المثقف - قراءات نقدية

أسلوبية الرواية.. مقاربة أسلوبية لرواية (جبل العلم) لأحمد المخلوفي

jamil hamdaouiيعد أحمد المخلوفي[1] من أهم الروائيين المغاربة الذين تمثلوا الكتابة التخييلية في إبداعاتهم، كما يتجلى ذلك واضحا في روايته (جبل العلم)[2]…وهذه الكتابة معروفة عند ثلة من المبدعين الروائيين المتميزين وطنيا وعربيا، أمثال:بنسالم حميش[3]، وأحمد التوفيق[4]، والميلودي شغموم[5]، ومبارك ربيع[6] ، وجمال الغيطاني[7]، و محمود المسعدي[8]، ورضوى عاشور[9]، وواسيني الأعرج[10] ، وإميل حبيبي[11]، ورجاء محمد عالم [12]...

وما يميز رواية (جبل العلم) لأحمد المخلوفي هو تخييلها الصوفي العرفاني المناقبي من جهة أولى، وقالبها البوليفوني الحواري من جهة ثانية، وتأرجحها بين التجريب والتأصيل من جهة ثالثة. ومن ثم، فهدف دراستنا هو رصد هذه الجوانب الثلاثة في الرواية، مع استجلاء مظاهر الحداثة والتجديد في هذا النص السردي المتميز.

هذا، وقد اخترنا أسلوبية الرواية مقاربة نصية إجرائية، ومنهجا في القراءة والتحليل والتقويم، مادامت هذه الرواية، في جوهرها، حوارية وديالوجية وبوليفونية.

ومن المعلوم أن الأسلوبية (Stylistique) هي دراسة الأسلوب دراسة علمية، في مختلف تمثلاته اللسانية والبنيوية والسيميائية والهرمونيطيقية[13]. وتعد الأسلوبية أيضا فرعا حديثا من فروع اللسانيات إلى جانب الشعرية والسيميائيات والتداوليات، وتهتم بوصف الأسلوب بنية ودلالة ومقصدية. ويعني هذا أنها تختلف عن البلاغة الكلاسيكية ذات الطابع المعياري التعليمي التي كانت تهتم بالكتابة والخلق والإبداع، وتجويد الأسلوب بيانا ودلالة وسياقا وزخرفة، وتقدم للكاتب الناشئ مجموعة من الوصفات الجاهزة في عملية الكتابة، وتنميق الأسلوب بلاغة وفصاحة وتأثيرا. ومن هنا، فإن الأسلوبية هي دراسة الأسلوب في مختلف تجلياته الصوتية والمقطعية والدلالية والتركيبية والتداولية. وبالتالي، تهتم باستكشاف خصائص الأسلوب الأدبي وغير الأدبي، مع جرد مواصفاته المتميزة، وتحديد مميزاته الفردية، واستخلاص مقوماته الفنية والجمالية، وتبيان آثار ذلك كله في المتلقي أو القارئ ذهنيا ووجدانيا وحركيا. ويعني هذا كله أن الأسلوبية تهتم بالأجناس الأدبية، وصيغ تأليف النصوص، والتركيز على الأساليب اللغوية الخاصة لدى مبدع ما، وتدرس أيضا أنواع الأساليب التي يستثمرها الكاتب أو المبدع على حد سواء.

