المثقف - قراءات نقدية

طارق الكناني: عالم (يوتوبيا) وسوداويات أحمد خالد توفيق

tariq alkinaniرواية: أحمد خالد توفيق

الإستهلال: كان لبريخت (حقاً إنني أعيش في زمن أسود.....

 الكلمة الطيبة لا تجد من يسمعها

 الجبهة الصافية تفضح الخيانة.......

 والذي مازال يضحك .....

 لم يسمع بالنبأ الرهيب.....

 أي زمن هذا؟؟ )

إختار الكاتب هذا المقطع ل (برت ولت بريخت) إن عبارة (والذي مازال يضحك لم يسمع بعد بالنبأ الرهيب) هي عنصر المفاجأة والصدمة الغير متوقعة ...

ورد مصطلح الأغيار في الرواية: (لسان العرب ... لإبن منظور) قيل: غير بمعنى سِوَى، والجمع أغيار، وهي كلمة يوصف بها ويستثنى، فأن وصفت بها اتبعتها إعراب ما قبلها، وإن أستثنيت بها أعربتها بالإعراب الذي يجب للإسم الواقع بعد إلاّ) ..إنتهى .

الرواية تنتمي إلى روايات الرعب والفنتازيا بأسلوب سردي وهذا النوع من الروايات يتطلب خيالاً واسعاً ومفرداتٍ عميقة وأسلوب شاعر متمكن، والقاص قد أبحر بنا في عالمه الإفتراضي يوتوبيا بأسلوب أدبي متفرد ومشّوق فهو يرسم عوالم متداخلة الأول هو ما يعيش فيه فعلاً والثاني ماتدور أحداثه في عالمه الإفتراضي الذي أوقع نفسه فيه من خلال شخصية (الصيّاد) وهذا العالم تمحور حول عدة إتجاهات منها (إتجاهات إقتصادية، وسياسية، وإجتماعية).

الإتجاهات الإقتصادية : فيما يخص بلد الكاتب هناك إرهاصات خضع لها الكاتب بقصد أو دون قصد وسبب هذه الإرهاصات هو العامل الاقتصادي فانعدام الطبقة الوسطى أو قلة التمثيل فيها في المجتمع (المقصود) أفرز هذا النتاج الأدبي والذي يحاكي بشكل مباشر الفوارق الطبقية الموغلة بالتباين بين طبقة مسحوقة حد الإعياء وطبقة غنية حد تجاوز الترف بمراحل، والذي بلغ حداً من الترف أن يجعل عملية القتل والموت منظراً فاتناً بالرغم من كونه منظراً مريعاً ويبحث عن أماكن يمكن أن يصطاد بها فرائسه في مكان خطير بالرغم من توفرها في محيطه وبأبهى صورها فهو هنا قد تجاوز حد الترف (ويذكرني هذا النوع من الترف) بالعصر العباسي عندما وصل الترف بالأمين ابن هارون الرشيد بعدم قبول الجواري فراح يبحث عن بغيته بالغلمان فما كان من والدة الخليفة إلا أن أبتكرت له (النساء الغلاميات) وهن نساء على قدر وفير من الجمال كانت تلبسهن ملابس الرجال (الجبة والعمامة) وتضيق الملابس من الخصر لتظهر خلفياتهن وتجعلهن يسرن في موكب الخليفة حتى يثار خليفة المسلمين ويطلبهن للفراش ....هكذا هو الترف ....!

قد يكون الكاتب قد أوغل في تصور هذه العوالم إلا أنها مستمدة من توجهات المجتمع - بلد الكاتب- حيث تم بناء عوالم من هذا النوع محاطة بأسوار لا يمكن لغير المنتمي أن يلج هذه العوالم إلا بصفات دونية، وقد يكون الكاتب يحذر من فتح باب الإستثمار الأجنبي فهناك إشارة واضحة بهذا المعنى حين ذكر (إحتلال العراق) ...ففي الإستثمار الأجنبي نوع من الإستعمار، وفي هذه المستعمرات يعيش هؤلاء المستثمرون في عوالم لاتنتمي للمجتمع المحيط بها فهي تنقل رغباتهم وأمراضهم التي ضاقت بها مجتمعاتهم إلى هذه المستعمرات، وهناك شواهد كثيرة على هذا الشيء، ففي بغداد قامت إحدى الشركات الأمنية (بلاك ووتر) أو بالأحرى مجموعة من أفرادها بعملية الأصطياد هذه في وسط بغداد وقتلت حوالي (47) عراقياً (للمتعة)!! وقسم منهم يحاكمون الآن في الولايات المتحدة لعدم إمكانية محاكمتهم في بغداد ...!!! هكذا هي هذه العوالم لم تمنح المواطن حق الإعتراض حتى على من يقتله، فالكاتب لم يذهب بعيداً بتصوراته هذه....

