المثقف - قراءات نقدية

رحمن خضير عباس: سطوة الجدار في رواية الذلول

rahman khodairabasرواية الذلول هي الرواية الوحيدة للأديب العراقي عبد الحليم مهودر، ضمن لائحة مؤلفاته وأعماله غير القليلة، ومنها مجموعة مسرحيات، ومجموعة قصصية، وحكايات ساخرة. إضافة الى إشتغاله على أفلام وثائقية وتسجيلية منها مجزرة النخيل وشط العرب وجمانة البحر. وكلها أعمال سينمائية، وهذا مايفسر أن روايته هذه - أعني الذلول - قد إتخذت منحى سينمائياً من حيث التقنية، وكأن فصولها التي تربو على الأربعين، ما هي إلا سيناريوهات ومشاهد ولقطات سينمائية، من حيث دقة التصوير وإختيار الزوايا والأبعاد والفضاءات. ولذا فان الرواية كانت نسيجا معقدا من المشاهد الجزئية والكلية، المضيئة منها والمعتمة، لاتعتمد على المألوف من الفن الروائي الذي يتعامل مع نمو الأحداث وتصاعد وتيرتها حتى الولوج الى العقدة، ومن ثمَ تأتي النهايات التي تحاول فك العقد وتقديم الحلول والتفسيرات. لكن هذه الرواية أصرّتْ أنْ تنأى بنفسها عن السياقات التقليدية للسرد، مستفيدة من جمالية التكنيك الروائي لرواد التيارات الروائية الحديثة التي إعتمدت على تيار الوعي، الذي يعني :

الإنسياب المتواصل للأفكار داخل الذهن، أوكما يقول برامز "الجريان المتواصل للمدركات أو الأفكار والمشاعر في الذاكرة المتيقظة "

يتأسس السرد على لسان ذات أرهقتها الجدران. تلك الجدران التي تنمو كأسوار فولاذية تسحق القدرة على التحرك. السجن بحد ذاته جدار هائل سحق تلك الذات وطوّعها، وكسر فيها قابليتها على التحرك، كان يكتب على جدران السجن قصة عذاباته وكأنّ تلك الجدران قد تحولت الى كتاب العمر.وحالما يتوهم البطل أنه تحرر من هذا الجدار حتى يجد أن ثمة جدرانا اخرى ترتفع بوجهه وتحيطه بمذلة اللجوء الى مدينته الكبيرة التي لم تكن معنية بإستقباله،مما جعله يلجأ الى بقايا سفينة حديدية متأرجحة مابين اليابسة والماء، لكي يقضي أيامه فيها، ولكن جدران (الدوبة) الحديدية التي جعلها ملاذا لم تقيه من أصوات المطارق التي تنثال على جدرانها الحديدية، ولا السحالى ولا الأفكار العاصفة التي تنبعث من الماضي.

حتى زوجته أماني التي عاشت جحيم الثكل،حاولت أن تغرز أظافرها في الجدران. حينما استفسر عن نهاية زوجته، قالوا له

"إشتكت الى الجدران، لطمت بشكل محزن حتى ملّ اللطم منها، لقد جُنتْ وأصبحت تجوب الشوارع، وتتحسس الجدران " لكنها لم تستطع أنْ تخترقها لتصل الى سكون النسيان "

يبدو الجدار عاليا أمامه من خلال سلطة الجد. تلك السلطة العاتية التي غيرت مسار ومصير العائلة، وذلك من خلال قرار لم يستشر فيه أحدا من العائلة، وذلك إنطلاقا من فهمه للمعجزة التي أدت الى حرق الطفلة (عمة البطل) دون ان يتعرض جزء من صدرها الى الحرق لأنها كانت تمارس طقوس عاشوراء. انه الجدار الذي وضعه جده بشكل إستباح إراداتهم، إنه موروث ثقيل وحاد

"تغتسل روحي بمياه نهر الكواز..تعلم أنه كان ديرا ولكنه بعد حادثة الحريق،تحولت أنت الى الإسلام، وجعلته جامعا. لم أستطع مسامحتك على تغيير دينك"