هذا، ويعد ميخائيل باختين من أهم المؤسسين لأسلوبية الرواية ، فقد خصها بمجموعة من الدراسات الأدبية والنقدية، ومن أهم ما وصل إلينا من ذلك( شعرية دويستفسكي) [14]، وكتاب(إستيتيقا الرواية ونظريتها)[15]، و( الماركسية وفلسفة اللغة)[16]. بيد أن ثمة دراسات أخرى أشارت إلى هذه الأسلوبية الروائية والبوليفونية، بشكل من الأشكال، ومن بين هذه الدراسات ما كتبه تشيتشرين في دراسته المطولة تحت عنوان( الأفكار والأسلوب، دراسة في الفن الروائي ولغته)[17]، وف. ف. فينوغرادوف في كتابه (حول لغة الأدب الفني) الصادر في مسوكو سنة 1959م[18]، ول.جروسمان في كتابه (طريق دويستفسكي) [19]، وأوتو كاوس في كتابه(دويستفسكي ومصيره)[20]، وف.كوماروفيتش في كتابه (رواية دويستفسكي (المراهق) بوصفها وحدة فنية)[21]، وب.م.إنجلجاردت في كتابه( رواية دويستفسكي الإيديولوجية)[22]، وف.لوناجارسكي في مقاله(حول تعددية الأصوات عند دويستفسكي)[23]، وف. كيربوتين في (ف.م.دوستويفسكي)[24] ، وب.ف.شكلوفسكي في كتابه (مع وضد.ملاحظات حول دويستفسكي)[25]، وب.أوسبنسكي في كتابه (شعرية التأليف)، حيث يقول عن البوليفونية الإيديولوجية:" عندما نتحدث عن المنظور الإيديولوجي لانعني منظور الكاتب بصفة عامة منفصلا عن عمله، ولكن نعني المنظور الذي يتبناه في صياغة عمل محدد، وبالإضافة إلى هذه الحقيقة، يجب أن نذكر أن الكاتب قد يختار الحديث بصوت مخالف لصوته، وقد يغير منظوره- في عمل واحد- أكثر من مرة، وقد يقيم (بتشديد الياء) من خلال أكثر من منظور."[26]

ومن أهم الدراسات الغربية الحديثة حول الأسلوبية الروائية والبوليفونية ما كتبه تزفيتان تودوروف (T.Todorov) تحت عنوان(ميخائيل باختين والمبدأ الحواري)[27]، وما كتبته أيضا جوليا كريستيفا من دراسات تشير فيها إلى التناص الحواري، كما في كتابها( السيميوطيقا)[28]...

وإذا انتقلنا إلى الدراسات العربية في مجال أسلوبية الرواية ، فنستدعي- في هذا الصدد- دراسة حميد لحمداني تحت عنوان(أسلوبية الرواية)[29]، ودراسة سيزا قاسم (بناء الرواية)[30]، ودراسة محمد برادة (أسئلة الرواية وأسئلة النقد)[31]، ودراسة عبد الحميد عقار (الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب)[32]، ودراسة عبد الله حامدي (الرواية العربية والتراث: قراءة في خصوصية الكتابة)[33]، ودراسة الحبيب الدائم ربي (الكتابة والتناص في الرواية العربية)[34]، ودراسة إدريس قصوري (أسلوبية الرواية؛ مقاربة أسلوبية لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ)[35]...

بيد أننا لم نتوقف عند الطابع الأسلوبي للرواية فحسب، بل انفتحنا - قدر الإمكان- على المقاربة السوسيولوجية للوسيان غولدمان (Lucien Goldmann)، بتبني تصوراته النظرية، وتمثل مصطلحاته الإجرائية ، مثل:البطل الإشكالي، والوعي الزائف، والوعي الكائن،والوعي الممكن، ورؤية العالم...

إذاً، ما مظاهر التخييل العرفاني في رواية (جبل العلم)لأحمد المخلوفي؟ وما أهم تجليات القالب البوليفوني في هذه الرواية بنية ودلالة ووظيفة؟ هذا ماسوف نستجليه في كتابنا المتواضع هذا.

 

الدكتـور جميـل حمـداوي

.......................

[1]- أحمد المخلوفي كاتب مغربي من إقليم الحسيمة، كان مفتشا لأطر التعليم بمدينة تطوان في مادة اللغة العربية، كتب القصة والرواية باقتدار كبير.ومن أهم كتاباته: بوابات محتملة، وقبر في طريفة، ودلائل العجز، وحلم كاتب، والموناليزا، وانكسار الريح، ومدارات الغربة والكتابة، ووجع الأقاصي المنسية، وجبل العلم...

