المثقف - قراءات نقدية

تبقى الشاعرة ذكرى لعيبي في الآن ولا تنسى الآوان

wejdan abdulazizتوا غادرت حديقة هادئة شاكسني فيها رذاذ نافورة ما انفكت حبيبتها المائية تتبعثر على وجهي، حتى انتعشت أوصالي، فابتعدت قليلا عنها، عندها تذكرت (مساء الأماني) والـ(ياسمين)وانفعلت قليلا، وسمعت صوتي الهامس (أريد حبا)، غير أني تذكرت (في قمة الخوف) أن (اترك قلبي) ، وكانت هذه الكلمات ألحانا انسابت كرذاذ النافورة في ذاكرتي فكانت للشاعرة ذكرى لعيبي، جعلتني في تلك الليلة أتجول في حدائق شعرها وغيوم همومها، وبرغم هذه الغيوم الحزينة كانت فلسفتها تقوم على الرؤية المستقبلية، لأنها مؤمنة يقينا بالغد الذي، قد يكشف عورة الزمن وهي تردد:

            (مسكونة بالغد

                 ساكنة فيه

            أتضور حبا إليه)

هكذا هي مسكونة بوجع التطلع إلى وطن يسكنها، لتسكن في الغد، وكأنها الحبيبة المتلهفة لدفء اللقاء وهي بأجمل حلة هامسة :

              (وعند مساء ألاماني

                 أوزع ضوئي على كرب النخل)

           (حتى إذا كان خبز الشهيد عشائي)

           احطب عمري وأشعله في براري الدموع)

          (وفي قمة الخوف اترك قلبي)

كي     (أنت تحطبني كالندى

              وتشعل بي قدرك المرتجى

          وتنسى بان الفراغ وان الحصى هما زادك اليوم

                              وزاد غدي)

وهكذا تعلق الشاعرة نصوصها الشعرية في الأذهان وتغيب، ليكون الحضور للمتلقي أو القاريء الذي يبقى يبحث في مظانها عن الحقيقة يقول شتراوس : (إن الحقيقة الخالصة ليست أبدا هي الأكثر ظهورا، وطبيعة الحقيقة مبرهنة فيما توليه من عناية لإخفاء نفسها) 1 أي يبقى النص حضور معلق مع غياب معانيه التي تبدأ بالتحرك والظهور اعتمادا على عدة المتلقي في التحليل والبحث في سبل استرداد المعنى تقول الشاعرة :

              (عند أسوار سومر

                    ندعو النوارس

                  ونرجس أهل الشمال

                  وبرحي الجنوب

                    وفي عنق الحب

                     طوقا نعلق من ياسمين)

وهنا يبرز تمسكها بالغد لأنها من سومر السلالة الأولى في مسيرة البشرية والتي علمت كل الحضارات العالمية على استعمال نغم الحياة ومسيرة الكفاح، فمن (انطلاق النوارس / حمائم صدري / الجمان / الخواطر / خبز النذور، نوزعه / نحلق غب المغيب / ونفتح بوابة العشق لعشتار)، إذن هي انفعالات بين إرهاصات النفس الذاتية إلى الإرهاصات الموضوعية، فمن تفاصيل الجمالات الأنثوية، تلك الجمالات العصية، حتى تصل إلى بوابة العشق رامزة للخصوبة بعشتار وتموز اله الخير ومثلما رسمت خارطة الجسد قابلتها خارطة الوطن من نرجس أهل الشمال إلى برحي أهل الجنوب .. حيث ظل المعنى معلق في شموخ النخلة واستقرارها متربعة على الغرض، وإذا ما بحثنا في المعاني الاخر وجدنا الشاعرة تكرر (اربد حبا .. / أريد حبا / يفقه معنى الصمت)، فالغد المسكونة الساكنة فيه حصيلته النهائية دالة الحب واكتمال النرجس بالبرحي، ثم المكوث في محراب الشعر وهي تتلو :

         (أريد حبا

               كتلاوة خوف القديس

            إذ حط فوق جدار الصفح مرتجفا)

