المثقف - قراءات نقدية

حروب سنان أنطون

saleh alrazukفي أعمال سنان أنطون مشكلتان بغاية الأهمية.

*الأولى لغته أو مفرداته. فهو يوظف في الحوار المحكيات المحلية وبعض التعابير الأعجمية الدارجة. وأعتقد أن للعجمة موضعا خاصا في أفكاره، فأول أعماله كانت بعنوان (إعجام)(1). وهي رواية مقترة بالتفاصيل، ومحدودة العدد بالشخصيات، من غير أحداث وبلا حبكة، وتتطوع لمتابعة السقوط النفسي لشخصية البطل. لكنه مع ذلك لا يكتب بالدارجة على طريقة حنان الشيخ وإدوار الخراط. فكلاهما يفصل الحوار عن الأحداث حتى يبدو أننا حيال عالمين. أحدهما ذات الرواية والآخر ذات الواقع. والسبب ليس ازدواجية الأصوات وإنما اختلاف المعايير. فالأحداث تختبئ وراء صوت الكاتب بينما الحوار يختبئ وراء أصوات الشخصيات.

لكن الحبكة في أعمال أنطون تتطور ببطء وبالتدريج ولا تعزل الحياة النفسية عن الواقع. أما الحوار فيتركب من محورين. الأول أفقي له جذور في الحياة العامة. والثاني عمودي وله علاقة بنشاط النخبة. بمعنى أنه في مجمل أعماله يفرض المعاني على المفردات ولا يضحي بالحكمة التي وراءها. وفي هذه المنطقة المحايدة يعمل بكثير من الشغف مثل همنغواي ليصالح بين الأحداث والتصورات. كانت الحبكة عند همنغواي بمثابة أمنيات مؤجلة. وهذا ما يراهن عليه سنان أنطون. فهو أقرب ما يكون لترتيب أوراقه كلما وضعته الأقدار في موقف محرج.

لذلك كان الحوار في رواياته بمثابة صدع بنيوي أو خلل تتحرر به الشخصيات من رقابة الكاتب. تماما مثلما تتحرر به الأنماط من القدر المفروض عليها مسبقا نتيجة عيب أو انحراف تفرضه الصدفة أو ظروف إنتاج النمط.

وفي رواية (فهرس) الصادرة لأول مرة في بواكير عام  2016 (2) توجد شخصيات بمنتهى الإحراج.

- مرايا التي تبحث عن التوازن مع ماضيها، وبالاستطراد والتحويل مع ذاكرتها الغائبة (ص233). فهي عمليا بيضاء لكن لونها أسود. وهذا يفرض شرط اغتراب فلسفي بين العرق والانتماء.

- والراوي – ذات الكاتب- الذي يحمل أعباء السرد بضمير المتكلم. وينظر إلى الخلف بينما كل حركته نحو الأمام. مثل أي شخصية اغترابية تعاني من السقوط والاضمحلال. فهو أبيض في مجتمع يصبغه بلون أسود. باعتبار أن هويته هجينة، تجمع الشعور بالتحسس والشعور بضرورات الاندماج. وهذا يضعك دائما أمام مشكلة ضياع الخيارات وتفكيك الذات. أو كما ورد في الرواية يزيد من تعجبك من عمل ومزاج الذاكرة (ص262).

لقد كان لماضي بطل الرواية حدود وهمية كأنها إشارات تفيد في تنظيم ضياعنا في هذا الوجود العشوائي (ص264). فالذات الحضارية في الرواية موجودة لكن دون صور وتراكيب واقعها الراهن، والإنسان كما يقول بطل الرواية: يكتشف لاحقا أنه يدور حول نفسه، ويبحث عن الثقب الأسود الذي يعيده إلى العدم (ص265).

- ثم ودود الذي يلعب دور وحدات فوق سردية. فهو يجمع في شخصيته كل خصال العقل والذاكرة والوجدان. ويقدمها بشكل لا شعور جماعي الغاية منه تنبيه شعور الأفراد. وهو ما تسميه الرواية باسم فلسفة الحقيقة أو فلسفة المشاعر (ص21).

*و من هذه النقطة تبدأ معاناة الرواية مع بنيتها. وهي المشكلة الثانية.

لقد كانت الفصول والفقرات تأتي بالتناوب موزعة بين الكاتب الافتراضي ودود والكاتب الفعلي نمير. بتعبير آخر: كانت الرواية بشكل مدونة داخل حكاية.

لقد قفز سنان أنطون من فوق الحبكة الكلاسيكية ذات البداية والنهاية لكن احتفظ بدور الشخصيات. سواء الأساسية أو الثانوية. وأضاف إليها ذاكرة الجمادات. وخلط أوراقه مع أوراق غيره. ووضع فكرة الرواية بجانب عقلية المرويات والأساطير.

ولو احتكمنا لعمله السابق وهو روايته (يا مريم)(3) نجد أنه أيضا جزأ العالم النفسي في جوهر الحبكة إلى عدة حساسيات مقسومة مناصفة بين وعي الداخل ووعي الخارج بحيث أن الأحداث تجري شرطيا. بمعنى أن الواقع كان مرهونا بجملة من الأمنيات الممكنة والتي لم تحدث.