[2]- أحمد المخلوفي: جبل العلم، منشورات مكتبة أم سلمى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 2015م.

[3]- بنسالم حميش: مجنون الحكم، دار رياض الريس، لندن، 1990م؛و العلامة، دار الآداب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1997م.

[4]- أحمد التوفيق: جارات أبي موسى، منشورات دار القبة الزرقاء، الطبعة الثانية، سنة2000م.

[5]- الميلودي شغموم: الأبله والمنسية والياسمين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1982م

[6]- مبارك ربيع:بدر زمانه، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1983م.

[7]- جمال الغيطاني: الزيني بركات، دار الشروق، القاهرة، مصر، بيروت، القاهرة، الطبعة الأولى ، 1989م.

[8]- محمود المسعدي: حدث أبو هريرة قال...، سلسلة عيون المعاصرة، دار الجنوب للنشر، تونس، طبعة 2000م.

[9]- رضوى عاشور: ثلاثية غرناطة، دار الشروق، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة 2001م.

[10]- واسيني الأعرج:نوار اللوز، تغريبة صالح بن عامر الزوفري، دار الحداثة، بيروت،لبنان، طبعة 1983م.

[11]- إميل حبيبي:الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل أوالمتشائل، دار ابن خلدون، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1974م.

[12]- رجاء محمد عالم كاتبة سعودية لها روايات تراثية وتخييلية عدة، مثل: طوق الحمام، وسيدي وحدانة، وستر، وحبى، وموقد الطير، وخاتم، وطريق الحرير، وأربعة- صفر...

[13]- تعني الهيرمونيطيقا الشرح والتفسير والتأويل.

[14] - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ترجمة: الدكتور جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[15]- M. Bakhtine: Esthétique et théorie du roman, Gallimard, Paris, ED.1978.

[16] - ميخائيل باختين: الماركسية وفلسفة اللغة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[17] - أ.ف.تشيتشرين: الأفكار والأسلوب دراسة في الفن الروائي ولغته، ترجمة: د.حياة شرارة، منشورات وزارة الثقافة والفنون، العراق، طبعة 1978م.

[18]- ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ص:396.

[19] - ميخائيل باختين: نفسه،ص:24.

[20] - ميخائيل باختين: نفسه ،ص:27.

[21] - ميخائيل باختين: نفسه ،ص:30.

[22] - ميخائيل باختين: نفسه ،ص:32.

[23] - ميخائيل باختين: نفسه ،ص:47.

[24] - ميخائيل باختين: نفسه ،ص:54.

[25] - ميخائيل باختين: نفسه ،ص:56.

[26]-B.Uspenski: Poetics of composition, traduction.CL.Kahn, Poétique9, 1972, P.11.

[27]- Tzvetan Todorov : Mikhaïl Bakhtine : Le Principe dialogique. Seuil.1981.

[28]- Julia Kristeva: Séméiotiké, pour une sémanalyse, Seuil, Paris, 1969.

[29] - حميد لحمداني: أسلوبية الرواية، منشورات دراسات سال، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1989م.

[30] - سيزا قاسم: بناء الرواية، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1985م، صص:177-194.

[31] - محمد برادة: أسئلة الرواية وأسئلة النقد، شركة الرابطة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[32] - عبد الحميد عقار: الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب، شركة النشر والتوزيع،المدارس، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000م.

[33] - عبد الله حامدي: الرواية العربية والتراث: قراءة في خصوصية الكتابة، مؤسسة النخلة للكتاب، وجدة، الطبعة الأولى سنة 2003م.

[34] - الحبيب الدائم ربي: الكتابة والتناص في الرواية العربية، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الطبعة الأولى 2004م.

[35]-إدريس قصوري: أسلوبية الرواية؛ مقاربة أسلوبية لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، أربد، الأردن، الطبعة الأولى 2008م.

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

أسلوبية الرواية.. مقاربة أسلوبية لرواية (جبل العلم) لأحمد المخلوفي / د. جميل حمداوي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3437 المصادف: 2016-02-02 01:33:59