المثقف - قراءات نقدية

الشاعرة نور طلال نصرة وعلاقة الرمز الطهور بالاخر

wejdan abdulazizحينما بدأت اتابع الشاعرة نور طلال نصرة في قراءة متمعنة لاشعارها الاخيرة، وجدتها تعمد الى الرمزية والصور المتقابلة، وهذه دلالة على معاني تتخفى بين اسطرها، وكما نعرف فان الشعر والحديث منه ايضا يحفل بالرمز هروبا من الواقع المفروض وتحليقا في عوالم الجمال، فالرمز هو بحث في ما وراء النص عن شيء اخر، أي معنى خفى وإيحاء، ويمثل اللغة التى تبدأ حين تنتهى لغة القصيدة، والرمزية اخذت ابعادا حتى تحولت الى مدرسة تتسم بميزات خاصة، وتتكيء على لغة تحيد عن معناها العادي، لتصبح اللغة فى مثل هذا النوع من الشعر، هى الإشارة، بمعنى الدلالة، لذا فهذا النوع الجديد من الشعر ومن هذا المنظور، يصبح فنا يجعل اللغة تقول ما لم تتعود أن تقوله .. (فالرمز كا أعتقد لا يعنى إحلال شئ مكان آخر، أو استبداله حتى وإن تشابها فى كل أو بعض الصفات، فالغرض من الرمز فى المقام الأول، هو تكريس فلسفة الفن الشعرى وتفرد لغته، بعيدا عن المباشرة والوضوح، لخلق عالم مغاير تستخدم فيه أدوات توصيل غير تلك المعروفة، هذا من ناحية ذات الشاعر كشاعر ورغبته فى ممارسة غير المألوف، ومن ناحية أخرى، قد تكون هناك أسباب مادية ومحسوسة فى موضوعيتها، تمنع وأيضا، بطريقة مباشرة من قدرة الشاعر على إيصال ما يريد عن طريق التعبير الشعرى العادى، وهى عديدة ومعروفة ايضا، سواء كانت ناتجة عن منع سلبى خارجى أو تمنع إيجابى داخلى)، ومن هنا كرست الشاعرة نصرة فلسفة رؤيتها الرافضة من خلال الرمز، وكان جل اهتمامها بالاخر الذي تظن انه هو القادر على تقاسمها معنى الحياة، لذا قدمت بوحها له علنا بقولها :

 

(اهتمامي بكَ يجعلني أنثى أخرى

أنثى من نوعٍ آخرَ

شرقيةً.. لا عصرية

لم تكن لتبالي يوماً

بحديثِ أمها أو جدتها

عن الحبلِ السريّ

بين القلبِ والمعدةِ

ولم تلجأ حينها

إلى وصفات الحبِّ الإيروسية)

 

وتظهر طهارة علاقتها بالاخر، انها لاتلجأ إلى وصفات الحبِّ الإيروسية، (وإن كانت الكتابة الايروسية تختص بالكتابة عن الجنس، إلا إنها تسعى إلى رفض النظرة الدونية الجنسية التي كانت تشيعها الثقافة الذكورية الرسمية، أو البطريركية الذكورية، لذلك كانت سلاح بيد المرأة لمحاربة التسلط النصوصي ألذكوري، وإعادة الاعتبار لها كمشارك في الرغبة الجنسية واللذة والفعل الذي يؤسس الخطاب الأيروسي. وهذا لا يعني بأن هذه الكتابة مختصة بجنس النساء فقط، وإنما هناك أيضا ذكور يمارسون الكتابة الايروسية، بيد إن اهتمامنا هنا سينصب على قدرة المرأة على تمثل جسدها، واكتشاف نصوصيته، والتي طمست تحت أحجبة نصوصية متزمتة، ومدى فشل الكتابة النسوية العربية على تبني هذا المفهوم الكتابي بصورته الحقيقية.) كما يقول الناقد امجد نجم الزيدي، وبالتالي فان الشاعرة نصرة ارادت ابراز الجمالية التي تتحكم في العلاقة بينها وبين الاخر من خلال الرمزية صعودا لاظهار تجليات الحقيقة الحياتية، ولذا لجأت لاشياء المطبخ، كون هذه الاشياء علامة من علامات الحضور وقارنت بين نصل السكين كحقيقة محسوسة، ونصل الالم كحقيقة تتخفى بين مشاعر الغياب، فهي تقول:

 

(أعِدُّ الطعامَ بشهيةٍ أكثر

أدخلُ المطبخَ لأولِ مرةٍ

هناكَ سكاكينٌ كثيرةٌ..

