المثقف - قراءات نقدية

الشوق الوجيع والشعر الوسيع.. قراءة في نص للشاعرة فاطمة نزال

موجع هذا الشوق

وبيتك على قيد خطوة

طرقت دقات قلبي بابك

وعادت إلى خيبتها أصابعي...

هذا نص قليل اللفظ، كثير المعنى واسعه، ضارب في الشعر، وضارب في عمق الذات.. كُتب بعقل، فجاء أثرا ووسما لمنطق تتماهى فيه أبنية اللغة وأبنية النفس تحس وتدرك وترى، فتقول ذاتها، لتأتي اللغة وقد أُعيد قدّها معجما ودلالة وتركيبا وتخييلا...وحين نقرأ هذا النص "الطويل" نرى كم هو الشعر "سهل" وكم هي شروطه "عسيرة"... وكلما أوجع الشوق، أوسع الشعر وجاد ولان...

 

موجع هذا الشوق:

البنية الخبرية الوصفية مثبتة لحال تبدو موسومة بوقوع الواصفة (هكذا يبدو لنا يسيرا أن نقول، ولكن المسألة أعقد مما نتصور...) تحت أثر فعل قاهر وإن لم يعيّن الخطاب المفعول، وأثبت الفاعلية في البنية اللفظية (موجع) فجاءت الحال متعالية عن الحدثية أو الحاليّة المتحيّزة أو الطارئة المحدودة في الزمان..هو الوجع المتعالي عن عابر الأوجاع، الغائر في الأعماق، الدائم فعلا وأثرا..ولذلك تصدرت الصفة /الخبرُ الخبرَ، وكانت، أي الصفة، مدار القول وجوهر الرسالة، فبرزت الذات (ذات ما..) كيانا موجوعا وجعا مطلقا، بارزا معلوما، مجهولا، خاصا وعامّا، موسوما بالفرادة..وفي اختيار التقديم والتأخير لبنية العبارة وظيفة تعبيرية مفتوحة على شتى المواقف، من الضيق والشكوى والضراعة والضعف والأسى وغير ذلك مما يعتمل في النفس مادام للفعل أثره المتطاول..

• وحتى ينفتح القول على ما ترشحه له بنيته التركيبية الإعرابية والدلالية من معان، نراه بؤرة لأصوات متعاملة متفاعلة متصادية، أوّلها صوت المتكلمة ذاتا ناطقة بما تخبر به، ولا نعلم أتخبر عن نفسها أم عن غيرها، وليس في بنية القول من المشيرات الذاتية ما يصل بين القول والقائلة سوى وظيفة التلفظ إنجازا للقول.. ولا يجوز الوصل بين التجربة الموصوفة والذات الواصفة إلا من حيث أن الحال الموصوفة داخليّة ، أي ممّا يعتمل في الباطن ولا يصفه إلا من يعلمه ويحياه..ولئن جاز الحديث عن الذاتية في القول، اعتبرنا الشوق شوق المتكلمة والوجع وجعها، ولنا في الإشارة ما يدعم هذا الفهم، فليس الشوق مما يتحيز ويُرى عيانا فيشار إليه، وإنما هو حال خاصة ..جدا.. إلا إذا سُمع خبرا، فحُكي قولا واصفا.

• وفي بنية اسم الفاعل (موجع) ما يكشف عن دلالة زمانية مركبة جامعة بين الفعلية (أوجع يوجع) والاسمية ( بنية اسم الفاعل) الناقلة للفعل من حيّز الانقضاء إلى حيز الديمومة والامتداد..وهذا ما يميز موضوع الوصف عما سواه مما يلتبس به..

• ولئن كان "هذا الشوق" جديرا بالوصف فلأنه غير معهود، وغيره من الأشواق لا وجع يقترن بها، أو كان وجعها على غير "هذا" الوجه وهذه الدرجة من الشدة.. ولذلك أخبرت المتكلمة عما رأته جديرا بالإخبار عنه، وما كانت لتفعل لولا هذه الخصوصيّة..خصوصية الوجع..

• لنا أن نعتبر الصفة (موجع) مستعملة استعمالا استعاريا استجلابا لمجال حسيّ

(الوجع ألم عضويّ في الأصل الدلالي) لغاية تعبيرية تصويرية متصلة بمجال غير حسي، أي وجداني باطنيّ قلبيّ..والشوق يقوم مقام العضو يوجع كالرأس والبطن.. وهو أيضا موجع كالضرب المبرّح..فيتوجّع المشتاق ويتلوى ويشكو ويتضور ويتقلّب ألما..وليس من سبيل للتصوير غير الحسّيّة، تقريبا لما يبعُد ويستعصي ويغمض، ولا يجلو على وجهه البيّن..

