المثقف - قراءات نقدية

قصي الشيخ عسكر: فلسفة المكان في قصة د. صالح الرزوق: بحثا عن ميشيل فوكو

qusay askarتضعنا قصص الدكتور صالح الرزوق امام عتبة مهمة لا نستطيع تجاوزها ما لم نحدد بالضبط قبل كل شيء انتماء تلك القصص ومن بعد ياتي تحليلها وشرحها وتفسيرها بميزان النقد الموضوعي.

الدكتور الرزوق عالم سوري في الكيمياء والفيزياء درس في جامعة نوتنغهام بالمملكة المتحدة فحصل على درجة الدكتوراه أضف الى ذلك فهو ناقد وكاتب قصة لقصصه طابع خاص لا ندرك مغزاه ما لم نتحدث عن أدب المهجر.

قلنا ان مفهوم الادب المهجري المعاصر بخاصة عالمي القصة القصيرة والرواية يتمثل في ان تكون هناك اجواء مشتركة بين شخصية المهاجر وشخصيات بلاد المهجر ولابد ان تؤدي الأجواء المشتركة الى تفاعل بين المهاجر ومجتمع المدينة الحاضنة حيث يتجلى ذلك التفاعل في الفكر واللغة ونمط الحياة ومع ان الدكتور الرزوق عاش بضع سنوات في بريطانيا الا ان ما كتبه واطلعت عليه لا يمكن ان ننفي عنه صفة المهجر نعم هو أدب سوري او عربي لكنه من جانب اخر يحمل سمة الادب المهجري فاشخاصه عرب واجانب وهناك اشتراك وتفاعل بين تلك الأطراف التي استوعبتها قضية الزمان والمكان فكأن كاتب تلك القصص نسي نفسه فظن انه يعيش - منذ لحظة وصوله الى بريطانيا وحتى بقية عمره - في بلاد المهجر لهذا السبب يمكن ان نضيف الى مدلول الادب المهجري المعاصر ملحقا نسميه ( ملحق بأدب المهجر) وهو الادب الذي كتبه أدباء عاشوا سنوات خارج بلدانهم ( اوروبا، أمريكا الشمالية والجنوبية ، استراليا، بعض بلدان اسيا وافريقيا) ثم عادوا الى اوطانهم لكنهم قدموا ادبا بمواصفات مهجرية وفي مقدمة هؤلاء ياتي الكاتب الرزوق.

اذن الان وبعد تلك المقدمة أستطيع الدخول عبر المكان في قصة الدكتور القصيرة تلك " بحثا عن ميشيل فوكو" التي تتلخص فكرتها في البحث داخل نوتنغهام نفسها عن مخطوطة للكاتب اليساري الفرنسي المعروف ميشيل فوكو.

بريطانيا ام الرأسمالية نبحث فيها عن فكر يساري هنا يؤدي المكان اكثر من مهمة الوعاء او الحيّز . ان ميشيل فوكو المولود عام ١٩٢٦ والمتوفى في ١٩٨٤ يعد من اهم فلاسفة القرن العشرين وكان اهم فيلسوف بعد بيكون في تأليفه عن المعرفة والسلطة، من مؤلفاته المعرفة والسلطة و تاريخ الجنسانية والنظام والاشياء والجنون والحضارة، ولو استعرضنا كل مؤلفات الفيلسوف فوكو فإننا لا نجد كاتب القصة يبحث عن اي منها بل عن مخطوط لأنعرف ماهو اذن المكان يحتوي على شيء غامض من وجهة نظرنا لكن علينا ان نحدد خطوات البحث عن ذلك المخطوط.

