المثقف - قراءات نقدية

تحولات الذات في قصائد بارقة ابوالشون

wejdan abdulazizكنت اصارع يومي، باجتراح اقتراحات ضمها صباحي حتى اطلقها في ايوان عصافيري، فتبلل الفكر وتسرب القلق ولاحت غيوم تنذر بمطر جديد، قد تنشرح له ذاتي .. (وقلبي الفاتر /يسمع نبأ خفيا عن القصي البعيد /انا ادري : انه حي، وانه يتنفس /ويجرؤ ان يكون غير حزين)، ثم اتسمع صوتا نائي اخر يهمس بهدوء: (مالي، اجيء اليك وانا لااعرف كنهك / اصغي اليك وانت تكلمني بلغة غير ابجديتي / مابالك تبعثرني ولااجدني إلا عالقة في ضباب سطوتك)، وهكذا يندمج كل شيء من اشياء المحيط، غير انها تفترق بعض اشيائه، لتناغم ذات تحاول ان تتميز نوعا ما، الا وهي ذات الشاعرة بارقة ابوالشون، وانا استغرق في احدى قصائد ديوانها الجديد (تأخرت كثيرا أيها المطر)، لتكون عتبة العنونة تبث بهدوء متناغم مع ذاتها القلقة، يقول الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد: (تنتمي الذات الشاعرة الى شخصية الشاعر وتسعى في الوقت نفسه الى الانفصال عنه في لعبة شعرية اشكالية، يسهم فيها الوعي الشعري والرؤية الشعرية والشكل الشعري على صعيد فضاء الداخل الشعري، كما ان الخارج الشعري بتنويعاته المختلفة هو الاخر يسعى ما امكنه ذلك الى التدخل في توجيه اللعبة ومباركتها)، لنجد الشاعرة في صراع السعي، للبوح عن امكانية الوصول الى حقيقة الحياة، فالحياة تستمد وجودها من المطر، مردد:

 

(انا الملأى

من فيض يقيني

الساكنة قرب الفجر)

 

وها اني احاول ان اقرأ النص، اقرأه ليس بمعزل عن انساقه مجتمعة (وإذا كان النص هو غاية الغايات عند النقد الأدبي - خصوصا في مراحله الشكلانية الأخيرة كالبنيوية والتفكيك - فإن النقد الثقافي ينظر إلى النص كمادة خام، بحيث لا يُنظر إليه بمعزل عن الظواهر الأخرى ولا يُقرأ لذاته أو لجمالياته فقط، بل يعامل النص بوصفه حامل نسق، وهذا النسق هو الذي يبتغي النقد الثقافي كشفه متوسلاً بالنص في سبيل هذا الكشف. فالنص مجرد وسيلة لاكتشاف حيل الثقافة في تمرير أنساقها. وهذه نقلة نوعية في مهمة العملية النقدية، حيث الأنساق هي المراد الوقوف عليها وليس النصوص. وبمعنى آخر فإن النقد الثقافي يستخدم أدواته للغوص في لاوعي النص، من أجل الكشف عن المسكوت عنه من الإشكالات الأيديولوجية وأنساق التمثيل وكل ما يمكن تجريده من النص.)، وهنا اجد الشاعرة ابوالشون تضعني وجها لوجه امام نسق ذاتها المنقادة له بتحولات، والتي تحاول فك قيودها في آن معا كما في قولها:

 

(مالي اراك زادي وزوادة حقائبي

وتراني طينا يراكمه سنين تعبك

ما بالها تغزل خطى الزمن ديوان شعر

وتخيط لك الحكايا بالف ليلة

وانت تلف سيفك المباح على خاصرة

صبحها وهما

وتاخذ انت كل فجر قربانا

وتعتلي المنبر

مهاجرا لمدن الشرائع والحكايا)

 

إذن (فالشعر ـ ببساطةـ هو حوار الأنا مع العالم .. هو شكوك الذات وتطلعاتها إزاء الواقع محمولة ـ هذه الشكوك والتطلعات ـ عبر نسيج لغوي نسميه النص، فالنص وليد يصبح أكثر صدقا بدم ولادته ومشيمته قبل ان يعالج بمطهرات النقد والتنظير)، وتوزيع الحانه وفق رؤى القراءات المتعددة، وبالتالي قد نعلل توترات الشاعرة وقلقها المستمر في ايجاد دالة على عالم الحضور الذي تبحث عنه بجدية، لهذا اعتبر هيجل ان الشعر يمثل قمة الفنون لسمو شكله ولابتعاده عن المحسوس ولغناه وتنوع مدلولاته، أي بمقدار مايزداد النشاط الروحي المتحرر تدريجيا من ربقة الخارجي الثقيل المادي، لهذا فـ(ان الضمير الانوي يهيمن على مساحة واسعة جدا من الاشتغال الشعري لدى الشاعر العربي منذ اقدم العصور الشعرية، وتقل هذه الهيمنة كلما تقدمنا باتجاه الحاضر الشعري بسبب عوامل حضارية وانسانية وثقافية وفنية غاية في التداخل والاحتشاد والتكثيف والتعقيد، لعلّ في مقدمتها اكتشاف انواع شعرية جديدة، كان حظ الغناء فيها محدودا قياسا الى غنائية القصيدة العربية التقليدية التي غالبا ما تكون عالية . تضعف هذه الهيمنة كثيرا على يد قصيدة النثر وتأخذ شكلا آخر يتنازل عن النبرة الصوتية العالية للحساسية الغنائية، ويذوب قسم من طاقتها الغنائية في وسائل اشتغال شعري جديد، ويتحول القسم الآخر الى تمظهرات ضميرية أخرى تعلي من شأن الطاقة الدرامية والسردية فيها) .. هذا الصراع بين الذاتي وبين الخروج منه، يقابله صراع بين الحضور والغياب، بين الحاجة الماسة للاخر، وبين التحرر من عبوديته، هو صراع حضاري ظهرت اوجهه في الشعر العربي، بعدما وجد الشاعر نفسه، يتغنى بحقائق كونية، خارجا عن غنائية ذاتية قديمة، ويحدث هذا اثناء لحظات الكتابة المطعمة بوعي قصدي، وهي اشتغالات شعرية جديدة افرزتها المعلوماتية المعولمة والتي تحتاج بلا ادنى شك الى طاقات سردية تعبر حدود الشعرية، ليكون حضورها مبررا .. تقول الشاعرة:

(مالي اراك تبتدع الوان الطيف لقافلتي

اعترف امام ريحك بهذيان اجنحتك

وتقامر بجسدي رهينة ظلالك

وصلواتي دعاء سلم اليك)

 فمن قولها:

(ما بالها تغزل خطى الزمن ديوان شعر/ وتخيط لك الحكايا بالف ليلة)، الى قولها: (مالي اراك تبتدع الوان الطيف لقافلتي/ اعترف امام ريحك بهذيان اجنحتك/ وتقامر بجسدي رهينة ظلالك/ وصلواتي دعاء سلم اليك)، نجد انساق الصراع الذاتي المتمثل بمحاولة التمرد والخروج من الاخر، الى الاخر .. وهو مسار تحرك الشاعر العربي الحديث، في المشروع الشعري الساكن في اللاممكن .. لتبقى اشتغالات الشاعرة بارقة ابوالشون في منطقة البحث عن الذات الحضارية التي تتزلف كثيرا للتمسك بالاخر بدالة الغيرية تارة واثبات الهوية تارة اخرى ..

 

وجدان عبدالعزيز

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3427 المصادف: 2016-01-23 01:58:39