المثقف - قراءات نقدية

أشجار خريف موحش للشاعر د. سعد ياسين يوسف .. مهرجانية أشجار الاصغاء المصفّى وتناصات الايدلوجيا

981-saadسعد ياسين يوسف، بمجموعته الشعرية "اشجارخريف موحش " يوزع الشاعر رؤيته الفنية لشعره بين اتجاهات نظمية عدة، الكثير منها يتجه جهة قيمة ثقافية تؤكد الروح الشعبية والمتجهة اليها جُل الاهتمامات العالمية، تذوقا ودراسة وتسويقا تداوليا.. انها مصوغات للاصغاء المصفى بالتناصات والمهرجانية والايدلوجيا .

الشاعر يضع نصب اهتمامه عيناً تتجه في تبصرها صوب الارث الشعبي التراثي للعصور الحضارية الوسيطة التي صيرت الطاقة القومية للبلدان العربية قيمة تصاهر بعيدة عن الاقليميات والتواريخ المضللة، يصلح ان نطلق عليها " مشاعية الفكر الشعري المديني لجنوب غرب اسيا وشمال افريقيا "، مُعِدّاً المدن حواضر للالفة والابداع والتآخي والمصير المتقارب،توقا الى حاضرة مستقبلية لاتدين للوجود الا بالتسامح والابداع والفن، يمَكِّنَه من ذلك ما تحتويه لغته وذاكرته من روحية نفسية واجتماعية، طقوسية وعمرانية، للمدن العربية دونما قيود او حدود للمسافات والقناعات .وقد يعمم رؤيته لاجل التصالح العالمي في الدعوة للتعايش السلمي الآمن والتآخي العام بين البشر. في مضفورات طرائقه تستجد حيثيات تشبه الظواهر الشعرية المتجددة تتيح لنا متابعتها على الاوجه الآتية:

اولا: التناصات: تذكر الدكتورة بشرى صالح في مجتزء لها يخص موضوعة التناص نظريا .. تقول:

"اجرائيا يتحقق التناص عبر منفذين أحدهما المباشر والواعي ويتم بوسيط الاقتباس أو التضمين أو التلميح أو الاشارة... أما المنفذ الاخر فهو غير المباشر أو الضمني الذي يكشف ويرتبط بالمرجعيات المتباينة التي تشكل القوام المعرفي للمبدع وتظهر في نتاجه على نحو غير واع ومن حيث لا يشعر. وتقول في موضع آخر من كتابها(المفكرة النقدية) ما مجمله (أن التناص استيعاب لفكرة تشابك النص مع غيره من النصوص. فلدينا إذاً ثلاثة متجهات تناصية تفيد موضوعنا وسنضيف لها رابعا فتكون:

 أـ تناصات الطريق الواعي المباشر للاقتباس والتضمين والتلميح والاشارة

ب ـ تناصات المنفذ غير الواعي اللاشعوري.

 ج ـ تناصات الاستيعاب التشابكي (الخلائطي).

 د ـ تناص التحاور .

 

أ ـ تناص المنفذ الواعي

[يا سائق الغمام مذ سنوات وخراجك لك وحدك لا حقول الري تشبعنا ولا افضت لنا بغزلانها الفلوات ... يا سائق الغمام ... عجل، فالمدى صبح وامساك عن الصيام] .