 

البداية الزمنكان:

المكتبة تلك البناية الصغيرة هل تمثل مكانا فقط؟ ان الكاتب اول الامر يقصد المكتبة المركزية في نوتنغهام والمكتبة كما نعرف عدة أماكن لا مكان واحد هناك كتب متنوعة بلغات مختلفة فهي-المكتبة- بلدان كثيرة في مجمع صغير قد نضطر للجلوس في قاعة المطالعة نتصفح فهرسا ونطالع كتابا نعيش زمنا تخر مع امريء القيس او العهد القيصري الروسي ونقابل شكسبير فالمكتبة لم تعد مكانا فقط انها مكان وزمان في الوقت نفسه مع هذا فان الزمنكان نفسه لا بوفر لنا تلك المخطوطة لتخبرنا الموظفة المعنية بالتراث ( الزمن الماضي) ان المخطوطة موجودة في مكان يقع في ريف المدينة المكان الصورة نتحول مع المكان في تلك القصة الى شكل اخر بطل القصة يتحرك وفق خريطة ليستدل على المكان انه يسميها النقطة فالمكان انقلب الى شكل رسم صغير (خريطة تدلنا على الطريق) وهناك علاقة بين طرفين هما الرؤية والرسم ان الصورة الصغيرة ضمت عددا هائلا من الأماكن والشوارع والمعالم والمظاهر الطبيعية من غابات وبساتين وجبال لا تعنينا بقدر ما يهمنا مكان صغير يتحدد موقعه على بعد احد عشر ميلا بل بالعكس بعض هذه الامكنة التي عبرها بطل القصة بدت ميتة او في طريقها الى الزوال .

لذلك يمكن ان نقول عن هذا المكان الواسع المنفتح انه يمتاز بثلاثة خصال : أولاهما النقاء فالكاتب حين يتعب ويصاب بالإرهاق بسبب السيارة والتلوث يتوقف ليتنفس في المكان الواسع المنفتح الهواء النقي من هنا نتبين ان الزيف والحياة المصطنعة تلاحقنا أينما ذهبنا ونحن بتعلقنا بالطبيعة اي المكان النقي كاننا نحاول العودة الى بُطُون امهاتنا ثم ان الطبيعة ذاتها هي المكان الاعم المشترك بين المغترب وابن البلد الأصلي من اليسر والسهولة ان يقول اي فرد انا لا ابحث في رحلتي الى اوروبا عن جمال المنظر وعن طبيعة خلابة فلدي في بلدي مناظر وطبيعة رائعة ربما الغوطة في دمشق والطبيعة في حلب نجدهما اكثر جمالا لكن المغترب اما ان ياتي طالب علم او باحثا عن الأمان عندئذ تكون الطبيعة هي العامل الاساس والمكان المشترك بين المغترب والمواطن ابن البلد .

الثانية هي ان هذا المكان ضم بأمان الى مدة طويلة وفق موازاة زمنية معالم ماض عريق ربما لن يصمد اكثر في الحفاظ عليها يقول الكاتب:

""إنه نمط من العيش في طريقه إلى الزوال في هذه البقعة من العالم. لكنه لا زال يقاوم من أجل البقاء. و لا أظن أنه سيصمد طويلا أمام البلدوزر الكاسح لحركة الهدم و إعادة الإعمار في بدايات القرن الحادي و العشرين""

بمفهومنا الشرقي تتفلسف الامور وفق رؤية البكاء على الاطلال ، اما حسب المنطق الإنكليزي او الأوروربي بصفة عامة فان الامر ينحصر في الحجز المكاني والحجر الزماني اي مكان يصبح ماضيا ويشكل موقعا مهما ينقل الى متحف، او يكون هو نفسه متحفا وهو باق في مكانه بتعبير اخر يكون رؤيا بدلا من رؤية (وقوف على الاطلال) الثالثة ان المكان الذي هو الطبيعة وهو الاوسع والأعم الرمز المشترك مازال الى الان يقاوم الدمار في معركة الوجود دون ان نعي ان وجوده هو وجودنا والقضاء عليه هو القضاء علينا. شاهد الجريمة موجود وان كان فعلا بدائيا. استشهد مرة اخرى بنص اقتبسته من القصة ذاتها:

"في هذه الأثناء سنحت لي الفرصة لتقليب النظر فيما حولي. كانت الحقول معشوشبة و لا تخلو من شجيرات عباد الشمس و فزاعات طيور تقف العصافير و غربان الزرع عليها، الأمر الذي يبعث في المرء الرغبة بالهزء و السخرية. و تبادر لذهني: حتى الحيوانات لم تعد تخاف من أساليبنا البدائية في المكر و الدهاء"

