المثقف - قراءات نقدية

رحمن خضير عباس: سندباديون والعودة الى النبع

rahman khodairabasموسى غافل الشطري قاص يكتب بغزارة وتلقائية، وكأنه يريد أن ينفلت من قبضة الواقع وقسوته، هاربا الى النبع الجميل الذي قد يكون غرفة صغيرة أو بستانا أو ريفا جميلا أو حتى حينما يكون النبع مجرد أحلام طارئة . قصصه تحاول أنْ تؤرشف البراءة في الطفولة، عذوبة الريف بشظف عيشه وبقسوة طباعه، المحبة التي تسكن الناس وتتغلغل فيهم، العشق الجميل بين الناس كمعادل موضوعي يقابل شظف العيش وكأنهم يحتمون به من قسوة مايحيط بهم، نصوصه تستمد موضوعاتها من القرى النائمة بسكون، بنخيلها وجداولها وبيوتها الطينية التي تلوذ ببعضها،وتستمد نصوصه من بعض المدن شيئا من ملامحها وسماتها التي تبتلُّ بدمع الموت .

قصصه تتناول الأعراف والتقاليد والطباع، تلك التي تنهش في نفوس الناس وتفترس صفو غرائزهم . حيث العادات الموروثة من الأسلاف حتى الأخلاف . تستشهد بالأغاني وأناشيد الطفولة، والحكايات التي تسيل من أفواه الأمومة . والحب الحرام الذي يدنس شرف القبيلة، والذي لن يتطهر الا بقربان الدم لغسل العار حيث يعود القاتل وهو في خيلاء الفخر والظفر لأنه وأدَ قلبا اراد ان يتمرد على قدره . كل ذلك وغيره تضمنته قصص تلك المجموعة التي أطلق عليها سندباديون والتي ضمت نحو ثلاث وعشرين قصة قصيرة وواحدة فقط قصة طويلة .

وللكاتب اسلوبه الخاص وطريقته فهو يحتفي بالعبارة وينتقي المفردة المعبرة والموحية بعناية، ويغوص في قاموس المفردات الريفية، فينفض عنها غبار النسيان ويقدمها في نصوصه ليعيد اليه بعض تألقها  . لكنه يميل الى الإسهاب في الوصف ويثقل نصوصه بالحوار الذي يؤثر سلبا على سلاسة السرد، ولكنه أحيانا يأتي منسجما مع السياق .

ومع أنه كان متأثرا بجماليات القاصين العالميين الذين يلجأون الى الدمج ما بين الوعي واللاوعي حتى تتداعى الأحداث من خلال اللحظة المعاشة ومن خلال الذاكرة، أو مايسمى بالتداعي .لذلك اصبح يمزج بين الأزمنة في عملية تداخل جميل.

لكنه أحيانا ينساق وفق رومانسية بدائية جعلت بعض القصص دون المستوى كبساط الريح وفضاءات قزحية وغيرها والتي لم تكن بمستوى القدرة الإبداعية للكاتب الأستاذ موسى غافل والذي تألق في القصص الأخرى ولاسيما (الجذور المتوحشة ورحيل خريفي والمغزل وغيرها ) . وفي كل ذلك كان الكاتب حريصا على رسم لوحات قصصية إندمجت مع حرارة الواقع، الذي يريد الإنفلات من قبضته فيذهب الى الأخيلة التي تتكأ على بعض المعتقدات الدينية والمذهبية المتأصلة في الوعي الشعبي ومثال على ذلك قصته الطويلة ( سندباديون ) حيث الطفلان ولودي وحمودي اللذان يحلمان في أنْ يعرجا الى السماء بحثا عن الآباء، الذين ماتوا بشكل غامض . إنه البحث عن الموت الذي يجتاح الكبار ولايترك للصغار سوى حيرة البحث، وإستحالة العيش بدون رعاية الآباء

" أدرك حمودي،بأنّ الآباء يرحلون، عبر طريق مستقيم كالحبل، ينقلون أقدامهم عليه بحذر كي لايسقطوا في النار "

ومن خلال حوار الطفلين يكثّف الكاتب هيمنة الوعي الذكوري الذي ينمو مع الأطفال في بقاء الأنثى مملوكة للذكر حتى بعد فنائه، وقد وظف الكاتب هذه المفاهيم والتي إستلّها من الموروث العشائري والموروث الجمعي، الذي يجعل من الذكر القطب الوحيد في الحياة.

وما رحلة الطفلين الا نوع من انواع البحث عن الخلاص في العالم الآخر . وكأني برسالة الغفران لأبي العلاء المعري الذي حاول أن يكتشف من خلال الأخيلة ملامح من غادرروا الدنيا، وماهي طبيعة أعمالهم في الحياة الأخرى .