الإتجاهات الإجتماعية: نتيجة للترف الإقتصادي التي تعيش به هذه الطبقات وحيث أنها لم تجد في المصريين المسحوقين ما يعزز الروابط الإجتماعية بها حيث ما زالت هناك طبقات المجتمع البرجوازية تفتخر بأصولها التركية والشركسية وتنظر بنظرة دونية إلى طبقات المجتمع الأخرى، حيث درجت هذه الطبقات على محاكاة الغرب في كل تصرفاته وطرق المعيشة وهو أسلوب قائم على الفصل العنصري بين الأجناس ففي الرواية هناك طرح للأمراض الإجتماعية التي تفتك بأي مجتمع وهي الآن متفشية بشكل واضح بالمجتمعات العربية عموماً والمجتمع المصري بشكل خاص منها (المخدرات، الدعارة، التسول، السرقة (النشل) ناهيك عن تفشي حالات النصب والإحتيال والجريمة المنظمة والأخيرة هي من إختصاص طبقة يوتوبيا (العالم الإفتراضي) الذي رسمه الكاتب ....!!!

كان الكاتب حريصاً على تضمين روايته الكثير من الإحصائيات لها علاقة بالرواية وهي مستمدة من سجلات حكومية .ولكون مهنة الكاتب تتيح له الحصول على هذه الإحصائيات فقد جاءت تحمل بعض الدقة إذا ما إستثنينا الجرائم التي لم يبلّغ عنها وخصوصاً جرائم الإغتصاب التي عادة ما يخفيها الشرقيون تحاشياً للفضيحة ودرءاً للعار الذي قد يلحق بالعائلة وكذلك هناك جرائم جنسية يتم التغطية عليها لكونها تصدر عن أحد المحارم مثل الأب و الأخ و الأبن و العم والخال والجد وهذا ما تناولته الكاتبة الدكتورة نوال السعداوي في كتابها( الأنثى هي الأصل).....

 الإتجاهات السياسية : كان الكاتب حريصاً على طرح كل المخاوف الإقتصادية التي قد تنجم عن عدم إتخاذ قرار سياسي يوازي قرار إسرائيل في فتح قناة أخرى توازي قناة السويس .للقضاء على مكانة قناة السويس الإستراتيجية وبالتالي تعريض مصر لفقدان الكثير من ناتجها القومي الأمر الذي يعرّض مستوى الدخل للفرد المصري للإنخفاض بحيث يصل إلى (32) جنيهاً للدولار الواحد وهو رقم قد يقضي على الإقتصاد المصري إذا ما قورن الآن حيث يعادل الجنيه المصري 7،15-7،40 للدولار الواحد .

إن وقت كتابة الرواية وهو العام 2008 كان الوضع السياسي في مصر متأزم (وضع ثورة)، كان الكل متأهب للإنقضاض على السلطة وما يمثله رجال السلطة من طبقة مترفة وعوالم مختلفة عما يبدوا عليه الوضع الحقيقي في مصر حيث تقابل هذه الطبقة المترفة بالجانب الآخر عالم مسحوق كان الجو العام مشحون باتجاه الثورة وتغيير النظام وخصوصاً هناك تغذية لهذه الروح جاءت عبر وسائل الإعلام الغربية في بث هذه الروح وإطلاق مصطلح ( الربيع العربي) فكانت الثورة بالفعل وأعقبتها ثورة تصحيحية بعدما أفرزت الثورة الأولى نتائج كادت تفضي إلى ضياع مصر ولكن الشعب المصري تنبه إلى العملية وسرعان ما أعاد نفس المؤسسة القديمة إلى الحكم ولكن بأسلوب أكثر ديمقراطية من النموذج الناصري.