تتمحور الرواية حول ارتكاب جريمة من نوع خاص. أب يقتل إبنه، فيحكم على الأب القاتل بربع قرن من السجن. يقضي محكوميته بين عذاب السجن والعزلة من ناحية،وبين عذاب الضمير من ناحية أخرى. وحينما يطلق سراحه. لم يجد من يأويه من الأهل والأقارب والمعارف. فلجأ إلى حطام سفينة ملقاة على الشواطيء. هذه الدوبة الحديدة هي سكنه الوحيد. ومن خلال الرواية نكتشف أن القاتل الذي يقوم بعملية السرد للأحداث من عائلة مسيحية. كان جده قد حصل على قطعة أرض من الوالي، فبنى كنيسة على نهر الكواز. وحينما إحترقت الأرض والكنيسة والدار الملحقة بها والتي يسكنها الجد وإبنته الصغيرة. والتي ماتت حرقا وحينما علم ابوها (الجد) بان قطعة من صدرها لم تحترق وهي التي كانت الطفلة تلطم صدرها في أيام طقوس عاشوراء. حوّل الجد دينه الى الإسلام واتخذ من المذهب الجعفري طريقا له. ولم يكتف بذلك بل حوّل الكنيسة الى حسينية. أما حفيده بطل القصة فتبدأ رحلة عذابه مابعد إكمال محكومية السجن للبحث عن زوجته التي جُنت حزناً على إبنها القتيل.

ولكن هذه الخلاصة التي قدمتها لكم بيسر وسهولة، وقد أكون مجحفا في تفسيري لأحداثها. لم يقدمها الكاتب بهذه الكيفية. بل كان حريصا على تقديمها بشكل فني لايخلو من تعقيد، بحيث أنه جعل القاريء يلهث وراء تشابك الأزمنة والأحداث والمشاعر والأمكنة. وعليك كقاريء أنْ تستنبط بعضا من معانيها ومؤثراتها من خلال هذا الفيض الهائل من اللقطات التصويرية والتي تتقاطع مع فيض من الرؤى والمشاعر والأوهام وغيبوبة الوعي التي تحاول أن تعشعش في الذاكرة.

إنه التأرجح بين ماض غامض وحاضر أكثر غموضا. هذا الرجل الذي نستمع الى فحيح صوته وهو يتعذب ويعضّ أصابع الندم، لا نعرف عن ماضيه شيئا، سوى هذا النتف التي تظهر أمامنا فجأة وتختفي. انه ليس بمجرم عاد، وإنما رجل يدرك فداحة اللحظة، كما يدرك أنه إرتكب جريمة تستحق هذا العقاب. كما أن الخروج من السجن بسنواته الطوال لم تغسل الخطيئة التي إرتكبها، وإنما كثفت من حجم آلامه فقد أدرك بأنه من جيل ينقرض. أدرك ذلك حينما كان يبحث عن أصدقاء الأمس، ولم يجد أحدا منهم.نكتشف إنهم مجموعة من المثقفين والفنانين. ومن خلال هذا الوسط نستطيع أنْ نتفهم ماهيته وشخصيته قبل الحادثة. هذا المثقف الذي يعيش الواقع بكل تفاصيله، يقع في هذا الخطأ القاتل بإرتكابه هذه الجريمة التي تمت بشكل غامض وغير مفهوم، وفي لحظة غامضة ضغط على الزناد، دون بواعث أو أسباب، ودون شرح لتلك اللحظة التي تأتي بين الفينة والأخرى وكأنها تعيد نفسها، ولتبقيه في عقاب دائم، ومحاولة لتدمير الذات وتجرع سم الفجيعة قطرة قطرة على الطريقة (الديستوفسكية). ومع أن القتل الخطأ أو العمد هو الذي بدأت به الرواية وإنتهت. ولكن الراوي جعل من بطله على حافة الأحداث وحافة إلأزمنة. يعيش مرارة الإنفصال عن المدينة والأهل والناس، مرارة الضياع أو التأرجح بين الإنتماء الى مدينة لفظته، وبين الإرتماء بين أقدامها، عله يعيد جسور الثقة التي انفصمت عراها ذات لحظة مشحونة بالخطأ والحزن والتمزق. المدينة التي يعبر عنها بالسحلية. مالذي جعله يؤكد على التمسك بهذه التسمية؟

يعتقد روهيم " أنّ إستخدام السحلية كرمز في الأساطير كدلالة على تجديد السحلية لإعضائها التالفة والمفقودة "

لكن السحلية في الذلول تعني العدم، الغيبوبة في زمن يتفجر بالبؤس واللوعة، وهذا يأتي على نسق الرومان الذين يجعلون من سباتها إعلانا عن العدم.

السحالي تحيط بالمدينة، تتسلق حيطانها حتى تتحول المدينة الى سحلية كبيرة. وحينما حاول أنْ يتحرى أسماء المدينة التي لفظته ذات نهار مضرج بالإثم، قبل ربع قرن، كسحلية تتخلص من قشرتها، أوكحرباء تتموه لإصطياد طريدتها.

