المثقف - قراءات نقدية

بين أوجاع السـياب واوجاع العراق حب صوفي

raed jabarkhadomبعد نصف قرن من وفاة شاعر العراق الكبير بدر شاكر السياب (26/12/1964)، نحاول ان نسلط الضوء على موضوع الوطن في شعر السياب، العراق الذي كان موضوعاً كبيراً في اشعار السياب، وكيف لا يذكره وهو يعيش فيه ومعه ولاجله، العراق الذي ظل حاضراً في ذاكرته ودمه وانفاسه ليل نهار، واحب السياب كل شبر من العراق وهام فيه، بنخله ومائه وهوائه، بل احب فيه حتى الظلام لانه يحتضن العراق، فيردد في غربته على الخليج مشتاقاً لارض الوطن:

الشمس اجمل في بلادي من سواها،

 والظلام - حتى الظلام - هناك اجمل،

 فهو يحتضن العراق

 

بل بلغ فيه الوجد الصوفي ان لا يرى سوى حبيبه الذي ذاب فيه حد الفناء، العراق الذي كان الحب الاول والاخير للشاعر، وكأنه حلاج ومسيح المظلومين والمعذبين، يشنق على اعواد النخيل لانه يردد (انا العراق) بدلاً من قول الحلاج (انا الحق)، وكأني بالسياب يخاطب العراق:

أنا من اهوى ومن اهوى انا       نحن روحان حللنا بدنا

فإذا ابصرتني ابصرته             واذا ابصرته ابصرتنا

 

وتتجسد وحدة الوجود الروحية الصوفية بين السياب والعراق في قوله:

 

صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى: عراق،

كالمد يصعد كالسحابة، كالدموع الى العيون

الريح تصرخ بي: عراق،

والموج يعول بي: عراق، عراق،

ليس سوى عراق!

 

هذا الفناء في الحبيب جعله يفقد كل شيء: الاهل، المال، الوظيفة، الوطن، ولكنه فقد وباع كل شيء من اجل ان يبقى العراق حياً وخالداً لا يموت، العراق الذي ظل حلما وحقيقة واملاً حاضراً وعالقاً في ذاكرة ووجدان السياب الى آخر لحظة من حياته.

يردد السياب بألم وحرقة وعذاب من خارج الوطن:

واحسرتاه.. فلن اعود الى العراق!

وهل يعود من كان تعوزه النقود؟ وكيف تدخر النقود

وانت تاكل إذ تجوع؟ وانت تنفق ما يجود

به الكرام، على الطعام؟

فما لديك سوى الدموع

وسوى انتظارك، دون جدوى، للرياح وللقلوع!

 

إن البكاء والكلمات هي المتنفس الوحيد الذي بقى للشاعر للتعبير عن عذاباته وعذابات الوطن الجريح على مر العصور، والمستباح على مر التاريخ من قبل اعدائه الحاقدين، الذين يكنون له البغض والكراهية، لا لشيء الا لأنه ارض الرسالات والحضارات والابداع، هذه الارض التي انجبت العلوم والفنون والآداب وكل ما انزله الله تعالى على عباده. وكأني بالسياب وهو يخاطب ابنه غيلان من غربته في قصيدته (اسمعه يبكي)، يخاطب الوطن:

 

اسمعه يبكي، يناديني

في ليلي المستوحد القارس،

يدعو: (ابي كيف تخليني وحدي بلا حارس؟)

غيلان، لم اهجرك عن قصد..

الداء، يا غيلان، اقصاني..

 

نعم يا عراق، يا بلدي الحبيب، يا دنيا الله وزينته لم اهجرك عن قصد.. الداء يا وطني عنك اقصاني.

ويبقى العراق التيه الجميل والفناء الوحيد الذي لا يمل منه السياب، لان كل شيء فيه انما هو من العراق، قلبه وجسده وروحه وكل ما يملك، ويتجسد ذلك في قوله:

 

فيا ألق النهار

اغمر بعسجدك العراق، فأن من طين العراق

جسدي ومن ماء العراق

 

ونجد البعد الصوفي في قمته عند السياب متجسدا في سفره الخالد الرائع الحي الذي لا يموت (سفر ايوب) الذي اسميه (سفر الوطن) او (سفر المحب والحبيب) او (سفر الفراق والتلاق) او (سفر الصوفي المتأله) او ما شئت من اسماء. هذا السفر الجليل الذي نجد فيه وحدة الاوجاع ما بين السياب والعراق، وكأن اوجاع السياب اوجاع العراق، واوجاع العراق اوجاع السياب، وكأني بالعراق وهو يمر بالازمات المتفاقمة، وتفاقم الازمات يردد مخاطباً الاله كلما اشتدت ريح الارهاب واعاصير الدمار والخراب عليه:

 

لك الحمد مهما استطال البلاء

ومهما استبد الالم،

لك الحمد، ان الرزايا عطاء

وان المصيبات بعض الكرم.