• فعل الوجع وأثره مردودان إلى فاعلية متضمنة في المسند إليه، الحاضر خطابيا في المركب الإشاري (هذا الشوق) المعرف بالشوق تعريفا مزدوجا. بيد أن اسم الإشارة تلتبس إشاريته وإشارته ، فيكون في تعالق تركيبي بالمشار إليه القريب الجديد المختلف عما عداه من الأشواق..وكأن الذات الواصفة تنكره وتميزه وتكشف عتيّه وأذاه وسطوته وأساه وشدته و...فهو الشوق ولا أي شوق من تلك الأشواق التي قد هزت الكيان بلا وجع، أو ما بلغت به المبلغ الذي تدركه الذات وتحياه..فتصفه وقد ضاقت النفس وألمت وتاقت وأنّت ووقعت متوجّعة شاكية معلولة..وفي الإشارية ترهين للقول وتنزيل له في المكان والزمان، وإن كان "هذا" الذي يشار إليه بهذا لا نراه ولا نعلمه ولا ندركه كما تدركه المتكلمة وتشير إليه وتريدنا أن ندرك بعض ما أدركت.

 

وبيتك على قيد خطوة

التركيب الثاني مفتوح على وجوه من التّعالق مع الأول: فلك أن تراه متمّما إن اعتبرته مركبا بواو الحال لا تركيبا "مستقلاّ"، ولك أن تراه مستأنفا به الخطاب، ناشرا الوصف، خارجا به من الداخل إلى الخارج، مفسّرا "هذا الشوق" مبرزا للمفارقة، إذ الشوق في عرف الحب موصول بالانفصال والتباين وامتداد المسافات ونأي الديار، وهذا الشوق موصول بالتصاقب والتداني.. وعن هذا التوتّر تنبثق شعرية القول، وتتفاعل الوحدات المعجمية وقد توزّعت على غير المحور التوزيعي المتوقع والمألوف، فكسرت الشاعرة منطق التّآلف المعجمي الدّلاليّ، ونشأ من المعاني ما لا سبيل إليه إلا بردّ الأقوال بعضها على بعض، فإذا هي متعاظلة متواشجة متّصلة منتظمة، لا معنى لها إلا في اتصالها وتمفصلها وائتلافها المستحدث المفاجئ الطريف المتولّد من توليف خطابيّ، هو من مقومات الشعر والشعريّة..

• ويعنينا من هذا التوتر المعجميّ أن نرى فعلا شعريّا دلاليّا نعدّه مركزيّا، ألا وهو إعادة إنتاج المفاهيم العشقيّة عند الشاعرة. فهي ترى أنّ أوجع الأشواق أكملها ، في علاقة تبدو عجيبة واقعة خارج أطر التواصل العشقي التقليدي، فهي تلمس شوقا لا تفسره المسافة، فلا تشكو فراقا ولا غيابا، بل تثبت تدانيا وحضورا، ولا تتوق إلى وصل لأن المخاطب المحبوب ماثل في "بيت" قريب مجاور، لعلّه القلب...وما التقطت الشاعرة هذه الصورة التي توحي بالقرب بل بمنتهى القرب إلى حد انتفاء المسافة إلا لإبراز المفارقة وحدة التوتر بين أشد الشوق ومنتهى القرب، وبين التواصل الدائم والحاجة إلى وصل لا يمكن، أو تتوق إليه النفس ولا تبلغه..َ

• ومن خلال هذه العلاقة الحجاجية التي تنشئها الواو (كيفما كان فهمنا إياها) بين الوحدتين تتكاثف العناصر الإحالية، أي ذات القيمة المرجعية، من مكان ومسافة وهويّات.. فيظهر مخاطب يعرّف أو يوصف بالتحييز المكاني المزدوج (بيتك/ على قيد خطوة..) وتبدو هذه الذات الثانية متعلقا للشوق.. ومنه وإليه المشتكى..القريب مسكنه، البعيد مزاره ومناله..وفي التقدير الإيحائي للمسافة الفاصلة (قيد خطوة) ما يعمّق الشوق إلى وصل مستعص بل مستحيل.. ولنا في التلازم المطّرد بين تقلص المسافة إلى حد الانتفاء واحتدام الشوق وارتفاع درجة الوجع، ما يمكن عدّه وجها من وجوه شعرية هذا النص العالية..

• هكذا تؤلّف الشاعرة بين وحدات القول الشعريّ تأليفا نظميّا صارما منتجا غزيرا إيحاؤه، طريفا مداه، من حيث أنه يفتح أفقا قرائيّا عريضا عاليا متعدّد الاتجاهات.. فهي منطلقة من حال عشقية موسومة بالصّمت والانقطاع والانفصال والألم من جهة، وبانتفاء موانع الاتصال والتواصل من جهة مقابلة..فتبدو الذات قاصرة حائرة صامتة راغبة متهيّبة وجْلى متردّدة خائفة.. وربما ملأى بهذه الحال العشقية العجيبة الرهيبة التي يكون فيها المعشوق قريبا بعيدا، يسكننا وكأنه منّا، بل هو منّا، وينأى مستحيلا أو مقدّسا متعاليا لا نملك إلا أن نشتاق إليه ولا نبلغه أبدا..

