الذات وتدعو الحكام الذين تسلموا زمام الحكم بعد الاحتلال إلى تقويم ذاتهم ومحاسبة أنفسهم ونقدها، وتشير إلى أمريكا وقد انتحلت شخصية المُخلِّص، واستعانت بالذين أنكروا الحقيقة والمعقول، و استفادت من الحكم الاستبدادي السابق الذي أورث الشعب العراقي الاستياء والعذاب، واستمالت الجياع وسفلة الناس لتحقيق غايتها، وانتقت بخبثٍ حكاماً عراقيين شديدي الجهل، غارقين في فسادهم، مدسوسين، لا يمتّون إلى العراق بصلة وليس لهم هوية عراقية ولا قومية ولا ذاتية، فمارسوا الطغيان والسلب والنهب والفجور . إن أمريكا تشعر بالفجوة الحضارية بيننا وبينها، تنتمي إلى سلالة هولاكو السفاح، هرعت إلى فئة من الدهماء فأحرقوا المؤسسات والعمران والمدارس والكتب في العراق المزدهر بتراثه ومناراته ومكتباته الفخمة الثرية بكل المعارف الإنسانية والمخطوطات القديمة النادرة، لهذا وثقت بتول البستاني ما حدث توثيقا إبداعيا بالنقد الذاتي تدعونا فيه إلى تقويم الذات واستنهاض الهمة والشجاعة والمروءة، لبناء إنسان يعيش في الحياة ولا يخرج من إطار القيم والضوابط ويلتزم بقوانين الدين والأخلاق وهي إذ تقول " نحن اللصوص الأدعياء " تعود بنا إلى جرائم هولاكو المغولي المدونة في تاريخ الدم والحرق" فأحرقنا كتبنا ورمينا أقلامنا في البحر " أي تخلينا عن مسؤوليتنا . إن بكاء بتول البستاني هو بكاء تاريخي يستصرخ كبرياء ومجد حضارتنا التي ازدهرت بالعلوم الإنسانية والأخلاقية والطبية والفلكية، فتأتي أمريكا اللص / أمة لقيطة حصرت علومها في التخريب والتدمير والإبادة، لتدّعي المدنية وتؤجج الجائعين والحفاة المنسلخين عن الإنسانية لتخريب وطنهم، وتحارب حضارتنا الموغلة عمقا في التاريخ .

يوم جرى ما جرى..

حطت الدبابات في شوارع المدينة،

بدت سوآتنا، نحن اللصوص الأدعياء،

فأحرقنا كتبنا ورمينا أقلامنا في البحر،

ومشينا بشموخ نبكي أمجاد الآباء والأجداد!!؟؟

لذا جعلت البستاني من الرعاع الذين لا تخلو شعوب العالم منهم على مر العصور، رمزاً للموت والخراب جاء بصورة عميقة الحزن والسواد وهي صورة الغراب الكاسر . إن الخيال الأدبي في تشظيه المأساوي يستنفر الروح ويعبر عن جرح عميق بصورة مجازية تستشف القوة الوحشية النارية وتصف عتمة النفس المريضة بصفة الكاسر ذي المخالب والمناقير الحادة القوية، القادر على خدش المشاعر ونهش القلب الذي ينبض بالتاريخ والتراث والكبرياء، فالسماء تشاطرها البكاء، لأن جريمة أمريكا والدهماء لا ترتبط فقط بانتهاك المكان والإنسان بل بالتعدي على القيم السماوية التي حثت على تحصيل العلم والمعارف والسعي من أجلها، لذا بكت السماء في ذلك اليوم الحزين وظلت الأرض تئن من وجعها تحت وطأة تلك الدبابات وهي تسحق أجمل المعالم الجمالية التي أبدعها الإنسان بفن يثير البهجة والدهشة في النفس، فن لا نظير له في العالم إلى الآن .نهت السماء عن انتهاك البيت لما له من حرمة وطابع نفسي مقدس وجعلته سَكَناً للإنسان " والله جعل لكم من بيوتكم سَكَنا " ونهت عن الفساد في الأرض " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " . تجسد لنا البستاني صورة البيت الذي يغمرنا بالهدوء والراحة والأمان، وهو أيضا صورة البيئة التي ننشأ في وسطها ونتشبع بالعاطفة ونتربى على نشر الخير والفضيلة والمحبة في العالم بأسره، فإذا ما تشرّبت نفوسنا بالجمال فسيكون كل شيء جميلا من حولنا فننشر الخير ونقضي على القبح والجريمة . إن أمريكا، والغوغاء   يفتقرون إلى عاطفة الحب لذا حين تقع عينهم على مواطن الألفة والعائلة يقتلونها . ركّزت البستاني على فداحة الحدث وما يجب أن يكون عليه السلوك الحضاري الأنيق الذي يرتكز على الأخلاق والفضيلة، تؤكد لنا أن على أمريكا أن تُعيد تحليل شخصيتها الأخلاقية وأن تنظر لنفسها في مرآة الواقع وتقدم لنا فلسفة للحياة أكثر رقياً :