ينقسم الى/

1ـ تناص التضمين القصصيعند تتبعنا للنص المتقدم سنجده منجزاً شعرياً يختلط نصه بثلاث قصص تراثية شائعة شعبيا / * القصة الاولى هي: الصيد في الفلوات ومحتواها الدارج بين الناس في: أن صيادا ذهب الى الصيد مع زوجته فرأيا ان الاشواك عطشى فسقيا الاشواك بما لديهما من ماء، لكنهما ماتا عطشا بعد ذلك . القصة الثانية محتواها: أن الخليفة العباسي هارون الرشيد يخاطب الغيم بأن يروضه بكونه أينما يذهب فسيلقي مطره في ملك هارون الرشيد، وهارون الرشيد سيأخذه على شكل خراج من عماله في الاقاليم التي يحكمها . القصة الثالثة: تتضمن خبراً جيء به الى امريء القيس مفاده (ان أباه قد قتل) وكان يشرب الخمر فقال اليوم خمر وغدا امر لا صحو اليوم ولا سكر غداً . القصيدة على قلة مصاغاتها الجملية الا أنها مثال للتضمين التراثي الواعي المثقف بروحية المشاع الشعبي، وهي واحدة من مميزات الشاعر الخاصة به كونه لاينأى عن الشعبية ولا يدنو كثيرا من حوشية اللغة الشعبية .

2ـ التضمين الإشاري والتلميح الاشارة في النص القادم نوعان اشارة استفهامية واشارة دلالية وكلاهما ليستا اشارة نحوية . لتكن الاشارة الإستفهامية (هنا) غير مشمولة بالتقصي إذ هي خارج سياق التلميح ..

إذاً سنتابع الاشارة بكونها تلميحا لبوح لم يصرح به، بمعنى ان الإشارة (هنا) تأشيرا لحالة دلالية فقط . تتعدد المعاني التي تسهم في تأشير تلميحات الدلالات، فمنها قيمية تتناصص مع قيم، ومنها سياقات مع مكملات . عليه سنتابع الآتي للتفرقة بينهما، علما ان هذا لا ينطبق إلّاعلى النص قيد المتابعة .

[رفعت فوطتها اللوعة كشفت صدر الهمِّ سنونو السنوات استصرخت الغيمَ قصت كلَ جدائلها رفعتها ورمتها..].

الاشارات المهمة: (اللوعة، الفوطة، السنونو، القص، الجدائل، الرفع والرمي) .إشارات القيم: (الفوطة، الجدائل) .الفوطة / تقابل / الشرف الريفي للامهات المستنجدات بالآباء والاخوة والازواج .

الجدائل / تقابل / التحشيم والإهانة والتحقير، إن لم تُثِر هِمَّة وضمير الخائفين. إشارات السياقات المكملة: (اللوعة، السنونو، القص، الرفع والرمي) . اللوعة: جزء من سياق اجتماعي يخص التظلم والشكوى والاحتجاج .

السنونو: اشارة لسياق الهجرة الاضطرارية والطرد والابعاد القسري .

القص: اشارة لسياق يكتمل في السلوك الاجتماعي فالنفس الإنسانية حين لا تجد منفذا سوى العودة الى التبرؤ ممن خذلوا او اسهموا في بث الخوف وساندوا الاعتداء .

الرفع والرمي: اشارة تكمل سياقا للعادات والتقاليد الإنوثية التي بها تفجر المرأة كل غضبها وجزعها وعوفها ملاذات الآخرين .كيف تعمل مثل هذه المجموعة الاشارية على خلق دلالات منطقية وشعرية نافعة وممتعة وشاعرية شعبية ؟ ان هذه المنظومة مترابطة في اداءاتها والتقسيم السابق يهدف التوضيح الموسع لمضان الدلائل . تقوم تلك المنظومة بالفعل الشعبي من خلال /

1ـ أن الفوطة لبس لرأس المرأة يشمل جميع مناطق العراق واكثر البلدان العربية والشرقية لذا فهي، لإشارة دقيقة تعطي للفظ، ضمن جملته ودلالته، طاقة روحية شعبية .

2ـ الجدائل لها شيوع كبير في وسط وجنوب العراق في كونها من أبهى مظاهر الجمال الأنثوي . وورودها هنا يعني انتماء النص الى بيئته الشعبية التي تحتفي بالجمال مختزلا بالجديلة .