 

الرواية:

كان الجو العام للرواية يغلب عليه طابع الإحباط والسوداوية، وقد يكون الكاتب بالغ في تصوراته ولكن الزائر لمصر وعندما يزور القاهرة ويمر بمحافظة الجيزة سيشعر بهذا الإحباط اللاإرادي عندما يرى الكم الهائل من النفايات والأحياء العشوائية التي فاقت حد التصور، فمثلاً عندنا في محافظة كربلاء بالعراق - وهي مدينة جاذبة بحكم موقعها الديني - هناك (37) حي عشوائي وما ينتج عن هذه الأحياء من نقص بالطاقة والماء والخدمات والنفايات إلا أنها لاتوازي( 1-1000000 )من الذي شاهدته من خلال مرور سريع على الجسر المؤدي للقاهرة وحده ناهيك عن مياه الصرف الصحي التي أصبحت تنزل من خلال أنابيب الماء الصالح للشرب وهذا ما سمعته من خلال لقاء إذاعي مع مدير الماء والمجاري بالقاهرة .... ولكن في نفس الوقت رأيت تطوراً ملحوظاً خلال أسبوع من زيارتي في بعض الخدمات البلدية وكان هناك أيضا مشاريع أعمار قد باشروا بها ....وهذا لا يعني أن الكاتب كان محقا في كل تصوراته. فقد تم الإعلان عن إنشاء قناة موازية لقناة السويس وقد تم طرح أسهمها للجمهور المصري وكان الإقبال كبيراً.

فالكاتب كان قاسياً في رسم تصوراته المستقبلية للشعب المصري الذي غيّر الكثير من المعادلات الدولية بعناده وقوة إرادته وأنا هنا لا أتحيز للشعب المصري ولكني أنقل حقائق كثيرة من الأرض فقد لمست الإباء وعزة النفس وحب الغير لا أعرف إن كان هذا الحب يقتصر على السوريين والعراقيين ولكني وحسب معايشتي الطويلة مع الشعب المصري أرى أنه شعب ودود ولديه وفاء وغيرة حقيقية .....

والكاتب هنا في الرواية حين جمع شخصيتين من عالمين مختلفين يحملون مستوى واحد من الثقافة نرى إبن المجتمع المصري كيف تصرف حيال نقطتين جوهريتين الأولى حين أراد جابر إغتصاب (جرمينال) وهي فتاة كان الجنس عندها شيء مباح حيث مارسته بكثرة وأسقطت عدة أجنّة فهي ليست بتلك الطهارة التي يخشى أن تتدنس ولكنه حين ذكر أخته أصيب بالبرود وتركها وعافتها نفسه بالرغم من هوسه الجنسي بها وجموحه, وثانياً حين طلب القوم تسليمه هؤلاء القادمين وهما صيادان جاءا ليصطادا فريسة منهم ليقتلوها ويأخذوا منها تذكاراً ولكنه رفض هذه الفكرة وقرر أن يجازف بحياته وحياة أخته وتخلى عن حماية أصدقاءه له وقرر إنقاذهم وهو يعرف أنه سيقتل في هذا اليوم. والنتيجة هي أن قام (إبن يوتوبيا) بإغتصاب (صفيّة) أخته الباكر والمريضة بالتدرن الرئوي ولم يكتف بذلك بل قتل جابر (نفسه) وهو سبيل الخلاص الوحيد له بل تمادى أكثر فقطع يده ....!!!

.هنا يبرز بشكل واضح إنحطاط مجتمع (يوتوبيا) الذي تربى على سياقات تعتمد الغدر والدونية والإنحراف وكل الأمراض الإجتماعية الأخرى أسلوباً لحياتها. فهذه الأساليب لم تُفرض عليهم ولكنها متجذرة بهم كمجتمع لا يمتلك أية قيم سوى قيمة السلطة والمال فهو يخشى كل شيء يخص البلد ويحتمي بالغرباء على عكس الأغيار الذين كانت حمايتهم من أنفسهم .. وهناك مفارقة أخرى طرحتها الرواية ذكرتني ببعض طباع العرب وهي قيام مجتمع (يوتوبيا) بممارسة كافة أنواع الرذيلة والمحرمّات ولكن حين طلب منه جابر أن يأكل الدجاج الميت إشمأزت نفسه وهو الذي لم يتبق نوع من المحرمات إلاّ وجربها..!!.