يوم جرى ما جرى .. نُهِب بيتي،

ونُهِبت مدرستي، وظلت الغربان تنهش

قلبي .. وبكت السماء..

تعرض لنا الكاتبة التصارع بين الأضداد، الجميل والقبيح، الخير والشر، العلم والمعرفة والجهل، والحب والكراهية فيتجلى حضور الجمال الذي يرى فيه الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر منبعا للخير والمحبة، وهنا تقدم لنا البستاني شاهدا على هذه الصورة الخليفة العباسي هارون الرشيد وزوجته زبيدة، فتتسع مساحة الجمال في البنية الفنية والأسلوب التعبيري، فـ هارون الرشيد هو من عظماء أمتنا الذي انحنت رؤوس الروم أمامه، ومن أعظم خلفاء الدولة العباسية شجاعة وجهادا وحزما   وعدلا واهتماما بالعلم والعلماء، يجذبنا حضوره إلى تأمل واقعنا الذي يعجُّ بالساسة الماجنين، الجهلاء، الناهبين، السارقين، الخائنين، الحاقدين على أوطانهم، الجالسين على مائدة السفه والعربدة، العوّادين إلى الذنوب، الراكضين إلى الوشاية والوقيعة لتفريق شعبهم بالمكر والخديعة، كما تعكس صورة زبيدة زوجة هارون الرشيد ذات الجمال والحصافة والنبل والتواضع والبلاغة والإيمان، إن جواهر زبيدة كانت جواهر معنوية لأنها شملت ببريق عطفها الفقراء وذوي القيم والصلاح والعلماء، فتقودنا البستاني إلى الحكمة والأخلاق وإلى كل ما هو أسمى في سلوكنا وتعاملنا مع الآخر، فاليوم نعيش في نهار مظلم تنبثق دلالته من " وأظلم النهار " فهذا عصر الكسوف الكلي لأن السياسة الحاضرة لا تبعث في نفسنا الرضا والقناعة والشعور بالعدل والإنصاف، بل تثير فينا السخط والألم، ولا يمكن لهذه السياسة أن ترتقي إلى الجمال الناصع وبريقه النقي لأنها تفتقر إلى العقل المتفتح الذي يبحث عن الجمال لهذا تبعثر مجلسها الذي يرتبط بالكذب والنفاق والشعوذة، كما يرتبط بالمادة ولا يسمو عليها . يعكس النص صورة السياسة العربية التي تديرها أمريكا وعملاؤها وقد بدا هُزالهم واسودّت وجوههم واختلطت هويتهم وتركوا ما خولهم الله راء ظهورهم وضاعت ميزة ملامحهم وعذرية فرديتهم مما سبب لهم ضمورا في التهذيب، لذلك تشظت أمريكا في معاييرها الأخلاقية والفلسفية والسياسية وبدت بلادتها في عدم قدرتها على التمييز بين القبح والجمال والخير والشر والليل والنهار:

يوم جرى ما جرى .. انفض مجلس هارون الرشيد..

وتبعثرت جواهر زبيدة، واظلم النهار.. !!