3ـ السياقات الأخرى تعدُّ ناقصة مالم يكملها التراث المتراكم من الدلائل المحلية والشعبية التي تربط متواصلات النص ليصير قطعة واحدة يمكننا إجمال فهمها بالآتي/

(ان الالم الذي ما عاد محتملا أظهر كل مخزون الجور المضموم بصدور الناس،حتى أن المرأة الخجلى الصابرة قد قصت جديلتها انتخاء وجزعا وخوفا من أن تصلها هجرة السنونو ترفعها وترميها مثل الجديلة في حضن اعداء الانسان والجمال).

4ـ الشعرية تتألف من الصوت والدلالة والصورة البلاغية الإنزياحية"

وجود انزياح ذي تردد دال هو وحده يسمح بتحويل الحدس والعاطفة ... الى حقيقة واقعية ـ يقصد حقيقة شعرية .

5ـ منطق المتعة والنفع يتحقق برأينا في / ـ جماليات الصوغ ولُغزيات المعنى بغض النظر عن الدلالة الرئيسة التي وضحناها في الرقم (3) أعلاه .

ـ الإبتهاج بولوج القيم الشعبية الحماسية والخلقية الى النص دونما اقحام او ابتسار الرؤى وافتعالها .

ـ الانـزياح الإستعاري بين اللوعة والغيم والجديلة والسنونو، تلك المقاربات الكلمية عَمَّدت القول بعشرات الاستعارات كونها مفارقات لفظية وقيمية وصياغية قولية.

لعل ابرز تلك الاستعارات اشارة الشاعر الى ان السنونو هو الذي استصرخ الغيم .. بمعنى أن اللوعة تكشف الهم والسنونو يعلنه بصوت امرأة عراقية يقص لها الجديلة ويرميها الى الأعداء او الاصدقاء لينتخوا لها او يُنَخّوا (ينحنوا) خوفا وراءها . أي أن الشاعرية قد تحققت في انزياح عن انزياح عن انزياح .

 

ب ـ تناصات المنفذ غير الواعي (اللاشعوري)

 طاقة اللاشعور بالنسبة للمبدع ليست قدرة غير مدربة وبلا اية دراية، اذ هي جزء من تكوينه النفسي والبيئي مختزن في اللاشعور الذي يستحضر ذاته دونما وعي من حامله .. وهذه الطاقة لا تتكيف دائما مع موضوعة بذاتها او قد تقوم بدمج غير مفكر به يصعب التكهن بقيمته من قبل المبدع نفسه .. وقد تكون الطاقة هذه عاملا فاعلا بدرجة تتجاوز الدربة كونها عفوية فعل خلاق فطري الخلق والسلوك .

لنتابع فقد نجد بغيتنا /

[ تكاثر فينا المحل

وَلجَ الخنجرُ في خاصرةً الحلمِ

ضجَ الناسُ وضجتْ

فوق الارض تراتيل ...

يا ذابح الحمام

الارض قبض الله، دعها

لرفيف سنبلة تنوء بحملها

ياسائق الغمام، دمٌ غيثكَ

لا يُطلع الصبحَ فوق دارنا، ولا يُرقص النجمَ ولا يُفرحُ الطفلَ].

تلك المنسوجة الشعرية تستحضر الفطرة الشعبية المُتَّكِلَة على القدرة الربانية، التي تقرر المصائر وتوكل اليها الاعمال الخيرة وغيرها، في كونها قوة لايمكن ردها .. وهذه تندفع الى مأثورات الشاعر دون دراية منه ـ على الاغلب ـ فهي تنبع من التخاطر الغيبي بين الشاعر وثقافته المكتسبة بالخبرة الاجتماعية التي تضاهي مكتسبات الطفولة لسببين هما /

(الفطرة العالية في بساطة التعبير، والثانية عمق الأثر في النفس على المستوى الفردي والجماعي) ..لذا فهي متناثرات شعرية تجسر الفهم الشعبي الحضاري العميق للشعر الفصيح متمثلة بالمواصفات الآتية /

ـ انها تنساب بلغة مموسقة ذاتيا تشبه الاهازيج الشعبية لمواسم الحصاد والبذار الحقلي .