• الوحدتان الأولى والثانية لنا أن نعدّهما وحدة واحدة في اتصال مكوّنيْها من جهة الترابط المنطقي الدلالي، وفي انسجام بنيتيهما التركيبية (الاسمية/الخبرية/الوصفية)

وتصل بينهما الواو عاقدة اقترانا، هو مولّد المعنى المركزي والمنتشر في مختلف مكونات القول..ولك أن تقرأ العلاقة في هذا البعد بتقليب القول على وجوه من الاتصال السببي الضمني:

*موجع هذا الشوق لأن بيتك على قيد خطوة

*لو لم يكن بيتك على قيد خطوة لما كان الشوق على هذه الصورة أو بهذه الدرجة من الوجع

*لو كنت أبعد لكان الشوق أقل وجعا أو لكان بصفة أخرى غير هذه.

*لو انتفى القرب ربما انتفى الشوق أو خف وجعه...

• الطريف في بناء هذا النص هو تناميه وفق منطق تفسيري تتلازم به الأقوال وتنفتح بينها مسالك للمعنى فتتكامل وتتفاعل، فلا تعني منفردة منفصلة بل متصلا بعضها ببعض..

ومثلما تتصل الوحدتان الأولى بالواو، تتصل الوحدتان الثالثة والرابعة بواو أخرى، إلا أنها مختلفة بمعناها ووظيفتها، ومماثلة للأولى في إيقاعها ووسمها النص بالتوازي والانتظام..

• يتطور الخطاب من الخبرية الاسمية إلى الخبرية الفعلية :

   طرقت دقات قلبي بابك..

وعادت إلى خيبتها أصابعي...

وهو تطور سببي في وجه من وجوهه، أي أنه تصوير لخروج من حال أو بدفع من هذه الحال، من أجل تجاوزها باعتبارها " أزمة" شوق ورغبة في التخفف من الوجع، بتحقيق الوصل الشافي المنشود.. ولذلك يكون الخروج ويكون الفعل.. وهو هنا فعل اتصالي:

...طرقت دقات قلبي بابك

تعمد فيه الشاعرة إلى عمل معجمي توزيعي في منتهى الدقة، فتتولد العبارة عن العبارة توليدا تضمنيا (البيت والباب)وتنشأ علاقة استبدال بين الفعل والأثر من خلال "التشابه" بين صوت الطرق وصوت الخفقان..وفي هذا التمثيل الضمني نشاط تخيّلي تخييليّ خلاّق لشتى الإيحاءات والصور الواصلة بين مجالي الداخل(القلب) والخارج أو ما يبدو خارجا (باب بيتك أو باب قلبك..) ولا يمكن أن يكون التواصل بهذه الصورة إلا صدرا لصدر وقلبا لقلب، ليكون النبض الرسالة والشفرة والدلالة المنطوق بها على وجه قلبيّ خاصّ وسرّيّ، خارج منظومات التواصل الأخرى..

• بيد أنّ هذه الوحدة الثالثة لا اكتمال لمعناها إلا في اتصالها بالرابعة، مثلما اتصلت الأولى بالثانية :

وعادت إلى خيبتها أصابعي..

فتكتمل أولا الدورة الحدثيّة بالفشل في المسعى الاتصالي بموضوع الرغبة، وتتجلى العلاقة التعاقبية السببيّة بين القولين ممّا يمكن تفصيل القول فيه والذهاب مذاهب شتى في تأويل المعنى وبيان المقاصد.. إلا أنّ اللاّفت هنا هو هذه الصلة الجديدة التي تعقدها الشاعرة بين الحس والوجدان، من خلال هذا "اللّعب" المعجمي الدلاليّ الاستبدالي والتماثليّ بين حركة القلب (الخفقان) وحركة اليد أو الأصابع (الطرق)..فيد المتكلمة هي قلبها ..وإن شئت فقل إنّ قلبها في يدها ونبضها في أناملها، في وحدة وانصهار بين مكونات كيانها الواحد العاشق المشتاق الموجوع..

وفي الاستعاضة عن الاتصال الحسيّ بالاتصال القلبيّ بؤرة دلاليّة مهمّة يمكن أن نمتاح منها معاني غزارا، بعضها نفسيّ (القصور عن الاتصال الحق؟؟) وبعضها روحي (المقام العشقي القلبي الرفيع..)

• وتبدو هذه الحركة ارتدادية آيلة إلى مآل "قديم" مألوف بالعودة إلى "الخيبة" التي كانت دافعا وكانت مصيرا..ولئن بدت خيبة متواترة التحقق، فهي خيبة الاندفاع المتجدد نشدانا لاتصال لا تُقعد الخيبة في تحقيقه عن تجديد المسعي إليه..

ولِم لا نعدّ هذه الخيبة العشقة شرطا للامتلاء شوقا ووجعا ؟؟ فتكون البهجة في الخيبة والنشوة في الوجع، ويكون معنى الوجود في "هذا الشوق" لا في غيره من مألوف الأشواق..

 

الحبيب سالم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3414 المصادف: 2016-01-10 01:09:39