مع ذلك يبقى المكان الاعم: الطبيعة، الام، الرمز المشترك للجميع يبقى يتمثل لنا في بعض الأحيان كما لو نبدو في غنى عنه لانه يثير حزننا ومخاوفنا لأننا تعودنا حياة الصخب والنَّاس المحيطين بِنَا على الرغم من كونها حياة متعبة، من دون صخب ومكان مزدحم نشعر بالحزن، فما ان ارتاح السارد قليلا وتنفس بعمق وتمعن في المشهد الواسع دقائق معدودة حتى شعر بالحزن وربما لو بقي وقتا أطول لراوده الخوف وربما من خلال هذه اللمحة ندرك الرونق والسعادة الغامرة في الرحلات الجماعية من قبل المؤسسات والمدارس للأرياف والصحاري والغابات - وعندنا في البصرة منطقة الاثل وجبل سنام الملحي- لان الفرد وحده يشعر بالخوف حين يتحرر من المجموع ليتوغل في الطبيعة ولا تكتمل نشوته وفرحه وغبطته الا حين يكون فردا من جموعة ألفها ضمن المكان الصاخب وهو محلته او مدينته .

المكان الاخر الصورة هو لافتة مهملة، لوحة صغيرة تشير الى العنوان في هذه الحالة يتحول المكان الى دليل او مرشد على الأغلب لكن يصبح في لحظات قليلة محطة وقوف لا نحتاجها الا لحظات قليلة فنتحول عنها الى الجهة المقصودة والمكان الذي يشغل صورة ودليلا على أهميته يبقى يحتل اقصر وقت للتفكير في حياتنا نقف عنده مرة واحدة نستدل به ثم لم نعد نلتفت اليه او نبالي به.

يتبع الجزء الثاني

تعقيب: إتماما للفائدة سأنشر القصة كاملة مع الجزء الثاني من المقال

 

قُصي عسكر

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (5)

This comment was minimized by the moderator on the site

معذرة لورود بعض الأغلاط الطفيفة التي غيرها الجهاز الحساس ولم التفت اليها مثل ثلاثة خصال والصحيح ثلاث خصال
وبعض التغيير الإملائي الذي لا يخفى على القاريء الكريم
قُصي عسكر

قُصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

إنها صدفة أن أكتب عن فترة من حياتي في نوتنغهام ثم يتسنى للدكتور الشيخ عسكر الاطلاع على القصة و هو يعيش حاليا في نوتنغهام. هذا نوع من التعاون المثمر بسبب المظلة التي تمتد فوق ذكرياتي و فوق معاناته الحالية و كل هذا في مكان واحد. فلسفة المكان. شكرا للدكتور على وقته الثمين و شكرا لنوتنغهام اللتي وفرت لي فرصة التعرف عليه.

صالج الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا علي هذا المقال فقضية الزمان والمكان في القصة لما له من القصة وارواية على حد سواء ،فالزمكانية تحدد المفاهيم الاديديولوجية والفلسفية للكاتب والشخصية علي حد سواء،واذا ما حاولنا البحث في جدلية المكان الاخر لعرفنا قيمة الفكر الفلسفي لدي الكاتب للقصة، وليس بالسهل القيام بذلك لما لها من تعقيدات وسياقات تركيبية محتملة الوجود كما هو حال الفكر اليوتيوبي، وحتى لا نقع في هذا الفخ علينا الا نهمل المعنى التركيبي والفضاء المعاش لنفهم قوة الحجة وفلسة الغموض التي اوردها النص.

لمياء صغير
This comment was minimized by the moderator on the site

وشكرا لك على ذوقك النقدي وحسك الادبي المرهف يبدو ان لديك اطلاعا وأسعار واهتماما بالبعد الفلسفي للنصوص الادبية ضمن السياق الفني
انا لك من الشاكرين لاهتمامك
قُصي عسكر

قُصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الدكتور صالح الرزوق
لدي اكثر من قصة قصيرة لك وهي من الأدب المهجري الذي يعكس حياة العرب والانكليز وعلاقة الاثنين وأطر تفكير كل منهما
تحياتي لك

قُصي عسكر
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3672 المصادف: 2016-09-24 04:48:39