ـ احتفاؤها بالحلم كمُعادل للامل، والغور في الحزن بمعادل المَحْل .

ـ التوسيم الطفلي لواقع الطفولة بعدّها هبة الله مثل الارض .

ـ التفتيت المقصود للحلم بالألم (الخنجر) لتأكيد العتب لعدم تعميم العدالة التي وزعها الله لتسود بين البشر . ـ التناظر بين سائق الغمام وذابح الحمام يؤدي الى تمكين الصورة الشعرية الى الجمع بين النعمة التي فطرها الله للناس، ونعمة السلام التي فرضتها قدريته، وابتداع الظلم البشري لقيمة ذبح الامن والسلام ومصادرة نِعَم البيئة المتآخية لأجل رخاء وسعادة الانسان .

* المهم في هذا أن تلك التمثلات القيمية والصورية على الرغم من إنها فطرية وغير واعية فهي أدت وظيفة شعرية تلائم " التخطي " الى نموذج خاص من الناظم غير المقيد لكنه متسق كإتساق الاغنية واللازمة النصية لنهاية الدبكة الحزينة . * الفطرة الموهوبة للمشيدات الشعرية تعيدنا الى القول الشائع من أن الانسان بدأ شاعرا .

تُرى أن الحالة بهذه البساطة فعلاً ؟

 

ج ـ تناصات الاستيعاب التشابكي:

يبدو أن مباديء التناص هي من متصفات الشعر عندما يخلط المشابك السلوكية مع الطرائق الفنية للقول .. قـد يـكـون لـهـذه الـبـدهـيـة اهـمـيـة خـاصـة فـي الـتـنـاصـات الـتـي تـحـفـل بـهـا شـاعـريـة (أشجار خريف موحش) .. لنضع النص القادم بإزاء البرهنة /

[ ضجت الدكةُ ... تستصرخُ كاهنيها: ........... ويعُول في المعبد صوتٌ: ـ اسكتوا صوتَ الأغاني،

ماسمعتُ الدمَ يحترفُ الغناءَ،

ـ ما لهذا الصوت .. يقتلني ؟!!.. اسكتوه لكم الرصاصُ ... العبواتُ لكم الكواتم ـ أجهزوا الآن على هذا الغناء فخخوه ... ].

تشتبك كائنات النص بتناصات خليطة من تقانات التحادث والتعقيبات الى، حوارات القص الى، فوتوغرافية الواقع العراقي الى، تقانات الصداح الغنائي .

كما أن النص جمع الى تلك الوسائل ما يسمى بـ (قناع الشاعر) باعتباره راويا ومرويا له .

ولكل واحدة من تلك الوجوه رديفٌ صوريٌ وسلوكيٌ شعبي.. ان لتلك الظاهرة فعل شعري يأخذ بأسباب ونتائج الظرف السياسي والإجتماعي ليصيغه شعرا وسردا وما يشبه الحكايات لكن باسلوب يقترب من الرسالة السياسية التي تعمل من القول آلية لمحاربة السلوك الشائن للقوى المضادة للحركة الحضارية والانسانية، المداهنة بمصائر الناس. الشاعر يضع نفسه داعية شعريا، ينتقم من المتحكمين والمستأجرين بطريقة الفضح والتعرية والتوجع مع قوى الشعب المجهضة، المغلوبة على امرها .. لنتابع الجدول أدناه لنتخذ منه فهما لشعرية جمال آسى الشعب. سنرى خبرة السلوك الاجتماعي وكيفية تماهيه مع الشيفرات الانسانية لما نعتقده تراثا انسانيا محليا وعالميا من خلال الشعر القابض على زمام روحية الصبر والتوجع، المتجاوز

ـ بالغناء والحنين والمخالفة ـ كل ما يحيطه من أسى وصعوبات .. الشاعر لسان الناس المتبرم المحتج المتجشم مسؤولية الموقف شعرا وفكرا ..