لقد اختار محمود الريماوي هذه البنية في روايته اللطيفة (من يؤنس السيدة) وجعل الشروط هي التي تعزل الماهيات عن ذاتها. وللتوضيح لقد رسم لروايته مصيرا واحدا من خلال مسارين متوازيين، الأول لسيدة مسنة مسلمة، والثاني لجارتها المسيحية. وكانت فكرة مقارعة الموت هي التي تحدو كل مسار لصناعة نهايته الخاصة به.

وهذا هو ما يتمسك به سنان أنطون في مجمل أعماله. إنه يعزل المسارات، ويترك بينها مساحات فارغة، لكنه يتوصل في الخاتمة لنفس النتيجة. وهي السقوط في حفرة العدم.

إن جرعة الشك عند سنان أنطون لا تبدو جازمة. كما هو الحال عند غيره من فرسان الروايات الوجودية التي تدور في إطار عسكري (أمثال هاني الراهب وحليم بركات). فهو يقلل من شأن الغموض والارتياب حينما يساوي بين البدايات وبين النهايات. وفي روايته (فهرس) ومع أنه يختار لودود عدة نهايات محتملة يؤكد أننا خلقنا لنموت. ويسأل نفسه:  ترى هل نحن نتنفس لنموت؟ (ص 254).

وقبل ذلك بقليل صرح أن ولادة أي كائن في مجتمع الهزيمة والنكسة بمثابة جرح أو حكم مؤجل بالموت،  حتى الأشجار هي جرح لا يندمل في ذاكرة الإنسان. (ص253).

إن رواية (فهرس) لا تعيد تشكيل صور الهوية في الداخل والمنفى وعلاقة كل منهما بالذاكرة المفقودة. و برأيي إن سنان أنطون  يبحث عن تلك المعاني الأساسية في الذاكرة القريبة لأعماله.

في (يا مريم) عمد لتحويل الواقع إلى جبهة مفتوحة مع أساطير الذات الوطنية. وفي (فهرس) تكلم عن صراع حضارات. ويجب أن نفترض ضمنا أنها حضارات تشير لأساطير عقلية المهاجر بكل ما تحمله من ميتافيزيقا معاني الأرض والهوية.

عموما إن روايات الشتات والهجرة تدين بكل ثقلها لمجموعة من اللبنانيين و أدباء القرن الإفريقي قبل أن يدخل العراق على الخط. وبالتحديد قبل التجربة المتميزة لعلي بدر وجنان جاسم حلاوي. ومن الرعيل السابق غائب طعمة فرمان ورديفه برهان الخطيب.

لقد اهتمت هذه التجارب بدموية الصراع على المبادئ والثوابت وبديناميكية الصراع مع الغرب بحثا عن مأوى آمن وقبل كل شيء بحثا عن البضاعة المفقودة في عموم الشرق وهي الحرية. ويمكن القول إن الرواية العربية بدأت من صدمة الغرب وديالكتيك نفيه. أو من التناقض الكلاسيكي المعروف بين المقاومة والتنوير. لكن أدب الشتات كان صدمة موجهة ضد الصورة الإيديولوجية لليوتوبيا السابقة. بعبارة أخرى: إن ما بدأ من حلقة تمفصل مع الحضارة انتهى لحلقة تمفصل مع الإيديولوجيا.

وكما أرى إن سنان أنطون يحزم أدواته ليعود بها إلى البدايات، إلى الموقف الحضاري من الذات. ولو شئنا المقارنة هو استمرارية لصنع الله إبراهيم وعمله الأول طرا (تلك الرائحة). فالنخوة السياسية المفقودة والسباحة في بحيرة الخطأ الوجودي تضعهما جنبا إلى جنب.. لقد اهتما بالكثير من الفذلكة التاريخية في شؤون الذات من مأكل وملبس وجنوسة، والقليل من الهموم السياسية. والسياسة لديهما تكتسب مستوى رياضة روحية، أو تطهير للمدنس بواسطة الكد الفكري، ما يمكن أن نقول عنه (مشاعر سياسية) ولكن أبدا ليس سياسة أو عملا سياسيا ملتزما. ناهيك عن أن الحروب كانت في خلفية الأحداث وليس من الحبكة.

إن (فهرس) تتعامل مع الوطن كقضية مأسوف عليها. ومحورا الرواية، البطل الموجود نمير والبطل الغائب ودود، يتبادلان المواقع والأفكار. أحدهما يضيع في تيار الحضارة الكاسحة، والآخر يعتكف في جدران زنزانته الشخصية.

كذلك الأول يضع الحياة وراء ظهره والذات أمامه. والثاني يهتم بتجريد الأشياء العامة وذهنية المشرق التي تسقط من مضمار الفلسفة إلى مضمار الحكمة. ولكن كان كل منهما يحمل في داخله إشارة بخراب قرينه كما قال الراوي في الخاتمة (ص282).

 

د. صالح الرزوق

....................

(1) منشورات دار الآداب، 2004.

(2) منشورات الجمل. بيروت وبغداد. 2016. 285 ص.

(3) منشورات دار الجمل. 2012.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3547 المصادف: 2016-05-22 02:09:38