المثقف - قراءات نقدية

قراءة في المجموعة القصصية: رقصة الجنازة للقاص إدريس الجرماطي

ridowan alrokbiأول ما يثير قارئ أي كتاب هو عنوانه، لأنه يستجمع مختلف مكوناته، ويسعى ليكون دالا على مختلف عوالمه، ونجاح عنوان الكتاب لا يبرز فقط من خلال كونه يثير فضول القارئ إلى الحد الذي يجعله يقدم على الحصول عليه والشروع في قراءته، ولكن أيضا في دلالته العامة على ما يتضمنه من أبواب وفصول، وما تحمله من قضايا وأفكار تتطابق مع ما يوحي به أو يومئ إليه. ويعرف ليو هويك leo Hoekالعنوان على النحو التالي:" مجموعة من الأدلة ... التي يمكن أن تثبت في مقدمة نص لتعينه، وبيان محتواه الشامل، وإغراء الجمهور المستهدف."

وتأسيسا على ما سبق يتكون عنوان مؤلف القاص إدريس الجرماطي من مفهومين بارزين هما رقصة / الجنازة. يعبران عن تداخل الواقعي بالخيالي لرسم تصور واضح، يعكس طبيعة التجربة القصصية الموسومة بالعمق في تناول القضايا برؤية جديدة لم نألفها في الكتابة القصصية.وهذا ما جعل الكاتب يعنون مجموعته القصصية بعنوان القصة الأولى في هذه المجموعة القصصية رقصة الجنازة، كمقطع قصصي استهلالي يشكل بؤرة المجموعة ويبين تمفصلاتها الأساسية. وفي الوقت ذاته يشكل خلخلة واستفزاز للقارئ، يجعله يقبل بنهم على قراءة هذا العمل لفك طلاسيم هذا العنوان. ويدرك علاقة الرقصة بالجنازة، فإذا كانت الرقصة تحمل طابعا فلكلوريا يتسم بالفرح والسرور، فان ارتباطها بالجنازة كقداس مشحون ببعد ميتافيزيقي يجعل الرقصة تأخذ مدلولا جديدا يربط برؤية خاصة لطبيعة الغربة والتيه الوجودي للإنسان في زحمة مجموع قصص هذه المجموعة والذي تفصح القراءة الكلية للمجموعة القصصية عنه.

ومن هذا المنطلق فالعنوان يفصح بقوة عن موضوع المجموعة القصصية، الموسومة بغرابة عناوينها (خارج السطر، ملائكة لم تمت بعد، الحصاد في قرية ذابلة، مراسيم الجوع...) بمعنى أن القاص إدريس الجرماطي يفكك التجربة القصصية الحديثة ويعيد تشكيلها وفق رؤية جديدة مشحونة ببعد تأملي فلسفي في أعماق كينونة الإنسان، وهذا المدلول يتأكد من خلال التوغل في قراءة المجموعة القصصية، (رقصة الجنازة، سقوط حر، ملائكة لم تمت بعد....) حيث يبرز المؤلف في مواقع مختلفة طبيعة التجربة الجديدة التي يمر منها الكائن البشري في صيرورته، وهي تجربة استدعت اقتراحا فنيا جديدا يلائمها، ويحملها إلى القارئ الجديد، وليس ذلك الاقتراح الجديد سوى القصة الجرماطية، برؤاها ومضامينها وأنساقها الجمالية.

تتميز لغة الجرماطي بكونها تتجاوز استخدام اللغة الطبيعية الواقعية المباشرة التي تنبني على الخاصة التقريرية الجافة الخالية من كل رونق بلاغي وجمالي. فالقاص إدريس يوظف في بعض الأحيان تعابير قائمة على المجاز والمشابهة واستعمال الرموز لتشخيص الأحداث والمواقف وتجسيدها ذهنيا وإحاليا وجماليا. وهذا يوضح أن إدريس قد استفاد من التقنيات الغربية على مستوى الكتابة القصصية (المنولوج. الأسلوب غير المباشر الحر. فلاش باك. استشراف المستقبل...).

 فقد استند الكاتب على السرد ليقترب من الواقع أكثر لمحاكاته وتسجيله وتشخيصه بطريقة تراجيدية تعتمد الرمز والإيحاء، تجعل المتلقي لا يدرك المعنى ولا يمسك بخيوطه إلا عند آخر كلمة في القصة، كما في قصة رقصة الجنازة، الأحلام، في الطائرة... وفي نفس الوقت يلتجئ إلى الحوار قصد معرفة تصورات الشخصيات وتناقض مواقفها، (ملاك النوم، مجرد مرآة، بداية النهاية، عيون تدمع...) كما التجأ إلى المنولوج (مواجهة بدون جمهور،أوراق سجين،...) للتعبير عن صراع الشخصيات وتمزقاتها الداخلية ذهنيا ونفسيا، كما يحضر أسلوب سردي آخر يسمى بالأسلوب غير المباشر الحر الذي يختلط فيه كلام السارد مع كلام الشخصية، ولعل هذا ما سيجعل قراءة المجموعة القصصية صعبا في إدراك المعاني الثاوية وراء هذا الأسلوب، مما يحتم على القارئ التزود برصيد معرفي مستوحى من البيئة الفلسفية، ليفك بعض رموز وإيحاءات هذه النصوص القصصية. يقول في قصته: كانوا.. (انتم ذلك الواقف مصنوع بخليط يسمى الإنسان) وفي قصة: الروح والتمزق نجد ما يلي: (أأنت الجسد والروح؟ بودي أن اعرف من يسكن منكما الآخر؟ وكيف يسكنه؟ وكيف يقع الرحيل؟..).فهي لغة متعددة الأبعاد ترصد الواقع بتعددية متناقضاته، لتغوص في أغوار الذاكر تنبشها لخلق رؤية جديد في السرد العربي.