لم أعتد عليها بعد

ألمسُ نصلَها بخفة..

أتساءلُ بطيب نيةٍ

هل لجرحها ذاتُ الألمِ.. ألمك

إن شردَ ذهني بعيداً

أم تراني سأبتلعُ نصلَ السكين

على الحدين سواء)

 

وصور الشاعرة نصرة جعلتنا ندرك عمق تجربتها في معاناة واقع الحياة هروبا نحو خلق عوالم اخرى تحاول التوازن بين الفن والتجربة .. يقول الناقد محمود الربيعي عن الصورة: (انها عملية فنية مركبة يشحذ فيها الشاعر كل طاقاته من ذهنية ونفسية وتعبيرية، ثم يستخدم هذه الطاقات في تقديم صورة فنية لمشاعره الثابتة المتركزة حول موضوع معين، وهذه الصورة نتيجة تأمل عميق وليست نتيجة لفورة احساس مؤقت)، "في نقد الشعرص95" .. اذن ثابت الشاعرة هو الرفض ومتحركها شحذ اللغة في صور مغايرة متحركة، لاجل اجتذاب ذهنية المتلقي وزجه في عوالم الرفض، فـ(الرمزية بصفتها اتجاهاً فنياً برزت في الإبداع الشعري المعاصر ترتقي فوق موجودات الظواهر المادية المتناثرة في العالم الواقعي إلى مدارك الآمال والأحلام المنشودة في العالم المثالي، مستنجدة بالرمز بصفتها آصرة له تربط بين هذين العالمين، لتنتشل الأحاسيس الغائرة التي تألف التشابه النفسي بين الأشياء وتنسج على منوالها وتوقها المستمر للكشف عن الروابط المستترة خلف الظواهر المادية، وذلك عن طريق مقدرة بثية ورؤية خاصة يتبناها الشاعر الرامز فيجعل من خلالها الرمز قائماً مقام المرموز إليه حاضرا فيه بمس إبداعي شفيف لا تتسلل إليه الصور الفجّة، أو الاستعارات الساذجة، أو العبارات الهلامية المستعلية، وهذا ما انتبه إليه (أوستن وارين- ورينيه ويليك) صاحبا كتاب نظرية الأدب، عندما قالا. (إن الرمز موضوع يشير إلى موضوع آخر لكن فيه ما يؤهله لأن يتطلب الانتباه -أيضاً- لذاته بصفته شيئاً معروضاً،). واستمرت نصرة في تقابل الصور، ففي قولها:

 

(أتذوقُ نكهةَ الطعامِ

ولا أُكثرُ من البهار.. لعلك لا تحبهُ

وأفكّرُ ببعض الفلفلِ الحار..

 حاراً سيكونُ لقاؤنا

لا أريدُ لهذه التوابلَ

 أن تأخذَ حيزاً من مذاق شفتيك..)

 

وقابلت بين صورة الفلفل الحار وحرارة اللقاء، ليكون مذاق الحب هو كمذاق الطعام، وتقريب الحسي لما هو غير حسي، وبالتالي خلق انفعال وقلق موجب للبحث عن حقيقة العلاقة الوجودية بين الشاعرة والاخر .. تقول الشاعرة نصرة: (أتجوّلُ في أركان المنزل/أرتّبُ زواياه.. وأفكاري.. بنفس الأناقةِ/كي لا تكتشفَ حدّ الخمولِ الذي يصيبني/ظهري المسند إلى الحائطِ الباردِ/يرتعشُ من فرط الذكرياتِ المصدّعة/كشقوقِ كهفٍ مهجورٍ في الجرد العالي)، وهنا الفت النظر الى اركان المنزل، كأشياء مرئية، والافكار كأشياء لامرئية، هذا التقابل يبين ميزة المرأة الشرقية في رؤية الشاعرة، انها تلتزم بمفردات الحياة اليومية، غير انها تحمل افكارا لاكتشاف كنه الحقيقة وكنه الحياة التي لاتكتفي بالاكل والشرب، انما تضع هما فلسفيا وجوديا ...

نور طلال نصرة: يوميات امرأة شرقية

 

وجدان عبدالعزيز

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3399 المصادف: 2015-12-25 23:55:31