فهذه الإزدواجية بالمعايير تمنع المجتمع من الرؤيا الحقيقية لكل أعرافه وعاداته وتقاليده بل وحتى دياناته. فالدين عندنا يُصاغ وفق الأعراف وليس العكس. ولهذا نرى اليوم عملية التدني الأخلاقي التي نحن سائرون وعاملون بها.

إن قتل جابر وإغتصاب (صفيّة) ليست بالشيء الجديد على الأغيار فهذه الجريمة تحدث كل يوم .. إذاً لماذا ثار المصريون نتيجة هذه الحادثة ...؟ كما أعتقد أن هناك رمزية واضحة في هاتين الشخصيتين فشخصية جابر كانت تمثل (الغيرة المصرية) الحقيقية وشخصية إبن البلد وهؤلاء يريدون قتل هذه الغيرة الأمر الذي رفضه المجتمع بأسره وصفيّة كانت تمثل (النقاء والعفة) في المجتمع المصري فهم يريدون ضياع هذا الموروث الجميل والأصيل من المجتمع وأقتبس من الرواية التالي : ( يجب أن يتناسب حجم المقاومة مع قيمة ما يدافع المرء عنه ...) وهو لم يدرك ما قيمة عذريتها وعفتها حتى قال له راسم (يتوقف الأمر على قيمة ما يدافع المرء عنه بالنسبة له وليس بشكل مطلق...) إذاً فالدفاع الذي أبدته صفيّة كان دفاعاً حقيقياً كأنها ملكة مثل كليو باترا كما وصفها في حين لم يصف أي من عشيقاته بهذا الوصف ... فهذا الموروث (العفة والغيرة والإخلاص) هو ما ثار لأجله المصريون ضد أناس أرادوا أن ينتزعوا منهم هذا الخلق الكريم !

 

وهنا أطرح عدة تساؤلات:

1- لماذا لم تفضح صفيّة عملية إغتصابها وتبوح بها لأخيها ولكانت قد وفّرت على أخيها رحلة الموت تلك وسلّمت هذا المجرم للعدالة ....هل فعلاً كانت خائفة على أخيها، فلو كانت فعلاً خائفة على أخيها فالأجدر بها أن تبلغه بغدر هذا الجبان ..أم كانت تخاف من الفضيحة فهي لم تجرب ما ثمن هذا الفعل ...؟

2- من كان أكثر تدني في الخلق الأغيار الذين كانوا يعيشون في واقع أشبه بالخيال من حيث الفقر وإنعدام الخدمات والجوع يفتك بكل شيء، أم مجتمع يوتوبيا الذين عاشوا بترف يفوق التصورات؟.

3- لماذا أوغل الكاتب بتصوراته تلك هل يمكن أن يخضع هذا المجتمع الذي بنى أعظم الحضارات لهذه المتغيرات ويتركها تلعب به وتقوده إلى هذا المستوى .فمن غير المعروف عن المصريين طريقة الخنوع تلك؟

4- لماذا وصلت حالة الإحباط بالكاتب إلى هذا المستوى. مالذي حدث خلال تلك الفترة الزمنية وإذا ما أخذنا مهنة الكاتب بنظر الاعتبار فهي مهنة تتيح له الاطلاع على أمور كثيرة فمهنة الطبيب هي مهنة تنكشف من خلالها أقنعة المجتمع المتعددة التي تحاول تجميل بعض الصور بالرغم من قباحتها . فالعاملون في سلك الشرطة ومهنة الطب يطّلعون على الخفايا بشكل أكبر وأوضح من غيرهم؟

لقد أجاب الواقع المصري الحالي عن الكثير من تساؤلات الرواية واثبت بأنه اكبر من أن ينزلق إلى هذا المنزلق الخطير فهو أقام الثورة وقضى على الكثير من المستغلين وأعاد إنتاج الثورة في 30 حزيران حيث صحح إتجاهها وقرر الشعب أن يبنى بلده ويحفر قناة السويس مرة أخرى.... ولم يسبق وإن خذل النيل أرض مصر حتى يعتاش المصريون على أكل الكلاب، فأرض النيل أرض معطاء وهاهي خيراتها تصلنا بانتظام ونأكل منها ....

 

 طارق الكناني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3628 المصادف: 2016-08-11 03:32:24