المثقف - قراءات نقدية

قراءة في ديوان فيض الأباريق للشاعر عبد العزيز أبي شيار

abdulaziz aboshyarنلتقي اليوم بمناسبة صدور هذا المولود الجديد فيض الأباريق رديفا لأخيه البكر أوتار النزيف

وبالمناسبة نهنئ الأخ الشاعر عبد العزيز أبوشيار وندعو له بالمد في العمر بألا يكون من أهل التهيام رواد الغواة بالشعر العربي.

لقد فاضت أباريق هذه الإضمامة فجاء فيضها ثلاثة وثلاثين نصا بين المقطعة ذات الست أبيات’ حلم عند السحرصفحة أربعة وذات السبعة ليل الغريب صفحة ستة عشر وبين القصيدة التي بلغت اثنين وأربعين بيتا’ أنفاس لأهماس صفحة أربعة عشر ’

وقد جاء أغلب هذه الأعمال على النمط العمودي ذي الشطرين عدا قصيدة واحدة جاءت على التفعيلة أو الشعر الحر جارة المرج ص تسعة

وأبادر فأقول لكل مقبل على هذا العمل إن صاحبه انتصر للبناء العمودي التراثي اختيارا وانحيازا مطلقا

إن استراتيجية الشعرية تروم الأصالة والماضي والتراث ’إنه يريد أن يبني على أساس السلف ’هذا إذن اختيار والتزام منه بكل وعي وعلينا تلقيه وتذوقه والتفاعل معه في حدود هذا الاختيار وحدود مقتضياته بوعي أيضا وبكل احترام لحقوقه في اختيار التعبير وأعتقد أن أهم ما ينبغي بيننا وبينه مما يشكل ميثاقا للقراءة هو ضبط حدود الالتزام بالمقتضيات الشعرية والأدبية لهذا النوع من الشعر لغة وأساليب وتخييلا وإيقاعا مع قدرة على الإبداع الشعري الجمالي الفني الفاعل

وإذ كان هذا اختياره على مستوى البناء ومستتبعاته فإن شاعريته لم تن تمتح من عوالم الشعر القديم المطبوع بسيماته في أغلب النصوص فيعبق كل قصيد بالعرف الطيب من جنى جنانه منذ الجاهلية وعبر العصر العباسي مرورا بالشعر الأندلسي وانتهاء إلى شعراء البعث والإحياء

ثم إننا واجدون جنب هذا روحا رومانسية يتصادى فيها شعر الشاعر مع عوالم جبران وأبي ماضي بوضوح فكل من يريد عوالم الرمز والغموض والمفارقات والأضداد والرؤى الفلسفية أو الصوفية مما تقوله الحدوس والمواجد لن يجد ضالته في ما يسيل من فيض الأباريق

        الموضوعات ’’ لقد توزعت موضوعات هذا الشعر وقضاياه على ما له علاقة بالذات الشاعرة المبدعة المعانية وما له علاقة بالطبيعة جمالا وبيئة ومرابع ثم ماله علاقة بالشعر نفسه كحالة ولغة وبالفن عامة لتنفتح أشرعة التجربة على الآفاق الواسعة ’ آفاق الوطن والقومية وبخاصة في هذا الزمن العربي الكسح ولم تكد تخرج تجارب أخرى في هذا الديوان عن السبح في هذه الأفلاك

        نخلص إلى مدارات الشعر في هذا الديوان كانت ثلاثة

        الأول مدار الذات ذات الشاعر المبدع الفاعل المنفعل الحالم المحب المعاني

        الثاني مدار الواقع الواقع المتكشف بوجوه مختلفة من الطبيعي والبيئي والاجتماعي والسياسي الوطني و القومي و الديني

        الثالث مدار الشعر والفن يقومان بين المدارين السابقين ,

أما مدار الذات فأنت واجد فيه ذاتا بين الذكرى والحلم *حلم عند السحر* تقف مفتخرة بكريم الخلق معتذرة بأصيل الشرف لأنها لا تبتغي إلا الذكر الجميل والثناء الحسن فتطالعنا من هذه العوالم روح السموأل ونفس عنترة ومن لف لفهما *يقول من بحر الوافر

وللخلق الكريم سبيل قصدي ***به شرفي مضيت له سريعا

أرى خلقا وقد ركعوا لخلق*** لغير الحق لا أنوى الركوعا

وهو لذلك عفيف في غزله شريف في نسيبه روحاني في عشقه

رأيت الله في كنه الجمال*** وأطلبه ليشملني بلطف

أما مدار الواقع فنجد الذات فيها مثيرها فيغدوان طرفي حالة وجودية تفاعلية إذ تجد الذات أغلب محدودات وعيها بوجودها في الواقع الموضوعي وفي الآخر كما يجد الواقع رجعه وصداه في انفعالات الذات وتفاعلها وأغلب مظاهر هذا الواقع تمثله الطبيعة من حيث هي بيئة ومن حيث هي طير وزهر وبر وحجر وسهل وجبل ومرج وعين وقد شكلت قصائد هذا المنحى أغلب ما في الديوان في نفس رؤمانسي مهجري معجما وصورة وخيالا في قصائده