أحصى اكثر من تسعين أسما لهذه السحلية/ المدينة،

من (الشط وعروس المملكة، الىسنام الجمل والفنار، مرورا ببصرياثا الموفقية الأبلة...)

وكأنه من خلال هذا الفيض الهائل من الأسماء يتلمس قسماتها وتأريخها. ولايكتفي بذلك بل أنه في سعيه المحموم لتقصي الرموز، أحصى كل (اللوغو) الذي يزين عربات المدينة ومركباتها، وهذا الفيض الهائل من عبارات طائشة واخرى تعبر عن اليأس أو الحب أو الحكمة. ثم ينتقل الى أسماء السيارات التي إبتكرها الناس وكأنهم يسخرون من أنفسهم من خلال غرائبيتها، والتي تدخل في لعبة الوهم من خلال تغليف الأشياء بغلالة من الرمز. حتى الجسر فقد نصفه الآخر واصبح مكانا بائسا للتغوط !

لماذا تتحول الأشياء الى مكبات بشرية وتفقد حياتها وحيويتها لتتحول الى أنقاض؟ هل هي الهاوية التي يحاول البطل ولوجها من أجل البحث عن زمن ذاب الى الأبد ولن يتكرر؟

ثمة إغتراب عنيف يعيشه بطل الرواية، فهو غريب عن مدينة تحولت الى سحلية بشعة. مدينة غامضة تتشح بالخوف والرهبة :

" الشوارع عند حلول الليل متشابهة، كل شارع يلتف خائفا حول نفسه ".

نهر الكوّاز الذي غير مجراه، الكتاب المقطوع النهايات، والمكتبة التي تتحول الى محل لبيع الأحذية.الجسر الذي انشطر على نفسه، والدوبة التي تحولت الى سكنه القلق المتأرجح بين السكون والإرتجاج. " أعيش في دوبة فرشتها بالجنفاص ترقد نصف عائمة، تركها ملاحوها وأكل جوانبها الصدأ، تستقر مقدمتها على الطين وجزؤها الخلفي في الماء "

الماضي الموغل بالقلق والتبعية والخوف. إضافة الى ماضيه الغارق في الدم والندم.

لقد كانت أوجاع البطل وسيلة لغسل خطاياه،أو للتخلص من وزر الماضي في محاولة للبحث المجنون عن سر الأشياء. لقد حاول أن يستنطق مايحيط به من فضاءات، ويبث فيها الروح. الكاتب نجح في أنسنة الجدران والسحالى والنوارس والدوبة والمياه والكتب والأمراض والتواريخ المسجلة والجدران والحرائق. جعل كل ذلك يتحرك بوتيرة تلامس الوعي.

إنه حالة الضياع التي عبر عنها

" لقد ضاع عمري ما بين رسائل لم يوصلها ساعي البريد إلى أهلي وأماكن وأسماء تاهت في زحمة الخراب، أنبش في الحطام وأحفر في الكلمات "

لقد استحضر كل أصدقائه وكأنه يريد بهذا التذكر، أنْ يعلن عن قدرته على الوقوف مرة أخرى، لعله يعود الى حياة فرتْ منه الى الأبد، لذا فهو يضيع في وعي الفجيعة ويبحث عن شذرات من الماضي، قد تعينه على تحمل بعض أوجاعه. إنه الفرد الذي فقد حاضره وماضيه، وليس لديه سوى الذاكرة التي يحاول ان يبحث عن ذاته من خلالها.

الزمن الروائي كان هلاميا، لم تحدده سوى تهويمات سردية متناثرة على متن النص، حيث تنهمر الأحداث مغلّفة بمشاعر وإفتراضات البطل الذي جعلنا نلهث في محاولة للوقوف على زمن النص الذي يتأرجح بين أوقات قريبة وأخرى نائية، من خلال خيبة رجل يصطدم بكل شيء. رجل خرج أعزلا من السجن لايمتلك الا الرفض. هو رافض لتبديل دينه الذي تم من قبل جده، رافض لميراث التعب الذي أرهقه،رافض للدماء التي سفكها ذات يوم. لقد توزع رفضه لكل ما يحيط به في المدينة ولكل الأشباح الآدمية التي تتقافز عبر ذاكرته الملوثة بالخطيئة. ومع رفضه فكان في عملية بحث منهكة. بحث عن أخوته، عن الكنيسة، عن جدران بيته،عن الكتب التي ضاعت والمكتبات التي تآكلت، عن الناس الذين إنكمشوا على ذواتهم. كان يبحث عن الأسماء التي كانت تشاركه شبابه من أصدقاء الأمس الذين إنطفئوا جميعا، وعن الأمكنة والأزمنة في نفس الوقت، لذلك فقد كان الكاتب عبد الحليم مهودر قد رسم شخصية روائية ذات ملامح خاصة، وشحنها بفيض من الرموز والإيحاءات، حتى أصبحت قادرة (أعني شخصية البطل) على تجسيد الخراب الذي تسلل من بنية المدينة الى الروح الإنسانية، تلك الروح التي وجدت نفسها متأرجحة بين قسوة الخيال وغربة الواقع.