يسبح النص في انعطافات تتموج مابين الماضي والحاضر، وتكشف لنا البستاني حقيقة الموجود في تأملها وكتابتها، فمهمة الفن كما يقول الفيلسوف الألماني هيدجر هي الكشف عن حقيقة الموجود، فالجمال في نظره هو مظهر من مظاهر تجلي الحقيقة في المعنى العميق للكلمة .

نلمس في كتابتها مدى تأثير الجمال والعلم في عقليتها ونفسيتها، وحقيقة شعورها بالألم تجاه السلوك اللا أخلاقي الذي تمارسه أمريكا في العالم عامة والعراق خاصة وتدرك أثره السلبي في النفس الإنسانية، فالاحتلال الأمريكي للعراق تعتبره طقوسا جنائزية، مأتميه، وصمت وحِداد، فصمت الطلاب في قاعة الدراسة أمام هذا الحدث المأساوي ليس إلا جزءاً من السلوك الأخلاقي والمعرفي للإنسان العراقي الذي يعي سبب هذا الحقد وعيا عميقا، فالطالب يرفض القهر والتدمير وذلك من أجل تحقيق وجوده الفعلي الإيجابي في الوجود، في حين أن السلوك الأمريكي هو بدافع الإقبال على مغريات الحياة ومؤثراتها المادية والجسدية والتبجح أمام العالم لِما يتآكل خلاياها من جوع حضاري فتّاك، فأمريكا لا تليق بها المعارف الروحية والفنية، لهذا كان الٍصمت علامة من علامات الحكمة أمام ثرثرة أمريكا وبهرجتها السلاحية التي هي عِدتها في سحق روح الإنسان والعلم والفن، فهل أكثر تعبيرا عن الحزن من أن يكون الصمت أنيساً أمام نازلةٍ كهذه !! فالصمت حكمة بالغة وتأمل من أجل الوصول إلى فهم ماهية هذه النزق وعدم الحياء، والصمت ليس إلا لغة سردية باكية تنمُّ عن جوهر ثقافي عميق ومعدن أصيل للإنسان المنكوب، صمت له مغزاه الخفي، يعبر عن المعنى العميق للغم والهم والأسى، فتجلت البنية العميقة للمفارقة التي تضمر السخرية، والتهكم المأساوي الذي صدحت به مفردة " حافلا " جاءت بصيغة صفة، كما عبرت عن ضعف و ضآلة العالم المخصي أمام الظلم والعنجهية والغطرسة الأمريكية :

يوم جرى ما جرى.. بدأ طلابي عاماً جنائزياً حافلاً

بالصمت ..!!

ويظل الاستفهام وجوديا حائرا أمام دمعة طفل ترقرقت في عينيه بلوعة وهو لا يدري لماذا أُحرقت مدرسته بالقنابل والصواريخ؟ ويبقى الجواب مبهما أمام السلبية العدمية المطلقة لأسلوب أمريكا في الحياة وطريقتها في التعامل مع الوجود، ترتكب المعاصي بهذا الوضوح الجلي وبسلوك يتنافى حتى مع فلسفة مفكرها جون ديوي الذي عرف المدرسة بأنها الحياة، النمو / التوجيه الاجتماعي . إن أمريكا أتاحت حقيقة التعرف على وجودها التخريبي في الوجود، وأعطت الفرصة لجمع الحقائق المبطّنة عنها كي تظهر حقيقتها المادية وتنقل إلى العالم بشاعتها وروحها المصقولة بالكراهية . تكشف لنا البستاني ماهية الحزن في لمحة صافية هي لمحة الفن الصافي، فتنصهر بذلك همومها الإنسانية ومناجاتها ولواعجها وأرقها وتتداخل بمسكن الوجود والطفولة والبراءة، وتتكاثف الصورة الحزينة في الحدث الكارثي وهو حرق المدرسة الذي يُشكّل في رؤيتها حرق الحياة والأمل والمستقبل :

يوم جرى ما جرى..