ولعل أهم النتائج محتويات تلك المتناصات الفكرية الشعبية أن يتلون القول الشعري بالسبك والتنغيم الغنائي الابصاري السلوكي لخدمة قضية كبرى هي الفن حياة أخرى .. لننظر ..جدول فن الحياة والشعب

النص التناص نوعه السلوك الشعبي المقابل

ضجت الدكة الأماكن الشعبية التي تستثمر لتبليغ الاخبارفوتوغرافي ادبي في المهرجانات والاعياد والمآتم تكون الدكات مكان التجمع وممارسة الطقوس

تستصرخ كاهنيها ادعاءالعبادة، أو،كما هي لدى كهنة سومر القديمة حواري الصراخ هي للإحتجاج الشعبي والاستغاثة واحيانا تعبر عن التمرد الفردي على السلوك الشعبي التقليدي

يعول في المعبد صوت اشعار السياب في الحنين الموجع للوطن  تراث شعري التقليد الشعبي يرى في العويل طريقة لتأكيد الإظهار المسموح به للفجيعة

اسكتوا صوت الاغاني التعامد (بالمخالفة) مع اصوات صداح الاغاني الراقصة صداح  يتماهى السكوت والصياح مع الدارج في المعتقد السلوكي في أن الطغاة لا يحتملون جمال الاغاني فهم يروها حرية فوق المسموح به من قبلهم

ما سمعت الدم يحترف الغناء  الصدى التأريخي لدم الحلاج (معاكسا) إذ كان الحلاج يعني الحكمة والجمال والحرية تحايثي حكمة الشعب تقتضي سلوكا روحانيا مثلما هو شعر الحلاج لكن بمستوى تجديد المطالب الشعبية .

الصوت يقتلني موروث الشعراء الشعبيون الذي يقول:الغناء يذبح الجبناء تعقيبي في سلوك الشعب شيء من حكمة القول " بالغناء تقتل الوحشة " والوحشة هي، والشعر صوت غناء يبلغ عن مظلومية المقهورين

اسكتوه تناص مع" اعطوه"الخاصة بشعراء المديح السلطاني حواري معكوس  السلوك الشعبي يضمر الفهم اللاأخلاقي للمتحكمين الجدد في البلاد

لكم الرصاص ... العبوات الظرف السياسي للإرهاب  فوتوغرافي ادبي وعي وسائل الارهاب كونها وسائل الحكم الاجرامي لمافيات الاحزاب الدينية

لكم الكواتم الظرف السياسي للإرهاب  فوتوغرافي ادبي الفهم الشعبي يتهكم من الكواتم كمسكتات للناس عن حقوقها المادية والمعنوية

اجهزوا الآن على هذا الغناء  فكر الحكم الشمولي تحايثي سياسي التضاد بين السلطة والديمقراطية

فخخوه الظرف السياسي للإرهاب  تحايثي سياسي التفخيخ المُسَكِّتُ للناس عن حقوقها

 

د ـ تناص ذوبان الأمكنة:

تتحاور الاماكن عند تنقلها من الذاكرة الى الفضاء الكتابي ثم ترتدالى ذاكرة الوجود الاصلي في عمليات التناصات المتبادلة حد ذوبان الواحد بالآخر .

"تستمد الأماكن مكوناتها وخصائصها البنائية من منطلق خيالي في المقام الاول، يوجد في عوالم افتراضية،تفترضه / تخلقه/ تمنحه تشيؤه على مقربة من العالم الموضوعي وخارج الـتـمـاس الـمـبـاشـر مـعـه فـي آن واحـد، إنـهـا أمـكـنـة تـحـيـل الـمـتـلـقـي الى منطقة الصفر الاعظم /

اللامكان حيث السيادة للتعالقات غير المنطقية بين الموجودات الاشياء ".