وهي حالة تمسك بكلا الجانبين المكان والزمان والأشياء السابحة في فضائهما وبلغة الروح والقرب تقول :

                   (أريد حبا

                     متفرع كالزيزفون

                    في أنين الوقت

                         يتسلق أوردتي

                          نبضا تختزله

                   سنوات الألف تيه)

وبين الحب في المعبد والحب الذي تختزله سنوات الألف تيه، تحققت وحدة الزمكانية في هموم الشاعرة التي تعيش غربة داخلية حقيقية، كلما ظمأت، فهي تريد حبا يتقصى دواخلها برشفة ضوء، هذا الحب الذي تتمثله، حتى تخر مغشية عليها، لذا تردد : (حين يرتمي سره بي)، تقابله بترديد (أريد حبا)، لتؤكد بحثها عن نقاء هذا الحب، وتضع نفسها في دائرته المغلقة تقول :

              (أريد حبا ..

                   يأخذني مني الي

                   ومنه إلي

                 ومني إليه

                           أنا)

وهي        (توميء للعاشقين

                   أن افترشوا الجرح

                   مروا على مركب الدهر

                  ثمة عصفورة تتهجى النهار)

فهي مسكونة بالحب المترسخ في المكان وعبر مركب الدهر .. تنتظر المنقذ وهي تتهجى النهار وتتصاعد حالة التصوف في دواخلها العاشقة للحياة والبقاء وهي تستعير شموخ النخلة ونقاء الروح من ادرأن النفس وتكون قلبا وقالبا باتجاه القرب من الملاذات الملائكية صعودا نحو التألق، وهكذا يكون الشعر سفينة تتنقل فيها الشاعرة بين حدائق المعاني .. وهي تتكتم على أسرارها لتقول :

          (هذه لغتي

              عسل مالح يلمس القلب

               ضوء

                    عتب وندب !

                           ساعة)

وتظل تعزف لحنا حزينا على مركب الزمن المتصاعد كـ(جراح تئن بصمت) أو (كذاكرة للفرات الأمين)، ولكن الشاعرة ذكرى لعيبي تلجمها في لحظات الالق، لتظل عاشقة، يتمزقها عشقها بين المقدس الخانق وبين الماء العذب الزلال الذي هو كناية عن ذكريات الطفولة والشباب في أحضان الوطن فهي تردد :

            (في لحظة الالق الصافي

                 جنان

                   وماء زلال عذب

                    تمرها طيب وزيتونها تين

                       عصافيرها خمرة

                       إن سقتها البلابل لحظة شوق

                       بماء الرضاب تداعي الغياب)

ثم تزداد توترا بين ارض الوطن ووطن الإقامة الأمارات الحبيبة وهي تحاول خلق حاضنة إنسانية للكون بدل حواضن الحرمان والطمع والغدر وأنانية الاحتواء بتساؤلها المتصاعد :

                ( هل ..

                  نتقاسم خبز إقامتنا

                       في هذا الكون)

لكنها تهدأ في مملكة الكتابة ويغمرها نور مملكة الزهد، وهكذا حملت الشاعرة ذكرى لعيبي وجع امرأة سومرية، وجع القيود التي أدمت معصمها (مذ بزغت كأميرة سومر فوق النجم) حتى صارت (سيدة ألحكي)، لأنها(عرابة هذي الأجيال/ كشفت عورة جلاد الليل)، لتؤكد بقولها: (وأنا الوراقة بنت الوراق) كي تبقى في الآن ولا تنسى الآوان ..

/ كتاب(الخطيئة والتكفير) عبد الله الغذامي / المركز الثقافي العربي ط6 لسنة 2006 ص 16

/ قصائد(ياسمين، أريد حبا، غواصون) للشاعرة ذكرى لعيبي السدخان

 

وجدان عبدالعزيز

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

نهارك بنقاء قلبك وروحك أخي العزيز أبو زهراء
أعتذر بداية عن التأخير
وأشكرك جداً لنشر هذه القراءة هنا، على صفحة المثقف الراقية
تحياتي للعائلة

ذكرى لعيبي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3462 المصادف: 2016-02-27 13:16:38