أرّقتني دمعة طفل ترقرقت في عينيه على مدرسته

التي لا يدري لمَ أُحرقت بالقنابل والصواريخْ ..!!؟؟

إن الأرض كلها حرم مقدس وبيئة اجتماعية متكاملة تتطلب حماية الإنسان لها وصيانتها من الأخطار التي تهددها، تعبر عن ذلك المفارقة الدينية والتراثية التي ورد فيها ذكر عين زمزم المقدسة ذات التراث الإسلامي العريق، فالأرض في رؤية بتول البستاني هي مكان يزخر بالمعاني الروحية والرموز ذات البهاء، احترامها هو عنصر من عناصر الحياة لأنها ترتبط بوجدان الإنسان وعافيته وتنقيته من الذنوب والإثم، فرحلة الإنسان في الحياة رحلة شقاء وعناء وكدح وتعب وغربة كرحلة الحج التي لها رمزها الذي يتراسل مع وجود الإنسان على الأرض وهو محنة واختبار وابتلاء وتطهر، فغربتنا ليست إلا صورة من غربة هاجر وابنها إسماعيل حين تركهما نبي الله إبراهيم بأمر من الله، وهي أيضا غربة الإنسان في بحثه عن المدينة الفاضلة وتطهير الفضاء الداخلي من الأدران الدنيوية من أجل النفيس ذي المزايا الأسمى. إن الصراعات السياسية والطائفية والدينية تعمّق شعورنا بالاغتراب كما إن أمريكا وحروبها العدوانية علينا بلا مبرر إنساني تسد أمامنا أبواب الفرح والارتواء الروحي والمعرفة والشعور بالسلام الذي ينتشلنا من جدب الحياة وقحطها وقسوتها، فهذه المفارقة التي تمثلت بـ يباس عين زمزم وموت الحجيج عطشا ليست إلا دعوة للعودة للجوهر الأزلي، إلى الله والتمسك بالقيم التي تحمي الإنسان في رحلته القصيرة على الأرض، كما هي نهي عن الرفث والفسوق والجدال والحروب وكل ما يؤدي إلى نفاد الزاد الروحي وسببه الأصيل هو التعالي على الآخر وعدم احترام هويته وعقيدته وانتمائه   :

يوم جرى ما جرى..

يبست عينُ زمزم،

وما ت الحجيج عطشاً..!!

حضرت المفارقة بذكر الشاعر العربي امرئ القيس الذي ورد ذكره في كتاب طبقات فحول الشعراء لـ محمد ٍبن سلّام وكان يُلقّب بالملك الضلّيل لكثرة شربه الخمر أو لقب بذلك من حيرته في الثأر لأبيه وطلب ملكه وفشله في ذلك بعد الجهد الذي بذله، وتبدأ معلقته العتيدة بالبكاء على أطلال المكان وهي مفارقة وجدانية :