 

يا وطني شلت يد الارهاب والمجرمين واعداء الانسان والانسانية والوطن، اشباه الرجال والمخنثين، الذين يريدوا ان يمكروا بك، وان يجعلوا منك ظلاماً دامساً، وانت الذي غمرت بنورك كل الارض، وكنت بلسماً لجراح الكثيرين من البشر، وكنت رغيف خبز للجائعين، ومأوى للمشردين، وبيت راحة للمتعبين، أأنت الذي يحل بك كل هذا الدمار وهذا الخراب وهذا الضجر؟!

هيهات يا وطني ان تكون كما يريدون ، انت كما انت مهما طالتك الايادي الآثمة، آية وجنة ومناراً وحضارة لكل الانسانية ولجميع المحبين، رغم انف كل الحاقدين والحاسدين، وما يجري عليك يا وطني انما هو زوبعة في فنجان، وسيأتي اليوم الذي تزول فيه هذه الغمة عن وجهك الكريم. وكأني بالعراق وهو يعيش محنته يخاطب الاله كلما اشتد عليه العذاب والالم كما خاطب السياب الاله في محنته:

 

شهور طوال وهذى الجراح..

تمزق جنبي مثل المدى..

ولا يهدأ الداء عند الصباح

ولا يمسح الليل اوجاعه بالردى:

ولكن ايوب ان صاح صاح:

لك الحمد ان الرزايا ندى،

وان الجراح هدايا الحبيب

اضم الى الصدر باقاتها،

هداياك في خافقي لا تغيب

هداياك مقبولة هاتها

 

يا ابو غيلان لقد كانت اوجاعك بحق اوجاع العراق، واوجاع العراق اوجاعك، وكنت طوال حياتك تضمد هذى الجراح، عسى العراق ان يضمد اوجاعك، لقد كانت قصائدك بلسماً لجراح الوطن، وكانت كلماتك دواء له من كل داء، لقد ادهشتني نبوءتك بوصف حال العراق واوجاعه وهمومه واحزانه الابدية، حين قلت في قصيدتك (انشودة المطر):

 

وكل عام - حين يعشب الثرى – نجوع

ما مر عام والعراق ليس فيه جوع

مطر

مطر

مطر

ولكن لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، وسيثمر العراق بعد جدب، وسيشبع بعد جوع، وسيفرح بعد اتراحه الموجعة، فكل ما يحل به انما هو اختبار وامتحان له، ولا يظن اهل السوء والكراهية ان حاله يدوم الى ما لا نهاية، وهنا نجد تلازم اوجاع العراق والسياب معاً في تعبير السياب عن معاناته واوجاعه مع المرض، في جواب ايماني كبير يخرس كل الافواه النتنة : 

 

قالوا لأيوب: جفاك الاله

فقال: لا يجفو

من شد بالايمان، لا قبضتاه

ترخى ولا اجفانه تغفو

قالوا له: والداء من ذا رماه

في جسمك الواهي ومن ثبته؟

قال: هو التكفير عما جناه

قابيل والشاري سدى جنته

 

هيهات هيهات ان تغيب عين الله وحراسته ورحمته عن العراق، ولكن هو الابتلاء، فنحن اكثر اهل الارض ابتلاء، وسنجزى عن ذلك اعظم الجزاء، عاجلاً ام آجلاً، وعسى ان يكون عاجلا بأذن الله.

ومهما بلغت الريح بأرض الرافدين، ومهما اشتد الجوع والمرض والالم، ومهما بلغ العذاب والارهاب، ومهما ابتعدنا عنك يا وطني لا نجد غيرك وطناً، اماً واباً نعيش في احضانه، نرضع من مائه، وننام على تربه، ونشم هواءه، وكما قال السياب فيك، نردد الى ما لا نهاية قوله:

 

يا ارج الجنة، يا اخوة، يا رفاق

الحسن البصري جاب ارض واق واق

فما رأى احسن عيشاً منه في العراق.

 

د.رائد جبار كاظم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3398 المصادف: 2015-12-25 01:38:39