إن الصورة الإنسانية للشخصية في هذه المجموعة لا تتحقق بذاتها، بل بواسطة الكائنات والفضاءات التي تحيط بها وهذا يعني أن إدريس الجرماطي يعي كما أكد لي في إحدى لقاءاتنا أن الوعي الإنساني الكوني الكامل لصورة الشخصية إنما يتحقق على مستوى التلقي وليس على مستوى التشخصن الكلاسيكي الذي تحدده المرجعيات والاديولوجيات، التي تظل محدودة الإدراك، وهذا ما جعل القاص يختار في كثير من الأحيان، شخصيات ذات جذور عالمية (البيرتو، كابرييل، البير، بوتيرو، ستانلي...) وفي بعض الأحيان شخصيات ذات جذور عربية: ( ميلود، ليلى، عيس: بمعنى إدريس كما أفصح لي الكاتب. سليم...)  مما يوسع دائرة الوعي بكينونة هذه الشخصية.

 فشخصيات الجرماطي تتضافر مع مكونات قصصية أخرى كالفضاء والإيقاع والتلقي لتكون عملا قصصيا. لهذا لا يمكن تحديد صورة الشخصية باعتبارها مكونا واستخلاص سماتها إلا بوضعها ضمن سياقها الجمالي والأسلوبي، وذلك بضبط قواعدها الفنية التي تستند إليها الصورة عموما.باعتبارها تجسيدا جماليا وفنيا على مستوى اللغة والتعبير.لان الشخصية في رقصة الجنازة لا تؤدي وظيفتها إلا ضمن سياقها النصي الكلي، ولا يمكن أن تكون إنسانية في أعماقها إلا إذا أقنعت المتلقي بصدق متخيلها السردي. وهذا ما نلمسه في هذه المجموعة القصصية. وعلى هذا الأساس فان البعد الإنساني هو الذي يحدد هوية صورة الشخصية ومفعولها الحيوي في رقصة الجنازة ويكسبها حيوية وخصوبة في تلقي البناء التشكيلي لهذه الصورة عبر امتداداتها الإنسانية الكونية وإيقاعاتها الدينامية و المتوترة.

وعلى العموم فالمجموعة القصصية رقصة الجنازة، تضم 62 قصة قصيرة تعبر عن عمق المأساة الإنسانية، وعن التيه الوجودي لهذا الكائن في زحمة أسئلة انطولوجية تؤرق القاص إدريس الجرماطي، فيبحث لها عن أجوبة في عالم السرد القصصي الموسوم بأسلوب فني يتميز بالكثيف والاختزال واقتناص اللحظة الزمنية العابرة، وبلغة شاعرية قل نظيرها في الحساسيات السردية المعاصرة، والتي تمتزج فيها ضراوة ومرارة الواقع المعيش للقاص، بتطلعات استشرافية إلى غد يحفر في الذاكرة معاني الإنسانية الخالدة.

فرقصة الجنازة هي سنفونية سردية تتراقص على إيقاعات التشكيل اللغوي والتصويري الذي يعكس جرح وكلوم الأمة العربية، وفي الوقت ذاته يتطلع إلى تقديم إشراقات. فالخيط الناظم بين جميع قصص المجموعة القصصية، يتجلى في طبيعة اللغة المائية المتسمة بقصر دفقاتها الشعورية، على مستوى الإيقاع السردي المتجلي في الاختزال الدلالي والتكثيف الإيحائي، الذي يختزل جوهر العملية الإبداعية عند إدريس الجرماطي، الحاملة لرؤية خاصة تميز كتاباته القصصية كم نجد في كتابته الأولى (رحلة في السراب، وعيون الفجر الزرقاء). فالقاص إدريس الجرماطي مهووس إلى حد الجنون بسحر الإبداع والتخييل يصور ما لا يراه الإنسان العادي في سيرته الوجودية.

إن القارئ لرقصة الجنازة للقاص إدريس الجرماطي سيستمتع بلا شك باللغة الإيحائية الراقية المفعمة برؤية فلسفية، وبجمالية الحبك السردي المأسور بعالم الدهشة والتخييل الشيء الذي سيجعل المتلقي يرقص.. ويسافر.. ليرسو في جزيرة سردية تربتها حفر في الذاكرة الموشومة بالضياع والتيه الهيدكري، وأشجارها نصوص قصصية قصيرة، ولكنها طويلة الدلالة وعميقة المعنى، وأغصانها لغة رمزية إيحائية مشحونة بأبعاد ودلالات متعددة، وثمارها نفس جديد في الكتابة السردية في الوطن العربي.      

 

د. رضوان الرقبي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3574 المصادف: 2016-06-18 02:57:27