من المؤكد أننا لانهتم بالمكان كـ (يوتوبيا) إنما عنينا أن نقيم للكيان الشعري (يـوتـوبـيـا ) فضائلية داخل جسد الاستثمار القولي للفصيح الشعبي من الشعر، وهو ما نميزه بالتركيب المتخيل للمكان الشعري المتصف بالـ /1ـ انه مكان مسمى له علاقة ضمرية تتعلق بالضمير الجمعي للناس لكن من خلال ابصار لا مكاني (شعري تحديدا). 2 ـ أنه في الاصل متخيل ذهالي يحتفي بالاشياء . 3 ـ هو مؤثث نظمي نصي للشعرية الشعبية . 4 ـ معاكسه المختلف له علاقة بالأخلاق القويمة النموذجية . 5 ـ يتجاور العالم الشعري الخيالي مع الواقع الفعلي لسلوك الجماعات . 6 ـ يتعالق مع دلالات اخرى لتمكين الجمال الفني من اتمام فعله التأثيري . * لأجل إزالة اللبس في الفهم يمكن التدقيق في فاعلية (هذا) بنتائج تلائم الفرائض المذكورة اعلاه .. لنجرب منصص القول:

[من "عكد التوراة "

من خطوتِكَ الأولى فيها

عندَ اذانِ الفجرِوناقوس الآحادِ

الى "السراي"كانت تصبو ..

نحوَ القمرِالطالعِ من عتمتِها عيناكَ

وكنتَ اذا ما نَزَّ الحزنُ تصعّدّ فيكَ تؤوبُ

الى النهرِ القادمِ من بين نخيلِ "الدفاس" وسدرِ النبقِ الحلوِ يداعبُ كلَّ نوارسِ جزرته .... أكنت تفكرُ أنكَ تغدو نورسة ].

للنص المثبت هذا نتائج نراها في /

1ـ للمكان الشعري مسميات منها هو مستل من الذاكرة ومنها مستل من ذهال شعري، وكلا النوعين يشكل حالة مكان لمضمرات الضمير الجمعي بشكل علاقات شاعرية استذكارية .

فالعناصر الاسمية شبه المادية (المستعادة بالذكرى) تتشكل من: (عكد التواراة، السراي، الدفاس) .. هي أسماء تؤثث القصيدة بثوابت موهمة منها او كلها تتعلق بالأحياء والاماكن الاثنية للطوائف غير الإسلامية .. المسميات الذهالية (الهلامية): (الخطوة الاولى، اذان الفجر، ناقوس الاحاد،القمر، العتمة، العينان،الحزن، النهر، النخيل،النبق الحلو، نوارس الجزرة) .. تلك الموجودات ليس لها وجودٌ ماديٌ مطلقا إذ أنها مخزونة في ضمير المجموعات الأثنية وضمير الجوار المسالم من الطوائف كافة، فهي ضميرية ومضمرة ومستعادة من خلال القول الشعري المعبر عن حالات الناس ورغباتهم في التعايش السلمي والصداقات النظيفة بطفولتها الرحبة المسامحة دوما .

فـ: ـ عكد التوراة مثال للعيش المتضامن بين المسلمين والمسيحين واليهود والصابئة وكذلك السراي والدفاس ..

ـ ثم هي احياء هيأت للأشياء الاخرى أن تأخذ منحاها الشعري والسلوكي الافتراضي والضميري الضمري .. انها روابط علائقية للعناصر الاخرى الناسجة للقول بشعرية شعبية تلائم بين العمق والبساطة وتتلائم مع السلوك الجمعي الخيّر بين متآلفي الاحياء اعلاه.

2 ـ الاشياء شبه المادية (الثلاثة) والاشياء الهلامية الذهالية الـ (الإحدى عشرة) تتضافر بينها لتؤلب العقل المستذكر، ليجعلها منظومة ذاكراتية متوحدة في تصيير التخيل الذهالي شعرا تعبيريا صادقا الى درجة شبه ملموسة وهي في ذات الحال متخيلة بدرجة تسييل الاشياء كصور مرئية لكنها فطرية الماهية ليس لها هيكل حقيقي غير ما يوحي به النص من مخمنات دلالية .