قفا نبك ِ من ذكرى حبيب ومنزل

لكنها تأخذ أبعادها السياسية التي تتضمن صراعا ذاتيا عنيفا وشعورا عميقا بالاغتراب عاشه امرؤ القيس، وعبرت به البستاني بصورة رمزية عن الصراع السياسي والتهافت وسحق الإنسان العربي المعاصر الذي يبحث عن الجريمة ومُسَبِب القتل، ويزداد شعورنا بالاغتراب كلما زاد وعينا بذاتنا، ذات الإنسان الممزقة فيبدو الوجود ثقيلا باهظا على أروا حنا . أصبح الاغتراب ظاهرة من أبرز ظواهر عصرنا الحديث لأنه يعكس أزمات سياسية وطائفية وأحقاد وضغائن تاريخية وتطفل دولة على أخرى، وكل ذلك يُشعرنا بأننا مستلبون ومستعبدون لما يحيق بنا من استلاب معرفي وسياسي وظلم لذا نشعر بالموت، ويؤكد الفيلسوف الألماني هيجل أن الإنسان المغترب هو ذاك الإنسان الذي يعيش في عالم ميت لا إنساني . إن الحرمان من الحرية التعبيرية والقمع الفكري في واقعنا العربي يُشعرنا باليأس وعدم القدرة على تحقيق ذواتنا لأن السلطة والأعراف غمرتنا بالعزلة والخوف، فالحرية كما يقول هيجل هي الحالة التي تكون فيها الذات راغبة فيها والتي سوف تسترجع بها نفسها . كما أننا نفتقر في واقعنا العربي إلى الروح البشرية المطلقة التي تتمثل في رؤية هيجل في الفن والفلسفة والدين لأنها تجسد مجالات الحياة الروحية الفسيحة . إن الأنظمة السياسية السائدة تُكبّل تطورنا الباطني الذي يمكّننا من بلوغ أعلى صورة للحضارة البشرية . اغترابنا الحقيقي هو أن عمل السياسة عمل غادر يستغفلنا، وكل عمل مغترب هو عمل مستغفَل كما يقول الفيلسوف الألماني كارل ماركس . إن السياسيين المنحلين واستلابهم للإنسان العربي وهيمنتهم وانقيادهم لسياسة الدول المتطفِلة علينا، والانحرافات الدينية والاقتصادية سببت لنا نفورا وكراهية لواقعنا البغيض وجانسته الكاتبة مع اغتراب امرؤ القيس الذي مات مسموما بسبب الواشين حين راح يبحث عن ثأر أبيه الملك المقتول من أجل استرجاع ملكه فمات غريبا، ويزداد عمق اغترابنا حين نقرأ أبياته قبل موته في أنقرة :

أجارتَنا إن المزار قريبٌ

وإني مقيمٌ ما أقام عسيبُ

أجارَتنا إنّا غريبانِ هاهنا

وكلُ غريبٍ للغريبِ نسيبُ

إننا حين نغترب عن ذاتنا لا نحترمها، لكن حين نحترمها فإننا نحترم جوهرنا الإنساني الذي ينصهر بالجوهر الإلهي فلا نترك الفرصة للعدو المتطفِل والسياسيين الخانعين الذين يحكمون الدول المُتطَفَل عليها، ويُسممون فكرنا ونهضتنا حين يُرغموننا على ارتداء الثوب المسموم بالطائفية والتفرقة، أولئك السياسيون الواشون الذين ينامون بأمان . إن امرأ القيس ليس هنا المقصود بالنص لأنه كان مخلصاً لقضيته ومات من أجلها، بل المقصود أولئك الذين تلبّستهم الخيانة والبلادة وأسلموا شعوبهم للغدر والفتنة والعذاب والغربة والموت، وأوطانهم للوشاية والنميمة :

يوم جرى ما جرى ..

لم يطالب الملك الضلّيل باسترجاع المدينة،

ونام بأمان ..!