* النهر المسجور

*حمام المغارة

*الجسر ذاكرتي

*جارة المرج

*عيون اللوز*الجلنار

*زهور المواجع

*بلبل

*أبواب الموج

*لا تشنقوا الزهور

*رقادة الحسن*

والذي كان عدلا لشعر الطبيعة هو مدار الشعر الوطني والقومي إذ ما يكاد يفيض الشاعر على جمرة حب الوطن الحارقة حتى يصطلي بنار واقع العرب الذي ينوء بالدسائس والخيانة وأحابيل الاعداء مما تعكسه قصائد

*رياح ثورة

        * في العين صورتها

        * بنت الريح

* ماذا دهى ؟

* جنابة الشيطان

تفاعل الذات مع واقعها يكاد يكون ثابتا ومشتركا لدى جميع الناس بنسب مختلفة في الوعي والعمق ولكن لدى الشاعر والفنان أي فنان عندما تنتقل العلاقة السابقة بين الذات ومرجعها الواقعي إلى مستوى التعبير الفني تكون قد انتقلت من المعيش إلى عالم الوعي الفني ومن الحقيقة الموضوعية الى التعبير الجمالي ومن الواقع الكائن إلى الفني الممكن الذي لا بد أن يكون مفارقا للواقع

هنا نجد أنفسنا في ديوان فيض الأباريق مع المدار الثالث مدار الشعر والفن القائم بين الذات وواقعها

فيتجلى ذلك الشعر عبر مظهرين ’

أ‌-       الشعر من حيث موضوع للشعر وللنظر وللنجوى وهذا خصص له الشاعر قصائد وأبياتا مثل

*قصيدتي *الجلنار وبعض من قصيدة * أنفاس لأهماس وقصيدة *فكوا عقال الوهم وغيرها

هنا يقدم الشاعر رؤيته للشعر وإحساسه به طبيعة ووظيفة حيث يصبح الشعر حالة وجودية يعيشها الشاعر بجنون وسهاد وأحلام طفل

يقول على بحر الكامل

*إني سمعت قصيدتي ونداءها ***كم لحظة عشت المنى أثناءها

ويشدني مثل الجنون وصالها***في خلوة لبس الصباح مساءها

كم أشتكي منها إليها لوعتي***وبلوت فيها داءها ودواءها

ب‌-     المظهر الثاني في مدار الشعر ’

فهو الشعر من حيث هو شكل تعبيري عن تفاعل الذات وواقعها هو هذا الديوان كله إذن كنمط للقول وقد سبق القول عن اختيار الشاعر الشعري بين بعث التراثي الأصيل والرومانسي

ويمكن رصد مظاهر ذلك في عجالة من خلال =

حضور كل من المعجم القديم وهو كثير =المسجور *المنون *اليم *الطل *الخبب* العاتي* دهاقا *براقا* سلافة *ريح السموم

بل إن معجم الأطلال والمقدمات الشعرية القديمة حاضرة *الطلل*البلى*أحجاره*الحنين*صبابة*ذكراك

هذا مقابل حضور معجم عهدناه لدى جبران وإيليا =*ريح العويل*جارة المرج الخصيب لمن يصفق جدولي

ويمكن رصدها عبر مظاهر المعارضة كما في نص النهر المسجور ورقادة الحسن إذ جاء الأول معارضا لأبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس والثاني للجواهري هذا فضلا عن بعض مظاهر التضمينالتي جاءت في طي النصوص فأنت واجد صورة امرئ القيس مع ليله وقد شد الليل بحبل من أسى والمتنبي في *لا تحسبوا رقصي بينكم طربا **أو صورة أرملة الرصافي وصورة جند طارق بن زياد وصورة الزهرة الأسيرة لإيليا أبي ماضي

هذه كلها مظاهر جعلت مجال التناص كبيرا بين الديوان والتراث الشعري في ضرب فني من الاستيحاء والتحاور فهل كان بالإمكان أن ينتج هذا التناص تفاعلا قصد التجاوز والحوار الفاعل والبنائي للرؤية الجديدة المتحررة ؟؟

تبقى البنية الإيقاعية هي التي شهدت على الإخلاص للنموذج القديم إذ أثبت فيها الإيقاع الخارجي ونظام القافية ما هو أصيل كالبسيط والوافر ومجزوء الكامل والمتقارب والرمل وقصيدة التفعيلة

 

للباحث ذ. بنعبد الله عبد الحميد

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3275 المصادف: 2015-08-24 00:10:39