3 ـ يتأثث النص بالموجودات اعلاه إذ هي موصلات بين الذهن المنتج (الشاعر) والمتلقي المتحسس للقيم الشعبية، والمظهر الذي يمثل الوجود الوسيط بين المجمع الصوري القادر على احتواء وتسويغ السلوك الشعري نصيا بكونه طريقة لزرع " الشعرية " كتأثيث للمتن الشاعري المجتمعي .

4 ـ ليس لتلك الاماكن قدرات شعرية لولا ذوبانها بطريقة الاختلاف مع الظرف السياسي الاجتماعي السائد الآن، اي عام كتابة القصائد، وهي شعرية الاخلاق المقارنة، التي توازي معكوسها الآني. فهي قد جَمَّلتحالة شعورية مستفيدة من الجرح ـ تقويمها ـ بالشعر والخُلُق النموذجية التي كانت عليها طوائف العراق قبل (التطرف) السياسي والعرقي والديني!

5ـ التناظر الذي اوجدته المفارقة يُصَيِّر الاشياءَ صورا شعرية محضة لولا انها تضمر انساقا تتبوأ مكانة فكرية، فوجود عكد التورات /بمقابل/آذان الفجر، ثم، وجود السراي / بمقابل/ ظهور القمر، ثم، ظهور القمر / بمقابل / عتمة عين الصديق .. هذة المتقابلات صور سلوكية للجماعات المختلفة عرقيا ودينيا، المتآخية اجتماعيا .. تلك الانماط السلوكية تحولت من سلوك للجماعات الى سلوك للمودة والخير الذي تبنيه الانسانية بطريقة " مجاورة العالم التخيلي للعالم المادي " السلوكي المجتمعي .

6 ـ من الجانب الفني هناك متعالقات تبني صيغا جملية جمالية تؤدي غايات دلالية مسهمة في إثبات القناعة بالقول كونه شعرا، وبالشعر كونه اخلاقا، وبالأخلاق كونها حلاً أمثلاً لقضيتي الشعر والبشر، اي قضيتا ايصال الشعر الى اكبر شرائح الشعب، وجعله رديفا لحل أعمق مشكلة ثقافية في العصر الحالي . نرى ان تلك العلائق تتجلى بآصرتين، هما: ـ الترابط الكلمي = صواب (بلاغة ونحو) الجمل .. ومثل هذا الترابط يتأكد بالحفاظ الصياغي لكل شروط النمط الشعري عموما (النغمية، التطريبية، الاتساق، القصدية).

ـ التوصيل القادر على الاقناع بالمنطق الدلالي للغايات الفكرية الموجهة للقاريء .. يتحقق على أثر القراءة الحيادية لكل من جدوى الشعر للذائقة القرائية وجدوى الشعر كحل ثقافي ونفعي وجمالي، والنص اعلاه جاء ليؤلف هذه القناعات للحد الذي جعل الجملة القولية قريبة من العقل الشعبي والذوق الشعبي والسلوك الشعبي، دون فقدانها لجمالها الشعري الرفيع، مما اكسبها درجة اقناع مناسبة لطموحات القاريء.

ثانيا: المهرجانية قد تُفهم المهرجانية على انها التهويل والمبالغة والتلون السلوكي وعدم مراعاة الشروط الاخلاقية، وفي اللغة قد تُفهم بكونها البهرجة اللغوية والتزويق الكلامي غير المبرر .

بينما الغرض الادبي يتعامل مع الـ "مهرجانية ـ أو المهرجة ـ ان كان هذا صالحاً كمصطلح مقابل للمهرجانية" بطريقة منضبطة، تشمل الايماء والتلوين والمشهدية والكورالية . ترى .. كيف؟ [لاتطفئوا الضوء

لا تغلقوا النوافذ

لاتسدلوا الستائر لاتسكتوا الفواخت

......