تأخذنا مع السموأل الذي ذكر ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء أنه من شعراء اليهود في الجاهلية، عربي، أسلمَ، حينما أراد امرؤ القيس السفر إلى ملك الروم استودع عنده دروعا كثيرة، وبلغ الحارث بن أبي شمر الغساني وهو الحارث الأ كبر ما خلَّف امرؤ القيس فبعث إليه رجلا من أهل بيته يقال له الحارث بن مالك وأمره أن يأخذ منه سلاح امرئ القيس فرفض وأغلق الحصن دونه وكان ولده خارج السور فهدده به فقال السموأل اقتل أسيرك فانا لا أدفع شيئا فقتله فضرب العرب بالسموأل مثلا بالوفاء . تأخذنا بتول البستاني في هذه المفارقة السياسية والتاريخية الكبرى إلى منابع الأخلاق الجوهرية التي تسكن في البواطن الخفية من الذات الإنسانية التي يتوجب على الإنسان استنهاضها بالوعي والمكابدة والتضحية، وتتجلى الأمانة في أبهى صور الجمال في حدائق المجد التاريخي، ما يؤكد لنا فشل الحاكم العربي في طاعة الأمر الإلهي وأداء الأمانة السماوية التي أودعها الله للحاكم على الأرض وللإنسان . إن غياب الصدق في تعاملهم مع شعبهم ذي الجذور التاريخية العتيدة نأى بهم عن صفات الصادقين المتقين والموفين بعهدهم، لم يكونوا راعية ولم يكونوا مسؤولين عن رعيتهم وتركوا شعبهم فريسة العواصف والثلوج والقيظ، تائهين في البراري، عرضة للجوع والمرض ولدغات الأفاعي، فهل سيعفيهم الله من النار والزمهرير ! لقد فشلوا في أداء واجبهم بجد واجتهاد، لم يكونوا صالحين ليحكموا في الخصومات الطائفية التي أشعلوا وأججوا نيرانها هم بأنفسهم، صاروا أعداء لشعبهم لهذا مقتهم الشعب بكل مذاهبه وطوائفه وأديانه وعدّهم في مسار الخائنين، لا موقف وطني لهم يُزكّيهم ويطهِّرهم، الخيانة سمة من سماتهم البارزة لهذا لا يحبهم الله وأفصح علناً وبتصريحٍ شديد عدم حبه للخائنين في سورة الأنفال " إن الله لا يحب الخائنين " . زرعوا الخوف والقلق في نفوس شعبهم، أسكنوه في الظلمة ومدُّوا عليه أيديهم، ابتعدوا عن الخير الذي يردُّه الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانت" إلى اللذة والمنفعة. انحرفوا في مسيرتهم نحو الشر والفساد، يحتاجون إلى التثقيف والتهذيب، لكنهم في رؤية الفيلسوف كانت أهملوا ذلك وراء اللذات بدلا من بذل الجهد في تنمية استعداداتهم الفطرية وتحسينها . لذا نرى أن أفعالهم كانت شرا علينا ووبالا عليهم حين يصنفهم التاريخ في حقل الرذيلة والجشع والدناءة، بحثوا عن سعادتهم وتركوا العراق غارقا في الدم والفتن، فجاء سلوكهم خارقا للقانون والمبادئ الأخلاقية، غابت عنهم المعارف العقلية التي تبحث عن الحلول للمشاكل ذات التركيب الأكثر تعقيدا في حياة الإنسان، لم تكن السياسة بالنسبة لهم بحثا عن المعنى في الموقف الوطني أو سلوكا هادفا تطوريا فجاءت لغتهم خالية من المنطق والبرهان، مجّدوا الباطل، خرسوا عن الحق وغاب عنهم الإدراك العقلي بسبب تراكمات من الإدراكات الحسية التي تعدت حدودها لهذا زاولوا الحكم البدائي ولم يفهموا أن السياسة منهج عقلي وإنساني شامل، وأثبتوا بإدراكهم الحسي لشعوبهم أن أرواحهم كلبية وليست ملكية بحسب تصنيف أرسطو للأرواح، وبسبب غياب نشاطهم الدماغي حكموا على المعارف العقلية بالفهم الحسي وهذا الخطأ الأكبر في الحياة والحكم، كراسيهم متهرئة لأن سياستهم ليس لديها ردود فعل، وتُديرها عقول غاب عنها الوعي الذي كما يقول الفيلسوف الإنكليزي برتراند روسل هو عبارة عن ردود أفعال الإنسان تجاه مُثيرات الوسط الخارجي بها في نفس الوقت. إن هؤلاء الساسة ليس لديهم من أفكار ووجهات نظر عن الحياة والعالم من حولهم فجاءت سياستهم إسقاطا لأنفسهم، وهم في اللاشعور يميلون إلى الأذى، لأن الجزء الأكبر من جهازهم النفسي مشلول ومُعوّق وعاجز، فليس لديهم استنباط أو تأمل، غاب عندهم الوعي وهذا مرجعه إلى ضمور في الخلايا العصبية لأدمغتهم وأستند في ما أقول إلى العالم البيولوجي الفرنسي ج.