لقد أفاض في استخدام الرموز، حتى أصبحت الرواية وكأنها نسيج متخم بالدلالات، دون أنْ يحاول فك الألغاز، بل تركها لمصيرها، ومنها رمز التحول من المسيحية الى الأسلام من قبل الجد وتحويل الكنيسة الى حسينية، وإستخدام الطقوس المذهبية لحادثة الطف. كما تناول موضع الكتاب الذي كتب ولكنه تعرض للتلف والنسيان، وتبعته المكتبة العامرة التي فقدت روادها وعبثت بها يد الزمن لتتحول الى محل لبيع الأحذية. وهناك النهر التي غيرت ملامحها والجسور التي انشطرت، والأسماء التي تفشت في جسد المدينة، والنار التي أتت على الطفلة دون ان تحرق موضع اللطم. والمدينة الكبيرة بحد ذاتها وأسد بابل والحوار مع الأطباء وغموض القتل ودوافعه، وغيرها من الرموز الذي أغرقت النص، دون أنْ يتدخل الكاتب لفك مفاتيحها،وكأنه يريد استفزاز المتلقي للبحث عن السر في الحياة التي نعيشها بشكل يومي دون أن نساهم في إنتاج حركتها. أونساهم في تفسير عتمتها.

لقد كانت اللغة في الرواية تعتمد على السرد الذي يسود فصول النص،معتمدا على صوت السارد الذي يصف ويتكلم ويحاور ويصمت أو يكتب، مستخدما ضمير الأنا أو المخاطب، وقد ساد هذا الصوت بإستثناء بعض الإستراحات القصيرة والتي شاركته بعض الأصوات الأخرى.

وقد إستخدم الروائي الكثير من أسلحة البلاغة التي يمتلكها، حتى أصبحت نصوصه ذات صبغة تقترب من الشعر أحيانا، من حيث قوة السبك والشفافية، في إختيار المفردات والإعتماد على الجمل السريعة والبليغة والمؤثرة. تلك الجمل التي تنهمر مسرعة ومثقلة بالدلالات ومشحونة بالمشاعر. كما إتسمت بعض الفصول بمسحة مسرحية إيمائية تعتمد على البطل الواحد الذي يصوغ الحدث وينغمر فيه، لذا فقد كان دقيقا في إختيار مفردات الحياة المعاشة والذي تمثل في إختيار المفردات العامية، والتي لمّعت الحوار وشحنته بحيوية مضافة.كما إستخدم المسميات التي يتداولها العامة من الناس.

أما من حيث التقنية فقد إعتمد على الفصول القصيرة المشبعة بالإثارة حتى نجح في القبض على إهتمام القاريء لمواصلة البحث والإنهماك بالتعامل مع الأحداث والأفعال. إضافة الى أنه حرص على الإبتعاد عن الأساليب الروائية المُستهلَكة، وذلك من خلال إضاءة الأحداث على هيئة جرعات قصيرة ومدروسة دون أنْ يقدمها دفعة واحدة. وقد كان بارعا في هذا المضمار.

كنّا نعتقد بأنه سيصل الى عقدة الرواية، والتي تتمثل في كيفية حدوث الجريمة وماهي الدوافع التي جعلته يقترف مثل هذا الجرم الذي كلفه هذا اللهاث والضياع والندم. ولكن الكاتب لم يخضع لرغبات الفضول لدى القاريء، بل أصرّ على ترك الأمور سائبة النهايات. وكأنه يريد أن يقدم لنا مجموعة من الإشكالات الحياتية الحادة دون التوغل في تفاصيلها الحكائية.

وبذلك فقد قدم لنا عملا روائيا جميلا، ذا رؤى وقيم فنية وفكرية ملتزمة.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3650 المصادف: 2016-09-02 03:03:54