قبل اشتعال الماس

قبل أن يستفيق لحن تائه

لاتسدلوا الستائر

أ ـ الإيماء: يفيض به كل من (لا تطفئوا الضوء،لاتسكتوا الفواخت)، إذ هما جملتان لاتتحققان لكونهما تومئان الى النهي عن مساوئ لا عن عمل او فعل او حركة .

ب ـ التلوين: يناسبه التمثل في التنوع الصياغي حيث وجود التشكيل الجملي الشعري، والجملي الاخباري، واللوازم بدالتين هما / ـ (لا) في اول السطرالاول والثاني والثالث والرابع والسابع . ـ عبارة (لاتسدلوا الستائر) فهي لازمة مكررة تنهي وتحذر وتتوعد، وفي الحالات كلها تؤدي تنوعاً مهماً لكل من التنغيم والتركيب للغنائية والجمالية.

ج ـ المشهدية: تتمثل في المعنى العام الذي ينطوي على حكاية مضمرة عن جريمة انسانية تأتي الخلاصة الشعرية لتتقاطع، بمشهد مقابل، للقول المجمل الدائر بين الناس، إذ يعتقد القاريء أن الجريمة لن تموت، ولن يفلت المجرمون، ولن يُسدل الستار على الجريمة بتقادم الزمن.

د ـ كورال الاداء الجماعي: يمكن ان نقول بان النص له لسن ينطق بفردية لكنه يقصد الجماعة وينطق بإسم الجماعة كأنهم فرد، وهذا الآداء يشبه فعاليات الانشاد او الاداء الجماعي .

المهم ان كل هذه المضامين لها هدف واحد هو جعل روح الشعب المحبة للخير والجمال تتجسد في اللغة الناطقة بلسانه ببساطة ومتقدة قضايا اساسية كالحرية والرفاه والامن .

 

ثالثا: شعبية الآيدلوجيا

يشبع مصطلح الايدلوجيا كتعبير عن التوجهات الفكرية المنظمة ذات التأطير المحدد للاسس والحدود والغايات والوسائل .. وتلك تتطابق مع اتجاهات العلوم التقنية ومدارس العلوم الاجتماعية والاحزاب السياسية .. لكننا في شعرية (اشجار خريف موحش) نجدها آيدلوجيا الإنحياز للفقراء ذوي الكثرة العددية والثراء الثقافي والمعرفي المتراكم عبر عصور الوجود البشري .. يحاول بها الشاعر سعد ياسين يوسف استقراء تلك الروح المتضامنة رفعة الحكمة الشعبية النامية لصوت الناس المطالب بالحصول على حقوق الفقراء، قطاع الناس صانعي الحضارة دون تصنع او مباهاة .. * يبدأها بتورية نورانية لمحمد (ص) كونه رسول الفقراء. [ لو لم يكن نورا سماويا

لما وصل الضياء

لو لم يكن نهرا من الشمس لما استفاق في الارض

غرسٌ

وتنفست حقولها الصحراء ].

* ثم ينتقل الى تحديد الحاجات الشعبية .

[ ايقظ الرغبة بالرمل

ان تغدو

تراتيل السماء

ثوبا وارغفة ].

* كما انه يرسم طبيعة ايدلوجيا الفقراء طبقة المجتمع العريضة (متن الشعب الشعري)

[ياصرخة الجياع ياصرخة من لا وجه له].

ختم شعرية (اشجار خريف موحش) للشاعر سعد ياسين يوسف تفوق في توغلها ما اسلفنا قوله، تحتاج الى توسع آخر في الاستعارات والتقنيات، (هي) خارج موضوعنا حتى هذه المرحلة من تقصينا للشعر الشعبي الفصيح .

 

الناقد اسماعيل ابراهيم عبد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3535 المصادف: 2016-05-10 08:29:08