ب. شونجو الذي عرّف الوعي بأنه نشاط عقلي ناتج عن عمل فزيولوجي للخلايا العصبية للدماغ . إن سياسيينا يعانون من اضطراب في الكلام واضطراب في صوتهم الإنساني لأنهم غير قادرين على النطق وعلى تحليل ما يدور حولهم، واضطراب في الرؤيا، والعمى، لا يرون ما يدور حولهم من بلبلة، ليست لهم القدرة على التمييز بين الأشياء والأمور، لا يستندون إلى المنطق في سلوكهم ولا يؤمنون بفلسفة العقل وهي طريقة التفكير السليم والتداول والحوار المبني على عدم اغتيال العقل، لهذا شكلوا في واقعنا مساحات معقدة ومعتمة لأن بيئتهم الحقيقية لم تعتمد الأعراف الإنسانية في تربيتهم وتوجيههم نحو الخير، فاستمر نهجهم في الظلام على نحوٍ منظم وامتلأ واقعنا بالبقع ذات التضليل الأسود والرمادي، وحيث أنهم جياع، بدا لهم الطعام غنيا بالألوان والمذاقات، ولم تكن لهم القدرة على إبداع التجانس في الأنغام والألوان لذا عمّ في واقعنا النشاز والتنافر والشاذ، لم يعلموا أن المنهج الكوني مبني على الوحدة والتكامل والانسجام، فقدوا حواسهم التي تربطهم بالإنسان والبيئة والعالم، فمات عندهم كل انطباع نفسي، مزقوا كتب الفلسفة والمعارف الإنسانية وجعلوها أوراقا متناثرة وتجاهلوا أن ريحا صرصرا عاتية ستُرسَل عليهم تجعلهم كالرميم، وأن شعوبهم قادرة على التمييز بين الجوهري والحسي، وأن لهم الإدراك الذي يرى فيه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت وظيفة ذهنية ترى الشيء ليس مجموعة إحساسات وإنما هو ذلك التشكل الذهني له، ولم ينظروا إلى الوجود كما يقول هيدجر من معنى الوجود إلى وجود المعنى، لأنهم يجهلون المهمة الجديدة للظاهراتية التي حدد الفيلسوف الفرنسي مارلو بونتي بأنها الكشف عن العالم الواقعي والعودة إليه والتركيز على أهم أبعاد الوجود لأجل الآخرين . لم يزاولوا أفعالهم بإرادة حرة بل تقيّدوا بغير أنفسهم التي تتقن مبدأ لا أخلاقيا، ودانوا بالولاء لأمريكا وللمنحرفين الساقطين في حفرة الدجل والشعوذة والكذب والافتراء، لهذا لم تعدّهم شعوبهم أحرارا بل عبيدا، ذلّوا وخضعوا وانقادوا وتحالفوا مع القوى التي انتهكت وطنهم وأصبحوا يعملون بالسُخرة القهرية فاستُلِبت حريتهم وسمَّتهم شعوبهم مماليك، وخدماً تابعين، ويمكن أن نُسميهم العبيد العوام المأسورين، وتجوز لهم كل مصطلحات التصغير، فهم ليسوا بمواطنين، بل أرقاء للعمالة والقرصنة والتجارة الدولية بأوطانهم، ومن مفارقات عصرنا الحديث أن السياسيين هم العبيد، في حين أنه في اليونان القديمة لم يكن مسموحٌ للعبيد بممارسة السياسة، لم يُحبوا الفلسفة فغابت عنهم الحكمة، وها نحن نراهم يفتقرون إلى المرجعية الثقافية وإلى الوعي الإنساني والخلفية الإيمانية، وضعوا شعوبهم في مأزق وتشويش، تحصنوا بالنفاق الذي له خطره وانحرافه وفساده، اتفقوا مع أمريكا ضد الطبقات المحرومة وتحولوا بفعل الشبق المادي إلى أداة تسير وفق الميول الأمريكية المستبدة، تقلقهم الحرية وتشكل بالنسبة لهم خوفا وقلقا و ليس لهم قانوناّ يُقنِعون به شعبهم أنهم التزموا بالقواعد الاجتماعية وأن الأخلاق نزعة إنسانية عميقة، فواقعنا السياسي واقع لا عقلاني ولا أخلاقي، تحولت فيه دولة العراق والوطن العربي إلى سجن كبير، تتنافى مع دولة هيجل التي هي عالم فسيح من الحرية النبيلة، وانساق رجال الدين إلى الفكر السياسي المشوه، ناصروا الظلم وهم يرتدون ثيابا تزينها المعتقدات الزائفة القبيحة بدلا من إجلال المعرفة والأخلاق والقيم التي حثت على العدل والإخاء والمساواة والاعتصام بحبل الله، متناسين أن حبل الله واحد وليس لله حبال متعددة، لذلك نحن نحتاج إلى العزاء والتعويض وهدم كل الأفكار التي تدعو إلى الضعة والذل والمهانة أمام أذى الذين ارتَدَوْا لباس اللؤم فتجردوا من النزاهة والشرف، قال السموأل :