لم يستطع الكاتب أن يقنعنا عن علة موت الرجال فقط، وأغلب الظن أنه جعل من موتهم على صعيد المضمون تكثيف للمأساة حيث تبقى العائلة بدون حماية إجتماعية وبدون غطاء إقتصادي . وبغض النظر عن الدوافع والمرامي الرمزية التي كان يسعى اليها الكاتب . لكن الحقيقة التي اراد الوصول اليها إنطلاقا من خلفيته الفكرية المتفتحة هي :

إنّ موت الرجل هو موت للمرأة . فهي صدى باهت له، ويجب أن تدفن في قبره كل طموحاتها وأحلامها ونظارة شبابها وإنسانيتها، إنها ذات الفكرة التي تألقت في الزمن البهي عند الفراعنة او السومريين . المرأة لوح باهت يجب أن يبقى صدى للذكر الراحل وبعكسه فقد تسقط في عيون المجتمع . وهكذا ينظر الطفل حمودي حيث أخرجها من فردوس مخيلته بعد زواجها . اما ولودي فقد بقيت أمه شعلة من الفخر مادامت تذوي في الحزن الأبدي وتنأى عن حاجاتها الإنسانية في الحياة العادية من استهلاك لفحوى اللحظة، ولمعنى الجسد الذي يتلظى تحت فحيح الرغبات المستحيلة . رغبات إغتالتها يد القدر بموت زوجها . لكن الثيمة الرئيسية لهذه القصة تتناقض ومفهوم الفكرة أو الرمز السندبادي الذي يكمن في عملية البحث والمغامرة في البلدان التي تلامس الوجود الحقيقي الذي يحيط بالإنسان . لذلك تنطوي رحلاته على معنى حكائي يختلط فيه الواقع بالخيال، ويترجم توق الإنسان الى إكتشاف التضاريس الجغرافية النائية . ومن ثم العودة الى نقطة الإرتكاز، لتحويل المغامرة الى شكل حكائي .

أمّا قصة رجل خريفي فتتناول إشكالية التوازن العاطفي وحقيقته، فهذا الرجل الذي تزوج إمرأة تصغره سنا . فهو يعشقها ولاتبادله المحبة . وبالعكس فان زوجته الأولى التي فرط بها، أتته في ضعفه حينما تعرض الى الموت ..أتت لمحاولة إنقاذه من براثن الإهمال من قبل زوجته الصغيرة . ورغم أن الحكاية تكاد أنْ تكون مستهلكة ولكنها وظفها بشكل آخر لتأكيد الهواجس الإنسانية كالمحبة التي تتجاوز حدود الفعل ورد الفعل كما طرحت القصة مسألة العواطف والرغبات التي تستيقظ أحيانا وتموت أحيانا أخرى، وقد استخدم فيها بعض المفردات الملتصقة بالريف، ولكن القصة سقطت في شباك الوعظ الحياتي، وإستخلاص العبر.

إما قصة طارق الليل فتكاد أن تنفرد بخصائص تجعلها لوحة فنية . فيها الألوان والأضواء والعتمة والصوت والمطر والبرد، لقد حاول الكاتب بريشة فنان أن يجمع هذه المفردات والدلالات لصياغة قصة تمثل الصراع من أجل البقاء . فهذا العاشق المجنون يتخيل ليلاه الوهمية وقد تفصد جسدها بالضوء، كان يهيم في الأسواق ويردد أشعار شوقي المعروفة . وكانت مدينة الشطرة مسرحا لهذه القصة، التي يمتزج فيها الواقع بالخيال . حينما يصل العاشق الى مقهى عبيد قرب الجسر وكان الليل والمطر والبرد والتعب وقيس يتجول في المدينة فيذهب الى الأسواق ويمر على مقهى علاوي مرورا بسوق الصفارين، وهو يبحث عن جذوة النار، وحينما يريد أن يستقر وحيدا في أحد حوانيت الفواكه المغلقة تهاجمة ثلة من كلاب ضالة، نهشت ساقه فحاول أن يدافع عن نفسه بإستماتة ليقتل الكلب الضال . لقد إنتصر على ضعفه، وأكد إنسانيته المدمرة مما يحيط به من عتمة وقسوة وعزلة . إن انتصار قيس المجنون والذي كان يدب في شوارع الشطرة باحثا عن الدفيء، ماهو الا إنتصار لحرارة الحب الإنساني الذي يتوهج في أعماقه . لقد نجح الكاتب في هذه القصة وهو يقدم لنا فنا راقيا يندمج فيه حرارة الوصف بعمق المضمون يضاف الى ذلك جمالية الصور وكأنها مشاهد سينمائية.

لعل قصة المغزل من اكثر القصص التي جسدت الروح اللعينة للحرب في تدمير الإنسان وتهشيم ذاته وقدرة هذه الحرب على إبتلاع كل الرغبات المشروعة وتعطيلها موقتا أو نهائيا وإشاعة الحزن والإحباط واللوعة . تصف القصة بشيء من الإسهاب منظر الجنود وهم يتحرقون لرؤية أهاليهم بعد منحهم إجازاتهم، وكيف أن بطل القصة يصارع من أجل الحصول على وسيلة النقل، وحينما تقف الحافلة يكون في بحر التدافع بين الجنود الذين يتهالكون في الوصول لمناطق سكناهم وأهلهم وزوجاتهم .