إذا المَرءُ لم يُدنَس من اللؤم عِرْضُهُ

فكل رداءٍ يرتديه جميلُ

عشنا معهم رحلة من العذاب طويلة فهل سيعتذرون إلى شعبهم وإلى الإنسانية كما اعتذر الشاعر الفرنسي فرنسوا فييون حين صرخ في قصيدته " يا إخوة الإنسانية " وهو في شدة الإنسان العظيمة قائلا : يا إخوة الإنسانية / يا من تعيشون بعد نا / لو أشفقتم علينا قليلاً / سيكون الله شاكرا لكم عفوكم عنا.

فأي عذاب ينتظرهم حين يُغْمَسون في النار فيُقال لهم هل رأيتم نعيما قط فيقولون لا !! وهل سنعفو نحن عن هؤلاء السياسيين حين يصرخون وهم يسقطون وليس لهم سبيل إلى حسن الثناء!  

                  

نُمسك بالنص روحا تتوق إلى حاكم يحب فضاءات الحرية الملتزمة بالحق، يسمو على نوازع الهوى، ويرتكز في حكمه على منهج مبدئي، إنساني، فلسفي، ليس لديه من الحثالة يتقاسمون معه الغنيمة .

يوم جرى ما جرى ..

لم يفِ السموأل بالعهد

فسلّم الأمانات لغير أهلها..!

إن لغة بتول البستاني ذات طابع ميتافيزيقي تتسع بأدواتها ومفرداتها ودلالاتها وصورها ومناجاتها حدّ الكشف عن الروح التي تدور في مدارات العتمة والألم، وتكشف لنا بلغة تنثر عبق تراثنا، وحضارتنا التي اتسم حكامها القدامى بالشجاعة والحكمة والسمو، نحن في العصر الحديث نعيش ضحية الأداة الفاسدة التي غمرتنا بإشكاليات العذاب، والإدارة القائمة على الخيانة الوطنية للذات التي تنساق للعمالة راكضة وراء منافعها الشخصية، الإدارة التي كشفت عن سوأتها وأنكرت توجيه مسؤوليتها إلى الغاية العليا في الوجود في عصر الظلاميين، الذي تكاثفت فيه الحروب والمكيدة والمؤامرات على وطننا العربي والعراق، وتبكي بكاء يرتكز على الماضي والذاتي من أجل تغيير الفرد والمجتمع تغييرا إيجابياً في النفس والحياة وتصحيح مسارنا نحو الأرقى وبناء الإنسان من خلال تذكيره بالمُثل والمبادئ والقيم التي ترتقي بشعبنا وأمتنا . تجلّت لغتها برموز ثرية تمجد تراثنا العراقي والعربي , وحضارتنا حضارة النور والفن التي تكاتفت المؤامرات على تشويهها وتزييفها بردائها الأسود ومحو هويتنا العربية الأصيلة، وتسعى الدبابات والصواريخ الأمريكية إلى أن تُلهينا عن غاية وجودنا، وتعيق مسيرتنا . إن بتول البستاني تتخذ من الكتابة والإبداع رغبة جامحة تكشف بها أمام العالم الحرب الساخنة التي تخوضها السياسة الأمريكية في تسخير أدواتها الحربية وعملائها من كل الأطراف للجريمة والنيل من حضارة العراق والإنسان العربي .

 

د. منال البستاني

................

• يوم جرى ما جرى، مرويات قصيرة جدا، بتول البستاني، الأردن،عمان، دار فضاءات، 2003 .
 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3250 المصادف: 2015-07-30 12:15:45