وحينما تتعرض سيارتهم الى إنفجار يعود الى زوجته ركاما آدميا، فقد بتروا ساقه،وفقد رجولته، وتبدأ المعاناة الحقيقية في العيش والتأقلم مع حدة الواقع الجديد . فها هو يقابل زوجته على خيوط المغزل كي يحولاه الى خيوط، يبيعونها . وفي هذه اللحظات يتعرض البطل الضحية الذي أفقدته الحرب فحولته بالرجوع الى الأحداث، وبين الفينة والفينة تنتشله زوجته من مخزون تداعياته فيقول لها (أطوي) ولهذه الكلمة التي أصبحت كاللازمة التي تتكرر كلما استفسرت الزوجة من جديد، وكأنها تبيح له الإنتقال من مشهد الى آخر . وقد كانت القصة ناجحة من الناحية الفنية لولا الحشو الذي برره المضمون الذي يؤكد على مآسي الحرب ومن هذا الحشو موت الأخ وزواج أرملته من رجل مسن . لأنها لاتخدم النص ووحدته الموضوعية .

لقد كانت هذه القصة تقدم صرخة إحتجاج ضد الحرب وتبعاتها . تلك الحرب التي فتتت كل المسامات الإنسانية الندية ليصبح المغزل وسيلة بديلة للتلاقح العاطفي والإنساني بين الزوج العاجز وزوجته المتعطشة . لقد قدم لنا الكاتب في هذه القصة مضمونا راقيا يتجلى في إدانة الحروب .

في قصته ثلاثة رُقُم طينية . يحاول أنْ يتصدى للعادات والأعراف الريفية والتي بسببها تنشأ الخلافات وتبدأ المعارك وقد أطلق على كل حكاياته تسمية الرقم الطيني ساخرا من هول الفارق بين القيم المتحضرة قبل آلاف السنين، للناس الذين عاشوا على ذات الأرض وقد أسسوا الحضارة وسجلوا منجزاتهم في هذه الرقم الطينية . اما الحكايات التي أوردها، تدخل ضمن المضحك المبكي :

فقد أورد في الحكاية الأولى وصفا ساخرا لفاجعة لها علاقة بتحدي العادات، ويبدأ القتال بينهم ويروح ضحيته الكثيرون، بعد ذلك ينتهي بالصلح وإقامة مأدبة الفاتحة . أما الثانية،فحكاية الزوجة الريفية التي كانت تريد السيطرة لربط الثور فلم تجد وسيلة سوى عقال مترب قريبا منها، مما حدا بزوجها أن يبقر بطنها قتلا لأنها استخدمت عقاله أو مصدر كبريائه وشرفه . وتثور ثائرة اهلها للأخذ بالثار وبعد موت الكثيرين، ينتهي الأمر بالصلح أيضا.

أما الحكاية الثالثة فيتم الأمر بشكل مشابه ولكن بدلا من العقال ربطة العنق . لكن العرف لم ينصف ربطة عنقه لأنها لاعلاقة لها بالكرامة ! . وهكذا يتلاعب الكاتب مابين رقي القيم التي جاءت عبر الرقم، ومابين الحكايات التي سماها (رُقما) على سبيل الإستعارة الساخرة . وهذه الحكايات ماهي الا لقطات إلتقطها من رحم الواقع الريفي محاولا تجريدها من أسسها ومن ثم رفضها .

لقد كان الكاتب موسى غافل متغلغلا في الريف العراقي مما أفرز هذه القصص التي تعبر عن الحياة الريفية بروحها الأصيلة وبجمالها وبشاعاتها وبعاداتها الصالحة والطالحة . كان يسجل فنيا سطورا تتسرب من أفياء الريف وأنهاره وحقوله، كما استطاع أن يسرد لنا قصة العذابات الإنسانية الدفينة للمرأة الريفية وهي تواجه شظف الحياة وقسوتها ومحاطة بالكثير من الهموم اليومية .

المرأة في قصص المجموعة تبدو إمّا أرملة أو تثكل بنيها أو محرومة من العواطف الإنسانية أو مهجورة ومهملة أو تشق طريقا قاسيا للحصول على كسرة الخبز أو حزينة تضرب صدرها وخدودها لوفاة أعز ماتملك . ولعل ذروة المأساة التي وردت في قصته (جذور متوحشة) والتي تدور حول فتاة يقتلها ذووها بشكل تراجيدي مفزع من أجل غسل العار.لذلك فقد جاءت قصصه لتظهر للناس مدى ما تكابده المرأة في الحياة . وقد ناصرها وساند ها من خلال سفح آلامها ورسم تطلعاتها والتركيز على بعض أحلامها عبرأغلب نصوصه . لذا جاءت هذه النصوص معبرة بمجملها عن مخزون ريفي جميل، قدمه الكاتب من خلال إستخدام العبارات والألفاظ وطريقة التعبير والأهازيج وألعاب الأطفال ومسميات بعض الأعشاب وغيرها، إضافة الى انه رسم لنا القرية العراقية من زوايا فنية مختلفة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3669 المصادف: 2016-09-21 10:21:42